الماء مقطوع والفواتير مستمرة.. سكان دواوير بالقصر الصغير يعودون إلى الآبار    الأنظار تتجه لمحاكمة نائب رئيس مقاطعة مغوغة وحقوقيون يترصدون محاولات التأثير        بعد زيارته للسينغال.. موتسيبي يحل بالمغرب ولقاء مرتقب مع لقجع بالرباط    توقيف شخص بعد نشر فيديوهات تحرض على قتل أشخاص من ديانات مختلفة    "الكاف" ينفي معاملة تفضيلية للمغرب    توقيع اتفاقية شراكة بين مجموعة بريد المغرب ووكالة التنمية الرقمية لتسريع التحول الرقمي    إحباط تهريب 181 كلغ من الشيرا        سان جرمان يضع قدما بنصف النهائي    دوري الأبطال.. برشلونة ينهزم أمام أتلتيكو مدريد (2-0)    انتشار عسكري مكثف للجيش الاسباني على حدود سبتة المحتلة    التوقيع على اتفاقية شراكة بين المديرية العامة للأمن الوطني والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات (بلاغ مشترك)    وزارة التربية تدعو النقابات إلى الحوار    البرلماني بوعزة ينفي تزكية البام للتجمعي المكوثي في انتخابات 2026 ويعلق بشأن تجديد ترشيحه    مدرب "الأشبال" يأمل الفوز ب"الكان"    ترامب: لبنان ليس جزءا من اتفاق وقف إطلاق النار    بنموسى: تكييف السياسات العمومية مع واقع العائلة شرط أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية    موزعو "البوطا" يشلون القطاع بإضراب وطني    ترامب: اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران "لا يشمل" لبنان    مقتل 254 شخصا جراء غارات إسرائيلية على لبنان وإيران تهدد بالرد في حال استمرار "العدوان"    المغرب والنيجر يعقدان الدورة الخامسة    الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    الارتفاع ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى 89 قتيلا    الهدنة تهبط بالنفط نحو 18 بالمئة دون 92 دولارا للبرميل    الاتحاد الاشتراكي ومغاربة العالم مسار نضالي تاريخي وأفق سياسي متجدد في رهان 2026    نشرة إنذارية.. هبات رياح قوية مرتقبة غدا الخميس بعدد من مناطق المملكة    وزان تحتضن المهرجان الدولي للسينما الأفروآسيوية    رياض السلطان يحتفي بتجربة فيروز وزياد الرحباني مع الفنانة سامية أحمد    جريدة آفاق الشمال تجربة فريدة في الصحافة الورقية بمدينة العرائش    الجامعة بلا شرط/16. كيف ترسُمُ الاقتصاد        استئناف الحركة في مضيق هرمز بعد وقف إطلاق النار    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    الميلاتونين بين زمنين    المجلس الوطني لحقوق الإنسان يؤكد المحاكمة العادلة في قضية "نهائي الكان"    "جيتكس إفريقيا".. المركز المغربي للتكنولوجيا المالية وبنك إفريقيا يوقعان اتفاقية لدعم الابتكار المالي    الرباط تحتضن مؤتمر مجالس الشيوخ الإفريقية.. ولد الرشيد يدعو إلى تنسيق برلماني مشترك وترسيخ السلم    تطور البناء ينعش معاملات "صوناسيد"    غوتيريش يرحب بوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران ويدعو لاتفاق سلام "دائم وشامل"    رفضا لفتح رأسمال الصيدليات.. كونفدرالية الصيادلة تقرر الاحتجاج أمام مجلس المنافسة    "متحف بيكاسو مالقة" ينعى كريستين عن 97 سنة    "بين جوج قبور" يعرض في مونتريال    دوري أبطال أوروبا.. بايرن يكسر عقدة ريال مدريد وأرسنال يحسمها في الأنفاس الأخيرة    ترامب يترقب "جني أموال طائلة"        انطلاق مشروع تأهيل مركب الوازيس لتعزيز البنية التحتية للرجاء    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب يحدّ من إجهاد كوفيد طويل الأمد    الوكالة المغربية للأدوية تحذر من مكملات شائعة للتنحيف قد تسبب اضطرابات خطيرة    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    دراسة: الذكاء الاصطناعي يشخص سرطان الحنجرة    في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب الإنسان        فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المصالحة : (لتجاوز الانتظارية القاتلة)

كما لها أسبابها الذاتية. والإشكال في ظني، يعود في قسم منه على الأقل،إلى ضرورة التمييز بين ما هو موضوعي، مشترك بين جميع مكونات اليسار، وبين ما هو ذاتي خاص بهذه التشكيلة أو تلك وفي هذا الوطن أو ذاك.
