المنتخب المغربي يزيل العياء في ليل    إصابة شخصين بعد استعمال شرطي لسلاحه الوظيفي بحي مسنانة بطنجة    "حوار" تكرم باسو بمدينة أوتريخت    توقيف شخص بفاس وحجز أزيد من 7000 قرص مخدر بمحطة القطار    كلمة المخرج المسرحي طارق بورحيم    المسرح المغربي ينتقل إلى مرحلة جديدة : بنسعيد يؤشر على الرفع من سقف المنح وتدابير جديدة لترسيخ الاحترافية    أوروبا تدعم حرية العبادة في القدس    فوضى النقد    "نقابة" تدعو إلى التوظيف العاجل لتقنيي الإسعاف والنقل الصحي وتحذر من خصاص حاد بالمؤسسات الصحية    الجامعة الوطنية للتعليم تقرر الطرد النهائي لحسن أومربيط على خلفية تزوير بطائق الانخراط    صراع "السّوشل ميديا"    الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) يجري تعديلات على لوائحه لتعزيز الثقة في الحكام ومشغلي تقنية الفيديو والهيئات القضائية (بيان)    المغرب يطالب بموقف عربي موحد لردع التدخلات الإيرانية ووقف استهداف المدنيين    توقعات أحوال الطقس لنهار اليوم الأحد        زيادات قوية جديدة مرتقبة في أسعار المحروقات بالمغرب    مسار نضالي لشابة اتحادية من فاس إلى قيادة «اليوزي» .. انتخاب هند قصيور عضوا في مجلس الرئاسة يعزز الحضور المغربي في الدبلوماسية الشبابية    اللقاء الجهوي للحزب بجهة مراكش – أسفي يصادق على أوراق المؤتمر الجهوي    منح الرخص الاستثنائية لاستيراد التمور يضع الحكومة أمام سؤال العدالة التجارية والمنافسة الشريفة    الإكوادور تكشف حاجة المنتخب الوطني لمزيد من العمل رغم الإشارات الواعدة    احتفاء بيوم الأرض الفلسطيني .. ليلى شهيد.. حياة بين المنفى والنضال وعشق المغرب    رسملة البورصة تتجاوز 964 مليار درهم    فضاء حقوقي يسجل تنامي التضييق على الحريات ويدعو لانفراج سياسي    فتوى الخامنئي المرسلة لإخراج فيلمي حول الإمام الحسين    فيدرالية اليسار تحذر من "أزمة مركبة" وتدعو لكسر ثنائية "الاستبداد والمحافظة"    موهبة ريال مدريد يسير على خطى لامين يامال ويُفضل "لاروخا" على المغرب    تنقيلات داخلية لرجال السلطة المحلية لمواجهة العشوائي بإقليم مديونة    الحسيمة.. زيارة ميدانية لمواكبة إعادة إحياء زراعة الصبار    المعرض الجهوي للكتاب والقراءة بأولاد تايمة في دورته ال18 يحتفي بالثقافة والتراث    كوريا تطلق نظام "تناوب السيارات" وترفع حالة التأهب بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا    نادي المحامين يكلف مفوضا قضائيا لتوثيق وقائع ملعب ستاد دو فرانس ويصعد نحو الفيفا    غوغل تطلق رسميا ميزة "البحث الحي" بالصوت والكاميرا    رئيس البرلمان الإيراني يقول إن واشنطن "تخطّط سرا لهجوم بري" رغم بعثها "علنا"رسائل للتفاوض    ارتباك بصري في ودية أمريكا وبلجيكا    حركة "لا ملوك" تٌخرج ملايين المتظاهرين في الولايات المتحدة ضد ترامب وسياساته    بعد انتشار فيديو صادم.. توقيف سائق حافلة اعتدى بوحشية على سائق شاحنة    بريد