لا يمكن قراءة انطلاق المرحلة الرئيسية من مناورات «الأسد الإفريقي 2025»، يوم 12 ماي 2025 بالمملكة المغربية، بمعزل عن دينامية أوسع تمتد إلى ما بعدها، وتحديدا إلى التحضيرات المبكرة لنسخة 2026، بما يعكس تحوّل هذه المناورات من حدث سنوي إلى مسار استراتيجي متواصل في السياسة الدفاعية والتعاون العسكري متعدد الأطراف. وتُعدّ نسخة 2025 واحدة من أبرز المحطات العسكرية على مستوى القارة الإفريقية، باعتبارها المرحلة الأكبر ضمن أربع محطات إفريقية أخرى تشمل تونس والسنغال وغانا، حيث يُرتقب أن يشارك في مجموع فعاليات التمرين نحو عشرة آلاف جندي يمثلون أكثر من عشرين دولة. وهو ما يؤكد المكانة المركزية التي بات يحتلها المغرب داخل هذا التمرين، ليس فقط كبلد مضيف، بل كشريك منظم وفاعل في هندسة التمرين. وتُصنَّف مناورات «الأسد الإفريقي» كأضخم التمارين العسكرية متعددة الجنسيات في إفريقيا، إذ تُنظَّم سنويًا تحت إشراف القيادة الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم)، بشراكة استراتيجية مع القوات المسلحة الملكية المغربية. ويُبرز هذا الاحتضان المنتظم الدور المتنامي للمغرب كقطب للتعاون العسكري الإقليمي، وقاعدة ارتكاز لتمارين معقدة تتطلب جاهزية لوجستية وتنظيمية عالية. غير أن دلالة «الأسد الإفريقي» لا تتوقف عند لحظة التنفيذ، بل تمتد إلى مرحلة التخطيط المسبق، وهو ما تجلّى بوضوح من خلال احتضان مدينة أكادير، ما بين 8 و12 دجنبر 2024، الاجتماع الرئيسي للتخطيط لتمرين "الأسد الإفريقي 2026. وقد خُصّص هذا الاجتماع لمعالجة قضايا قابلية التشغيل البيني، والدعم اللوجستي، واندماج القوات في المجالات البرية والجوية والبحرية وعمليات القوات الخاصة، تمهيدًا لتنظيم نسخة 2026 خلال الفترة الممتدة من 20 أبريل إلى 8 ماي بعدد من مناطق المملكة، من بينها أكادير، طانطان، تارودانت، القنيطرة وبنجرير. ويكشف هذا التداخل الزمني بين التنفيذ (2025) والتخطيط (2026) عن منطق استمرارية مؤسساتية في تعاطي القوات المسلحة الملكية مع هذه المناورات، حيث لا يُنظر إليها كتمرين ظرفي، بل كمنصة دائمة لتطوير الجاهزية، واختبار العقائد العملياتية، وتعزيز التوافق بين الجيوش الشريكة. وهو ما يندرج ضمن ما يمكن توصيفه بالدبلوماسية العسكرية المغربية، التي تقودها المؤسسة العسكرية بوصفها أداة من أدوات السياسة الخارجية وبناء الثقة الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تتميز نسخة 2025، وفق معطيات صادرة عن الجيش الأمريكي، بمشاركة واسعة من حيث عدد القوات وتنوّع الوحدات والتخصصات، مع تركيز خاص على رفع مستوى الجاهزية المشتركة لمواجهة الأزمات والسيناريوهات الطارئة داخل القارة الإفريقية وخارجها. وتشمل فعاليات التمرين تدريبات متقدمة، من بينها تمارين القيادة الميدانية، والتدريب بالذخيرة الحية، وعروض الرماية القتالية، بما يسمح بمحاكاة ظروف عملياتية معقّدة. كما يتضمن التمرين بُعدًا إنسانيًا ومدنيًا، من خلال تنفيذ عمليات دعم إنساني ومساعدات طبية تشمل الطب العام، وطب الأسنان، والطب البيطري، تُنجز في المغرب والسنغال وغانا، في إطار مقاربة شاملة تدمج العمل العسكري بالبعد الإنساني، وتعزز الشراكات المدنية–العسكرية في مناطق الهشاشة. وبموازاة هذا المسار العسكري، يواصل المغرب تطوير الدبلوماسية الأمنية بوصفها مسارًا مكمّلًا، تضطلع به أجهزة الأمن والاستخبارات، ويرتكز على تبادل المعلومات، والتكوين المتخصص، وبناء شبكات التعاون في مجالات محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة. ويُظهر هذا الفصل الصارم بين المسارين العسكري والأمني نضج المقاربة المغربية، القائمة على توزيع واضح للأدوار دون تداخل في الاختصاصات. ومن هذا المنظور، فإن مناورات «الأسد الإفريقي»، بنسختيها 2025 و2026، لا تمثل مجرد نشاط تدريبي دوري، بل تشكّل حلقة مركزية في استراتيجية مغربية بعيدة المدى، تقوم على التخطيط الاستباقي، وبناء الشراكات، وتثبيت الاستقرار في محيط إقليمي مضطرب، حيث باتت القوة تُقاس بقدرة الدول على التنظيم، والاستمرارية، وإنتاج الثقة بقدر ما تُقاس بالقدرة العسكرية الصرفة.