وعندما تكون أزمة اليسار بهذا الاتساع الكوني، فمن الأرجح أن ثمة عوامل موضوعية فاعلة فيها جميعا، وقد يكون لها النصيب الأكبر، باختلاف تجاربها وخصوصياتها ، فيما آلت إليه أزماتها المختلفة.
طرح الإشكالية على هذا المستوى الكوني، ليس من قبيل «الهروب إلى الأمام» أومن قبيل «التعويم الفكري» ولا بالأحرى من قبيل «تبرئة الذوات».. وإنما الغاية هي الفهم الأفضل للشرط الموضوعي كونيا ووطنيا، والذي بدون وعيه، وضبطه، لا يمكن الخروج بمعالجات صائبة، لأنها ستكون بالضرورة، معالجات ذاتوية، أقرب إلى ردود الفعل منها إلى المعالجات المتبصرة والبعيدة المدى، ولأنها ستصطدم، حتما، بصخرة الواقع الصلب الذي تم تجاهله والاستهانة به.
ليس المجال هنا للبحث في تلك الشروط الموضوعية المومأ إليها في أزمة اليسار عالميا. وكاتب هذه السطور، يعي، وبكل تواضع، أن البحث فيها وفي امتداداتها وطنيا، ليس بالأمر البديهي السهل..لكن مجرد طرح الموضوع على هذا المستوى المنهجي، وإيلائه ما يستحقه من اهتمام جمعي، يساعدنا على تكوين أرضية مشتركة، أكثر صلابة وعقلانية من واقع الحال، الانفعالي والفرداوي، أو الحلقي العصبوي، المشتت والمضبب الرؤى.
إن مجرد التفكير في الموضوع على هذا المستوى المنهجي، يضعنا مباشرة أمام أسئلة كبرى، جميعها ترتبط بالتحولات النوعية المتسارعة،والتي اكتسحت العالم وعلى جميع الصعد، المعرفية والأيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والتواصلية، وأشكال وتموقعات التعبير عنها جميعا. وهي التحولات التي لم نستوعبها بعد، بالشكل الجماعي، وبالقدر الذي يُمكِّن اليسار من أن يكون فاعلا شعبيا، مبادراً وناميا ومستقلا. وبتعبير آخر، أن يكون في مجتمعه هو البديل الممكن.
وفي الوضع المأزوم الحالي لليسار، ثمة من يستخلص ويروج لمغالطة أيديولوجية، تزعم، أن ما وقع من تحولات نوعية في العالم، أنهى ، وبلا رجعة، ما كان يفرق في الماضي بين اليسار واليمين، فلا يسار بعد ولا يمين، فكلاهما أضحيا يقفان على نفس الأرضية الليبرالية في كافة المستويات، ويتنافسان على إرضاء نفس القواعد الاجتماعية لكسب الأغلبية الانتخابية…
وبدون الدخول في ردود تفصيلية، فمن الواضح أن المخاطب بهذه المغالطة، مادام اليمين هو المنتصر مرحليا، ليس إلا اليسار، المطالب بحسب هذه الدعوة، أن يتخلى عن هويته الاجتماعية والوطنية والأيديولوجية. أو لنقل، أن يستسلم طوعا، ويتخلى عن صراعاته وامتحاناته في الحفاظ على هذه الهوية والرقي بها ومعها.
دعنا من هذا التقديم الذي توخيت منه، البحث أولا في الشروط الموضوعية الكونية، ومن ثم البحث ثانيا في خصوصياتها عندنا، موضوعيا ثم ذاتيا. ولقد لمحت لفوائد ذلك من الناحية المنهجية. ولنر الآن حالتنا على المستوى الذاتي البحث.