المغرب يصدر طابعا بريديا تذكاريا بمناسبة الدورة ال 58 للجنة الاقتصادية لإفريقيا    فاجعة في ملعب أزتيكا تسبق مباراة المكسيك والبرتغال الودية    جلسة عمل بالرباط لمناقشة تحضيرات تنظيم البطولة العربية للمواي تاي بطرابلس    أمطار مراكش تكشف اختلالات البنية التحتية وتفجّر مطالب بالتحقيق والمحاسبة وتعويض المتضررين    إيران تقصف مواقع صناعية في الخليج    عمان: لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجمات على السلطنة    واشنطن بوست: البنتاغون يستعد لإطلاق عمليات برية داخل إيران    توقيف العقل المدبر لعمليات "الاختراق الجوي" بطنجة في عملية أمنية محكمة    "ناسا" تخطط لتطوير قاعدة دائمة على سطح القمر بكلفة 20 مليار دولار    سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية ل"مازغان"            مظاهرة في لندن ضد اليمين المتطرف    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحّالة بيْن عالميْن .. ليون الإفريقي

المؤرخة الأمريكية الشهيرة ناتالي زيمون ديفس (1928) أستاذة التاريخ الاجتماعي في جامعة »برينستون«، اكتشفت شخصية »ليون الأفريقي« باكراً وأولعت بها منذ سنة 1952. فقد وقعت ناتالي زيمون ديفس وقعت بالمصادفة، خلال الأبحاث التي كانت تجريها سنة 1952 للتوثيق لقصة مارتن غير، على كتاب من الحقبة ذاتها يحمل عنوان »وصف تاريخي لأفريقيا بقلم جان ليون الأفريقي«. وهو كتاب طبعه في مدينة ليون الفرنسية عام 1556، الناشر جان تومبورال الذي منحه الملك هنري الثاني امتياز ترجمة هذا العمل من مخطوطته الأصلية التي كتبها »الأفريقي« بالإيطالية.
كانت ناتالي زيمون ديفس تدقّق في الأعمال التي طبعها الناشر تومبورال لأن بعضها جاء على ذكر قصة مارتن غير. وإذا بها تقع في غرام شخصية أخرى لا تقل غرابة وتشويقاً، هي شخصية »ليون الأفريقي«. قرّرت المؤرّخة الأمريكية، وكانت يومها في الثلاثين، أن تخصّص للأفريقي بحثاً منفصلاً ما أن تنهي كتابها عن مارتن غير. من هنا كتابها القيّم »ليون الأفريقي: رحالة بين عالمين« (منشورات »بايو« باريس. فيما ترجمة الفقرات الأولى من الكتاب.
في سنة 1514، قدَّمَ ملك البرتغال، مانْويلْ الأوّل، فيلاً أبيضَ غنمه جنودُه من الهند، كهديّة إلى البابا ليونْ العاشر. وفي موكب بهيج، طاف سكّان مدينة روما المسرورن بالفيل، الذي أطلقوا عليه اسم «أنونْ» أو «هانو»، والذي كان يجسّد بالنسبة للبابا نيّة الملك في جعل الممالك، التي تمتد من أفريقيا الشمالية إلى القارة الهندية، في كنف المسيحية. وقد عاش «هانو»، الذي كان يحتل مكانة خاصة في قلوب الرومان والبابا، والحاضر في الأحداث العمومية والاحتفالات، ثلاث سنوات داخل حظيرته. وقد خصّه الشعراء وكُتّاب السير والهجاؤون بنصوص خالدة، كما شخّصه الفنانون رسوما ولوحات ونحتا على الخشب، وزُيِّنتْ به نافورات المياه، والنقوش التزيينية والصحون. وحتى الفنان الكبير رافاييلْ نفسه وضع رسما جداريّا تخليدا لذكراه.