ربما لا يجادل أحد أيضا في أن القسم الأعظم من اليسار، أضحى خارج التنظيمات الحزبية التي حمل لواءها فيما مضى، فضلا عن استمرار الانقسام بين تنظيماته الحزبية المختلفة. ولعل فقدان الثقة في المستقبل (وهي وجه آخر لفقدان الثقة المجتمعية في كافة المؤسسات)، وفي إمكان تجاوز اليسار لأزماته الراهنة، هي الحصيلة النهائية لهذا الواقع المفتت والمنكفئ. ولذلك يغلب على الوضع الراهن لليسار، التصورات الفردية المتشائمة، وردود الأفعال التشكيكية الآنية، وحتى الخلافات الفكرية والسياسية المجدية تضعف فاعليتها وتغدو عديمة الأفق.
ما يهمني في هذه العجالة، ليس تقديم تحليل متناسق لهذا الحال، بقدر ما لفت نظري، وحز في نفسي، تردي الروح السياسية العملية، وانعدام الحوار الجماعي، أمام اضطراد تمدد الأزمة المجتمعية لتشمل كافة الصُّعد، واليسار من بينها، وما يحمله هذا الوضع من مخاطر لم تغب بعد عن أعيننا في الساحات الهشة والمأزومة مثلنا. وهذا في الوقت الذي نحتاج فيه لمبادرات تعبوية ووحدوية كبرى، غير مألوفة ولا معتادة في خطاباتنا الرتيبة اليومية. إنها بلا ريب انتظارية قاتلة!
وفي هذه الأجواء السلبية، أرى أن النداء الذي وجهه الاتحاد الاشتراكي نحو المصالحة، بما يعني القيام بكل ما يلزم لإعادة بناء وحدة اليسار، نداء يستحق التفاعل الإيجابي معه من قبل الجميع، أفرادا ورموزا وحساسيات وتنظيمات حزبية، علنا نصل إلى مخارج ممكنة لنهوض اليسار من جديد. ومن البديهي أن “المصالحة” لا تعني ردم الخلافات، ولا التصورات المتعددة، بل الدعوة إلى طرحها جميعا مع البحث في سبل وآليات تجاوزها بالقدر العقلاني والموضوعي والممكن أيضا. وبكلمة أخرى، إن المصالحة تعني مصالحة مع التاريخ النضالي المشترك لليسار، بمكاسبه وخساراته، كأساس لبناء مستقبله الموعود.
لنخرج من الانتظارية القاتلة، والتي من أخطر تبريراتها الأيديولوجية، الزعم، بأن حركة التحرر الوطني قد انتهى دورها التاريخي، باختياراتها وأحزابها وأجيالها ورموزها، ولا مناص من ترك السيرورة الاجتماعية تمضي وحدها إلى أن تستلم القيادة أجيال جديدة وبأفكارها الجديدة. إن العيب لا يقتصر هنا على المعاني التي يعطيها هذا الزعم لحمولة “التحرر الوطني”، وهي حمولة لم تفقد قطعا صلاحياتها ومستوجباتها ولو في عصر العولمة، بل العيب الأكبر في ما تفشوه ضمنا من دعوات إلى الاستقالة الجماعية، وإلى اصطناع قطيعة تناحرية بين الأجيال، وما تعبر عنه من عدمية سياسية انتظارية إلى أجل غير مسمى !
هذه واحدة فقط من عدة تعليلات تبثها الانتظارية السياسية القاتلة. إلا أن ما ينبغي لكل يساري أن يستحضره دائما، الدرس القوي لما سمي بالربيع العربي، والذي لا تفلت منه أية خصوصية، كيفما كانت نسبيتها الحقة، ومن حيث أن لا خيار لخروج مجتمعاتنا من تأخرها، وانطلاق وانتظام نهضتها، سوى إذا ما ساد خيار اليسار بدعم شعبي قوي، لأنه خيار المزاوجة بين الديمقراطية السياسية وبين التنمية الاجتماعية – الثقافية واستقلالية القرار الوطني. وما عداه، ليس إلا التخبط في الفوضى، أوفي ليبرالية سياسية واقتصادية معاقة ومهددة دائما بالانكسار.