في سنة 1518، سوف يقدم أحد القراصنة الإسبان، الذي عاد لتوّه منتصرا بعد حملات مجيدة ضد سفن المسلمين بالبحر الأبيض المتوسط، كهديّة إلى نفس البابا رحَّالَةً وديبلوماسيا من شمال إفريقيا، كان قد أسره، ويُدعى الحسن الوزّان، وهو ينحدر من مدينة فاس. وكانوا يأملون منه أن يكون مصدرا ثمينا للمعلومات، ويصبح رمزا للحملة الصليبية ضدّ الأتراك العثمانيين والدين الإسلامي التي كان البابا يرغبُ في خوْضها. أَلَمْ يكن الأتراك يشكلون تهديدا متزايدا للمسيحية منذ حملتهم العسكرية على مدينة القسطنطينية سنة 1453؟ وقد دوّنوا وصول الديبلوماسي وحبْسَه في السجلات والمراسلات الديبلوماسية. خمسة عشر شهرا بعد ذلك، كان تعميده في كنيسة سان-بيير مناسبة أقيمت خلالها احتفالات باذخة. وقد كان أحد القيّمين على الخزانة يسجل الكتب التي يقترضها. لكن، وقياسا إلى إقامة «هانو» ، فإن السنوات التسع التي قضاها الحسن الوزان في إيطاليا، لم يذكرها أولئك الذين شاهدوه، وحضوره لم يُسجّله أولئك الذين خدمهم، ولا أولئك الذين عرفهم، ثم إنّ صورته لمْ يرسمُوها ولا أعادوا رسمها إلى ما لا نهاية. أما عودته إلى شمال إفريقيا، فلمْ تُذكَر إلاّ عَرَضا في وقت لاحق. ولم يتبقّ من حياته، لدى أولئك الذين يهتمون بالأدب العربي أو بأدب الرحلات، سوى ذكرى خفية/بعيدة تناقلتها الألسُن شفهيّا ولا تُذْكَر إلاّ في كتابات متأخّرة.
وفي إفريقيا الشمالية، فإن الصمت التي يتعرّض له يبعث بدوره على الحيْرة. فطيلة السنوات التي كان يعمل خلالها الحسن الوزّان لفائدة سلطان مدينة فاس عبر المدن المغربية المتاخمة للمحيط الأطلسي، لم يجشم الجنود أو الإداريون البرتغاليون أنفسهم عناء ذكر اسمه حتى في الرسائل التي كانوا يبعثون بها إلى الملك مانويل، رغم أنها رسائل تعجّ بالأخبار والمعلومات. ومع أنه عمل في السلك الديبلوماسي لسنوات طويلة بالقاهرة، فإن المرء لا يعثر على اسمه في كتابات ملاحظ متفحص وثاقب النظر، والذي كان يعدّ كل يوم لائحة زوار بلاطات سلاطين المماليك والمشرق.
ورغم ذلك، فقد خلّف الحسن الوزان عددا كبيرا من المخطوطات في إيطاليا، من بينها مخطوط نُشر في كتاب سنة 1550، وعرف نجاحا منقطع النظير. ومع توالي القرون، سوف يثير هذا الكتاب فضول القرّاء والباحثين في مناطق مختلفة من العالم. وقد انطلقت كل أشكال الغموض التي تحيط به، والتي طالت حتى اسمه نفسه، منذ الطبعة الأولى من الكتاب. فحين أصدره جيوفاني باتيستا راموسيو، أطلق عليه اسم La Descrittone dell›Africa (وصف إفريقيا) وسمّى الكاتب بالاسم الذي تمّ تعميده به «Giovan Lioni Africano» (يوحنا ليون الإفريقي)، وأورد سيرة ذاتية قصيرة له في ثنايا مقدة الكتاب. وهذا الاسم ذاته هو الذي نجده مبثوثا في مختلف الإصدارات اللاحقة للكتاب، المنشور بمدينة البندقية باعتباره الجزء الأول من مجموعة «ملاحة وأسفار» لراموسيو، وكذلك في الترجمات الأوربية التي سارت على منوالها: «Iean Leon, African [كذا] بالفرنسية (1556)، «Ioannes Leo Afrianus» باللاتينية (1556) و»John Leo, a More» بالإنجليزية (1600). وعَبْر الترجمة الألمانية (1805) ل»Johann Leo der Africaner» يواصل الكتاب تشكيله للرؤية الأوربية عن إفريقيا، علاوة عن كونها رؤية تصدر عن شخص عاش في هذه الأصقاع التي سافر إليها1.