لكن ثمة أفكار ومحاذير سياسية وأيديولوجية وتنظيمية جدية ولها مصداقيتها، إن لم تتخشب وتتحول إلى عوائق تكرس الانتظارية والتفتت والانقسام. ولكي لا أخوض في تفاصيل تصادر مسبقاً الحوار الجماعي المنظم الذي نريده، أكتفي بالملاحظة الضاربة التالية: الاختلافات داخل اليسار قديمة، وأفكارها جميعا جربت في الميدان، والسؤال، لماذا أي منها لم يحقق الطفرة النوعية للحركة اليسارية؟! ألا يستحق هذا السؤال بعد عقود من الخلافات التفكير العميق في عوائقها جميعا؟!
من اللافت أن الدعوة للمصالحة جاءت في “منعطف مناسب” تزامن مع الدعوة إلى التفكير في بديل تنموي آخر، بعد الإقرار الرسمي بفشل (أو باستنفاد) النموذج التنموي الجاري. نحن إذن أمام فرصة وطنية للتفكير في مستقبل الوطن واليسار معا. وفي هذا المضمار، سأكتفي هنا ببعض القضايا، أظنها كانت ولاتزال مركز تنوع وتعدد خيارات اليسار حولها:
أولها: هل الممارسة الميدانية لدستور 2011، حققت تقدما في البنية التقليدية لنمط الحكم، أم أنها كانت دونه، وكرست طوعيا عكسه؟
وثانيها: هل كانت للحكومات الائتلافية العريضة صلاحيات فعلية، وهل كانت لها جميعا نفس الضرورات السياسية والاجتماعية، أم أنها كانت وغذت مجرد أداة صورية تتخبط في تنفيذ خيارات لا باع لها فيها؟
وثالثها : ما هي المضاعفات (في العقلية والعلاقات) التي يستولدها كل من السؤالين السالفين على كافة المؤسسات، الإدارية، والمنتخبة، والمنتجة، وعلى إمكان الانتقال الديمقراطي عامة؟
ورابعها: هل أزمة نموذج التنمية المعاق، وكيفما كانت إيجابياته، تعود إلى اختلالات تنفيذية أو حتى ترشيدية واقتصادية محدودة،أم أنها تعود إلى خيارات سياسية – اجتماعية بقيت مشدودة إلى التقييدانية والنيوليبرالية معا، همشت في جملتها التنمية السياسية والثقافية والحضارية للمجتمع، ومعها بالتلازم، التنمية الاجتماعية والمجالية، أي في الحصيلة، اختزلت التنمية البشرية في غير أبعادها المجتمعية الكلية؟
وخامسها: أليس لاستمرار مظاهر التأخر المجتمعي والفوات الثقافي، التقليدية القديمة منها، والمستحدثة في عصر العولمة، دورها في هذه الإعاقة الممتدة، وبالتالي، كيف يتمكن اليسار من المواجهة العقلانية الجامعة بين مسؤولية الدولة من جهة وبين مسؤولية المجتمع من جهة ثانية؟
هذه بعض الأسئلة المحاور التي هي مثار انشغالات اليسار وخلافاته، وقد لا أكون قد توفقت في إيجازها وضبط جميع مضامينها وتدقيقاتها، ولكنها توحي بالمراد، والغاية منها أن تفتح الباب على مصراعيه للمناقشة الجاذبة للمصالحة، والنابذة للانتظارية، ومن أجل بناء انطلاقة جديدة لليسار، إن لم تبلغ الصلابة الواثقة اليقين، فعلى الأقل أن تكون مقنعة وصلبة الإرادة !
وبدون الدخول في ردود تفصيلية، فمن الواضح أن المخاطب بهذه المغالطة، مادام اليمين هو المنتصر مرحليا، ليس إلا اليسار، المطالب بحسب هذه الدعوة، أن يتخلى عن هويته الاجتماعية والوطنية والأيديولوجية. أو لنقل، أن يستسلم طوعا، ويتخلى عن صراعاته وامتحاناته في الحفاظ على هذه الهوية والرقي بها ومعها.