في هذه الأثناء، سوف يعثر أحد البحّاثة من خزانة الأسكوريال بإسبانيا، وكان بدوره مسيحيا مارونيا منحدرا من سوريا، بالصدفة على مخطوط كان الحسن الوزان قد كتبه باللغة العربية حول موضوع آخر. وقد كان هذا المخطوط يحمل اسم كاتبه الإسلامي والمسيحي معا، وهو ما أشار إليه في الفهرست الذي أعده للنشر (1760-1770). وبعد مرور قرن من الزمان على ذلك، وحين أدرج المستشرق النابغة شارل شيفرْ كتاب «وصف إفريقيا» ضمن مصنّفه «مجموع الرحلات»، برز اسم عربي في المقدمة؛ وفي المجموعة الكلاسيكية لأدب الرحلات، التي كانت تصدرها « جمعية هاكلويْط» بأنجلترا، وردتْ في صفحة العنوان العبارة التالية: «By Al Hassan Ibn-Mohammed Al-Wezzan Al-Fasi, a Moor, baptized as Giovanni Leone, but better known as Leo Africanus» (بقلم الحسن الوزان الفاسي، المغربي، المعمّد بيوحنا ليون، لكن المعروف أكثر بليون الإفريقي).
إن الظل الذي كان يواري كاتبه لمْ يَزُلْ رغم كل شيء. بعد ذلك، وطيلة العقود الأولى من القرن العشرين، حاول بعض الباحثين القيام بمقاربة جديدة للركتاب وللرجل معا. ففي سياق «العلوم الكولونيالية» الفرنسية الجديدة، التي تعتني بجغرافية إفريقيا وتاريخها وإثنوغرافيتها، خصّص الشاب لويس ماسينيون أطروحته بجامعة السوربون للمغرب الأقصى في السنوات الأولى من القرن السادس عشر، كما وصفه «ليون الأفريقي». فانطلاقا من قراءة متنبهة للنص (وهي تقنية سوف تتطوّر في كتاباته العملاقة اللاحقة عن التصوّف والشعر الصوفي) تمكّن ماسينيون أنْ يستخرج منه ما استطاع استخراجه، ليس فقط ما يتعلق بجغرافية المغرب، وإنما كذلك ما يهمّ حياة الحسن الوزان ورحلاته، مركّزا بكيفية أخصّ على مصادره وطرق ملاحظته وتصنيفه. وحسب ماسينيون، فإن إطار كتاب الوزّان «أضفي عليه الطابع الأوربي كثيرا»، بينما «ظلّ العمق عربيّا». وقد نُشِرتْ دراسة لويس ماسينيون سنة 1906، في مرحلة هامة كانت تسعى خلالها فرنسا فرض حمايتها على المغرب2.
كانت المؤرخة والجغرافية أنجيلا كودازي تعرف حقّ المعرفة دراسة ماسينيون، كما كانت تعقد أملا كبيرا على أنْ يتمّ يوما ما العثور على المخطوط الأصلي لكتاب الحسن الوزان. وبما أنها كانت من بين المترددين على مختلف مصنّفات الخزانات الإيطالية ومخطوطاتها، فقد أعلنت سنة 1933 بأنها قد عثرت على مخطوط إيطالي لوصف إفريقيا، ودوّنت في متنه مختلف الفروق الموجودة بينه وبين الطبعة التي أصدرها راموسيو. وفي الفترة الزمنية نفسها، قام جيورجيو ليفي ديلا ديفا، وهو من بين المتخصصين البارزين في اللغات والآداب السامية، باكتشافات جديدة بدوره. فعلى إثْر طرده من منصبه كأستاذ كرسيّ بالجامعة، سنة 1931، بسبب آرائه المعادية للفاشية، اسْتُدعي للإنجاز جرد للمخطوطات العربية الموجودة بخزانة الفاتيكان. وقبل رحيله إلى الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1939- مسألة أمنية بالنسبة لرجل يهوديّ- كان قد وضع اللمسات الأخيرة على دراسة حول إنشاء المصنّفات المشرقية بالفاتيكان. ومن بين الكنوز العديدة الموجودة فيها، يجد المرء عناصر هامة تتعلق بالطريقة التي كان يقرأ بها الحسن الوزان، ويكتب ويوقّع. وعند عودته إلى إيطاليا، بعد الحرب، ساعد ليفي ديلا فيدا المؤرخة أنجيلا كودازي على قراءة وتأويل مخطوطيْن كانت قد عثرتْ عليهما ل»يوحنا ليون الإفريقي» يتحدثان عن موضوعات أخرى.
آخر تقديم «كولونيالي» ليوحنا ليون الإفريقي ينطوي على أهمية كبرى، كانت ترجمة فرنسية جديدة مفسرة أنجزها ألكسي إيبولار. فخلال السنوات التي قضاها بالمغرب بصفته طبيبا وضابط في الحماية الفرنسية، أُعجب إيبولار ب»القيمة العظيمة» للمعطيات التاريخية والجغرافية لكتاب «وصف إفريقيا». يستند كتابه أساسا على العمل الذي قام به كلّ من لويس ماسينيون وأنجيلا كودازي، دون أنْ يتبنّى روحما مع ذلك. وإذا كان إيبولار قد عوّل على المخطوط الإيطالي، بروما، سنة 1939- وصفّق لمشروع أنجيلا كودازي بنشره ذات يوم (وهو مشروع لم يتمّ للأسف)- فإن نسخة «وصف إفريقيا» التي قدّمها تجمع بين الطبعة التي نشرها راموسيو، وبين ترجمات شخصية لبعض المقاطع، وبين صياغة حديثة للترجمة الفرنسية في لقرن السادس عشر. وقد كان يجهل أنّ الاختلافات الموجودة بين هذه النصوص، يمكن أن تنمّ عن اختلافات أكبر من حيث الحساسية الثقافية.
وكما هو الشأن بالنسبة لماسينيون، فإنّ طبعة إيبولار كانت تقارن معطيات مأخوذة من «وصف إفريقيا» بعناصر خارجية- بدْءا من المسافة الموجودة بين مختلف الأمكنة إلى سير الأحداث التاريخية. وقد أدْخل عددا من التصويبات على الوزّان حين كان يبدو ذلك ضرويا، كما شرح الأسماء الجغرافية، ودقق في أسماء المؤلفين العرب الواردة. ومن أجل تحقيق ذلك على الوجه الأكمل، عَمَدَ إيبولار إلى تجميع فريق فرنسيّ من المتخصصين في الدراسات المتعلقة بجنوب الصحراء، من بينهم اثنان يعملان بالمعهد الفرنسي لإفريقيا السوداء بمدينة دكار السينغالية؛ كما راجع بعض المتخصصين في قضايا الفولكلور والكتابات التاريخية عن إفريقيا الشمالية. وتُعتبر الحواشي والتعليقات الواردة في طبعة إيبولار مفيدة، غير أنها لا تتناول المسألة الأساسية التي أثارها ماسينيون: وهي معرفة أين يتموضَعُ النص أو كاتبه بالنسبة للعالَم الذي كان يتحدث عنه، وبالنسبة للعالَم الذي كان يخاطبه. ومرّة أخرى سوف يتمّ تذويب الاختلافات، بما أن إيبولار يحبّ فكرة كوْن «يوحنا ليون» لم يفارق حياته المسيحية أبدا بإيطاليا».
غير أنّ إيبولار لمْ يعمّر طويلا ختى يرى مشروعه مكتملا. ذلك أن فريقه أنجز المهمة على الوجه الأكمل، وبالتالي أصدر نسخة «وصف إفريقيا» بمدينة الرباط من طرف معهد الدراسات المغربية العليا سنة 1956، وهي السنة ذاتها التي حصل فيها المغرب على استقلاله.