دعنا من هذا التقديم الذي توخيت منه، البحث أولا في الشروط الموضوعية الكونية، ومن ثم البحث ثانيا في خصوصياتها عندنا، موضوعيا ثم ذاتيا. ولقد لمحت لفوائد ذلك من الناحية المنهجية. ولنر الآن حالتنا على المستوى الذاتي البحث.
ربما لا يجادل أحد أيضا في أن القسم الأعظم من اليسار، أضحى خارج التنظيمات الحزبية التي حمل لواءها فيما مضى، فضلا عن استمرار الانقسام بين تنظيماته الحزبية المختلفة. ولعل فقدان الثقة في المستقبل (وهي وجه آخر لفقدان الثقة المجتمعية في كافة المؤسسات)، وفي إمكان تجاوز اليسار لأزماته الراهنة، هي الحصيلة النهائية لهذا الواقع المفتت والمنكفئ. ولذلك يغلب على الوضع الراهن لليسار، التصورات الفردية المتشائمة، وردود الأفعال التشكيكية الآنية، وحتى الخلافات الفكرية والسياسية المجدية تضعف فاعليتها وتغدو عديمة الأفق.
ما يهمني في هذه العجالة، ليس تقديم تحليل متناسق لهذا الحال، بقدر ما لفت نظري، وحز في نفسي، تردي الروح السياسية العملية، وانعدام الحوار الجماعي، أمام اضطراد تمدد الأزمة المجتمعية لتشمل كافة الصُّعد، واليسار من بينها، وما يحمله هذا الوضع من مخاطر لم تغب بعد عن أعيننا في الساحات الهشة والمأزومة مثلنا. وهذا في الوقت الذي نحتاج فيه لمبادرات تعبوية ووحدوية كبرى، غير مألوفة ولا معتادة في خطاباتنا الرتيبة اليومية. إنها بلا ريب انتظارية قاتلة!
وفي هذه الأجواء السلبية، أرى أن النداء الذي وجهه الاتحاد الاشتراكي نحو المصالحة، بما يعني القيام بكل ما يلزم لإعادة بناء وحدة اليسار، نداء يستحق التفاعل الإيجابي معه من قبل الجميع، أفرادا ورموزا وحساسيات وتنظيمات حزبية، علنا نصل إلى مخارج ممكنة لنهوض اليسار من جديد. ومن البديهي أن “المصالحة” لا تعني ردم الخلافات، ولا التصورات المتعددة، بل الدعوة إلى طرحها جميعا مع البحث في سبل وآليات تجاوزها بالقدر العقلاني والموضوعي والممكن أيضا. وبكلمة أخرى، إن المصالحة تعني مصالحة مع التاريخ النضالي المشترك لليسار، بمكاسبه وخساراته، كأساس لبناء مستقبله الموعود.
لنخرج من الانتظارية القاتلة، والتي من أخطر تبريراتها الأيديولوجية، الزعم، بأن حركة التحرر الوطني قد انتهى دورها التاريخي، باختياراتها وأحزابها وأجيالها ورموزها، ولا مناص من ترك السيرورة الاجتماعية تمضي وحدها إلى أن تستلم القيادة أجيال جديدة وبأفكارها الجديدة. إن العيب لا يقتصر هنا على المعاني التي يعطيها هذا الزعم لحمولة “التحرر الوطني”، وهي حمولة لم تفقد قطعا صلاحياتها ومستوجباتها ولو في عصر العولمة، بل العيب الأكبر في ما تفشوه ضمنا من دعوات إلى الاستقالة الجماعية، وإلى اصطناع قطيعة تناحرية بين الأجيال، وما تعبر عنه من عدمية سياسية انتظارية إلى أجل غير مسمى !