وقد كان فريق إيبولار يستهدف على وجه الخصوص قراءً من المؤرخين الأفارقة، وبالتالي لم يكَدْ يمْضي وقت طويل حتى شرع متخصصون في إفرقيا الجنوبية في التساؤل عن مدى مصداقية الوزّان باعتباره شاهداً. وخلال العقود التي تفصلهم عن نهاية القرن العشرين، قام باحثون من أوربا وإفريقيا وأمريكا بمقارنة الصفحات التي كتبها عن إفريقيا السوداء، بعناصر أخرى مؤكدة، وبروايات لاحقة. وفي الوقت الذي يؤكد فيه البعض بأن الوزان يورد تفاصيل ثمينة ومقنعة عن مجتمعات ومماليك مغمورة، فإن البعض الآخر يقول إنه يورد روايات غريبة ومبالغا فيه سمعها بتومبوكتو التي لم يغادر يوما ما أسوارها. هنا رئيس قبيلة عاش بالفعل، وهناك غزوة لم تقع أبدا؛ وهنا ممارسة تجارية مؤكدة، وهناك حريق لم يذكره شخص آخر غير الوزّان. كلّ هذه المقاربات- التي هي رغبات محمودة لإجراء» فحص دقيق» لمصدر أوّليّ- تجزّئُ «وصف إفريقيا» إلى شذرات دون أنْ تنظر إلى الكتاب كمجموع كلّيّ، أوْ تهتمّ بالممارسات الأدبية لكاتبه3.
وفي الوقت الذي كان فيه الباحثون المهتمون بالحضارة الإفريقية يخوضون نقاشات قوية، شرع جيل جديد، ظهر ما بعد المرحلة الكولونيالية، في قراءة الحسن الوزّان. ومن بين الممثلين البارزين لهذا الجيل الباحثة أمْ البنين الزهيري، التي قادتها رحلاتها من موطنها الأصلي المغرب إلى فرنسا فالولايات المتحدة الأمريكية. وقد أصدرتْ كتابَها سنة 1991 بعنوان «إفريقيا في مرآة أوربا: fortunes من يوحنا ليون الإفريقي إلى عصر النهضة»، وكشفت من خلاله مدى التأثير الذي مارسته طبعات كتاب يوحنا ليون على الرؤية الأوربية للشعوب وللأمكنة ولماضي إفريقيا. وعبْر بانوراما واسعة تشمل المؤلفات الأدبية وكتب التاريخ والجغرافيا، قامت أمّ البنين بتفصيل المعطيات التي استقاها المؤلّفون الأوربيون من «وصف إفريقيا»، وإبراز كيف أعادوا تشكيلها وفي بعض الأحيان تجاهلها. وبطريقة أصيلة، أعادتْ وضع العالَم غير الأوربي في سياق وَعْي عصر النهضة. وخلافا للدراسات السابقة المتعلقة بموقف الأوربيين تُُجاه الأتراك، حيث كان المُتخيَّل كله يُنْظَر إليه من الزاوية الأوربية، فإنّ كتاب «إفريقيا في مرآة أوربا» قد تناول المسألة من زاوية التفاعل الذي يحتلّ فيه الشمال إفريقي ليونْ مكانة التميّز. ومن خلال مواصلة أمّ البنين لتطوّر حكاية ليون عبر القرون، فقد انصبّ اهتمامها على المشاكل التي يطرحها المخطوط في حدّ ذاته.
أما الدراسة الثانية التي تكتسي أهمية قصوى، فإنها قدمتْ إلينا من منطقة أخرى من العالم، وتبحر بقصة ليون الإفريقي في اتجاهات مختلفة. فبعد السنوات التي عمل فيها ضابطا ثم دبلوماسيا بكل من المغرب وتونس، انكبّ الألماني ديتريش روشنبرغر على دراسة الحسن الوزّان الذي كان يثير فضوله ويشغل باله كثيرا. وقد أفضى به بحثه، من بين مراحل أخرى، إلى مخطوط روما الذي كان هو الأساس الذي استند عليه لكي يؤلف كتابه الضخم Johannes Leo der Afrikaner (1999). في هذا العمل، عاد روشنبرغر إلى حياة ليونْ وأعماله وإلى الوسط الإيطالي الذي عاش فيه؛ كما كشف عن صدى مؤلفاته لدى الباحثين الألمان. وتتجلى قوّة العمل الذي انجزه روشنبرغر في معالجته الرائعة لصفحات الوزّان موضوع الجدال، والمتعلقة بإفريقيا جنوب الصحراء. فضْلا عن كوْنه استعمل المخطوط واختلافاته بالمقارنة مع الطبعات الصادرة من أجل إقرار مصداقية الوزان بصفته ملاحظا ورحّالة، وأدرج هذا الحكم في إطار صباغة جد غنية للمناطق الصحراوية الجنوبية وشعوبها. ويستخلص مستشهدا بواحد من المتخصصين في إفريقيا الذي اشتغل ضمن فريق إيبولار: «نحن محظوظون لأن كتاب ليون الأفرقي صدر في أوربا، ولفائدة جمهور أوربيّ. فلو كُتِب لجمهور عربيّ، لأُهْملت العديد من التفاصيل الثمينة لأنها ستُعتبر معروفة».
وفي مستوى آخر، فإنّ أهل الاختصاص في شؤون الدراسات العربية، والباحثين بالمغرب باتوا يُقبلون أكثر فأكثر على دراسة الحسن الوزّان وكتابه عن إفريقيا. ففي سنة 1995، سوف يقدّم أحد المتخصصين في الأدب العربي، وهو سيرافين فنجول ترجمة جديدة ل»وصف إفريقيا» إلى الإسبانية اعتمادا على طبعى روميسيو. لقد سعى، من جهة، إلى ردْم الهوّة ما بين المُسْتعربين والمسْتغربين، ومن جهة أخرى، وباسم «التراث الثقافي» المختلط بإسبانيا، إلى استعادة «خوانْ ليون» المُزداد بغرناطة، وكتابه.
وكانتْ تخامر فنجولشكوك حول ما إذا كان ليون الإفريقي قد اعتنق المسيحية اعتناقا صادقا. وهي العملية التي أرْبكتْ منذ البدْء الباحثين المغربية. ففي دراسة رائدة لمحمد المهدي الحجوي [بعنوان «حياة الحسن الوزان وآثاره»، سنة 1933] يصف فيها الحسن الوزان كأسير أجبروه على اعتناق المسيحية، لكنه ظلّ دائما متمسكا بشعبه ودينه، بلْ ذهب به الأمر إلى حدّ التأثير في البابا. بعد ذلك بخمسة وأربعين سنة، أيْ في سنة 1980، صدرت بالرباط الترجمة العربية الأولى لكتاب الوزّان عن إفريقيا. وكان مترجمه محمد حجي قد ناقش قبل ذلك بقليل أطروحته بمدينة السوربون عن الحياة الفكرية بالمغرب خلال القرنيْن السادس عشر والسابع عشر، وأصبح أستاذا لمادة التاريخ بجامعة محمد الخامس بالرباط. وفي مقدمة ترجمته للنسخة الفرنسية التي أعدّها إيبولار، دافع حجي عن إسلام الوزان الصادق، مشددا على تظاهره باعتناق المسيحية . ومن الأدلة التي يقدمها الصبغة الإسلامية المتجلية في كتاب «وصف إفريقيا» كلما تحدث عن عادة أو عيد أو غير ذلك مما يخص المسلمين نسبه إلى نفسه مع جماعة المسلمين قائلا «عندنا».
وقد أعيد طرح هذه القضايا سنة 2003 بباريس، بمناسبة انعقاد ندوة علمية عن ليون الإفريقي. وهس ندوة جمعت ثلّة من المختصيّن من المغرب العربي وأوربا وأمريكا الشمالية الذين تهمّهم هذه الشخصية الملغزة. ولم يعد المغرب يومها يسعى لاسترداد نسب الوزان إليه. فقد كانت الطريق قد عُبِّدتْ في جزء منها ليس بفضل الدراسات العالِمة، وإنما بفضل رواية اكتسبت شعبية كبيرة وحيوية كبيرة، وهي رواية «ليون الإفريقي» التي كتبها أمين معلوف. ازداد معلوف بلبنان من أسرة تعتنق ديانات مختلفة، وجاءت من آفاق مختلفة. عمل مدة بالصحافة العربية، وبعد أن مزّقت الحرب الأهلية بلاده استقر بفرنسا. وبها أنهى دراساته في الاقتصاد وعلم الاجتماع، ثم أصبح صحافيا ورئيس تحرير أسبوعية «جونْ أفريكْ»، التي كانت موالية للحركات الاستقلالية الإفريقية والبلدان الفتية التي حصلت على استقلالها. في سنة 1983 سيصدر رواية «الحروب الصليبية كما يراها العرب» باللغتيْن العربية والفرنسية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.