هذه واحدة فقط من عدة تعليلات تبثها الانتظارية السياسية القاتلة. إلا أن ما ينبغي لكل يساري أن يستحضره دائما، الدرس القوي لما سمي بالربيع العربي، والذي لا تفلت منه أية خصوصية، كيفما كانت نسبيتها الحقة، ومن حيث أن لا خيار لخروج مجتمعاتنا من تأخرها، وانطلاق وانتظام نهضتها، سوى إذا ما ساد خيار اليسار بدعم شعبي قوي، لأنه خيار المزاوجة بين الديمقراطية السياسية وبين التنمية الاجتماعية – الثقافية واستقلالية القرار الوطني. وما عداه، ليس إلا التخبط في الفوضى، أوفي ليبرالية سياسية واقتصادية معاقة ومهددة دائما بالانكسار.
لكن ثمة أفكار ومحاذير سياسية وأيديولوجية وتنظيمية جدية ولها مصداقيتها، إن لم تتخشب وتتحول إلى عوائق تكرس الانتظارية والتفتت والانقسام. ولكي لا أخوض في تفاصيل تصادر مسبقاً الحوار الجماعي المنظم الذي نريده، أكتفي بالملاحظة الضاربة التالية: الاختلافات داخل اليسار قديمة، وأفكارها جميعا جربت في الميدان، والسؤال، لماذا أي منها لم يحقق الطفرة النوعية للحركة اليسارية؟! ألا يستحق هذا السؤال بعد عقود من الخلافات التفكير العميق في عوائقها جميعا؟!
من اللافت أن الدعوة للمصالحة جاءت في “منعطف مناسب” تزامن مع الدعوة إلى التفكير في بديل تنموي آخر، بعد الإقرار الرسمي بفشل (أو باستنفاد) النموذج التنموي الجاري. نحن إذن أمام فرصة وطنية للتفكير في مستقبل الوطن واليسار معا. وفي هذا المضمار، سأكتفي هنا ببعض القضايا، أظنها كانت ولاتزال مركز تنوع وتعدد خيارات اليسار حولها:
أولها: هل الممارسة الميدانية لدستور 2011، حققت تقدما في البنية التقليدية لنمط الحكم، أم أنها كانت دونه، وكرست طوعيا عكسه؟
وثانيها: هل كانت للحكومات الائتلافية العريضة صلاحيات فعلية، وهل كانت لها جميعا نفس الضرورات السياسية والاجتماعية، أم أنها كانت وغذت مجرد أداة صورية تتخبط في تنفيذ خيارات لا باع لها فيها؟
وثالثها : ما هي المضاعفات (في العقلية والعلاقات) التي يستولدها كل من السؤالين السالفين على كافة المؤسسات، الإدارية، والمنتخبة، والمنتجة، وعلى إمكان الانتقال الديمقراطي عامة؟
ورابعها: هل أزمة نموذج التنمية المعاق، وكيفما كانت إيجابياته، تعود إلى اختلالات تنفيذية أو حتى ترشيدية واقتصادية محدودة،أم أنها تعود إلى خيارات سياسية – اجتماعية بقيت مشدودة إلى التقييدانية والنيوليبرالية معا، همشت في جملتها التنمية السياسية والثقافية والحضارية للمجتمع، ومعها بالتلازم، التنمية الاجتماعية والمجالية، أي في الحصيلة، اختزلت التنمية البشرية في غير أبعادها المجتمعية الكلية؟
وخامسها: أليس لاستمرار مظاهر التأخر المجتمعي والفوات الثقافي، التقليدية القديمة منها، والمستحدثة في عصر العولمة، دورها في هذه الإعاقة الممتدة، وبالتالي، كيف يتمكن اليسار من المواجهة العقلانية الجامعة بين مسؤولية الدولة من جهة وبين مسؤولية المجتمع من جهة ثانية؟
هذه بعض الأسئلة المحاور التي هي مثار انشغالات اليسار وخلافاته، وقد لا أكون قد توفقت في إيجازها وضبط جميع مضامينها وتدقيقاتها، ولكنها توحي بالمراد، والغاية منها أن تفتح الباب على مصراعيه للمناقشة الجاذبة للمصالحة، والنابذة للانتظارية، ومن أجل بناء انطلاقة جديدة لليسار، إن لم تبلغ الصلابة الواثقة اليقين، فعلى الأقل أن تكون مقنعة وصلبة الإرادة !


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.