الأكثر وقعا في النفوس رحيل الهدوء بهدوء. الأكثر ألما أن يستجيب الهادئ لجبروت هادم اللذات ومفرق الجماعات، هادم لذة الصداقة والكتابة والإبداع، ومفرق الأصدقاء والإخوة والرفاق. إحساس أليم يتمدد بعد النبأ المفاجئ لرحيل الأخ سعيد عاهد، الصحافي المتزن، الكاتب الرصين، الشاعر المبدع المروض للكلمات والصور، والمترجم المقتنص للنصوص المتفردة ليطلقها أكثر حرية في فضاء لغة الضاد. لم يكن سعيد عاهد منغلقا على ذاته وثقافته وانتمائه الجماعي، كان منفتحا على العالم الواسع بثقافاته الإنسانية المتنوعة وتعبيراته الإبداعية المتعددة. بقدر اعتزازه بهويته الوطنية وتاريخه المغربي العريق الذي كان مساهما في التعريف به وبتحولاته عبر كتابات وترجمات ستظل حاضرة بيننا بألقها وتميز نسيجها، بقدر تشبثه بالانفتاح على الثقافات الكونية والتقريب بينها من خلال مساهماته الإبداعية باللغة الفرنسية وإنجازاته المتألقة في مجال الترجمة، وتعزيز حضور الثقافة العالمية في المشهد الثقافي العربي والمغربي. سيظل عاهد حاضرا بينا نموذجا للصحافي المهني الذي آمن دوما أن الإعلام سلوك وأسلوب ومسؤولية: سلوك جاد في التفاعل بموضوعية مع القضايا والأحداث والمستجدات، أسلوب كتابة في التحرير وتدبير الجوار بين الكلمات بما لا يخل بالمعنى الصادق والتعبير الأمين، مسؤولية أخلاقية حصنته من الانحراف في اتجاه مضاد للحقيقة، أو بعبارة أدق: ما يتجسد من حقيقة على ضوء مبادئ النزاهة والصدق والحرية. سعيد لم يخلف وعده، عاهد وأوفى بأكثر مما وعد: أوفى ووفى. ظل طيلة مسار حياته منسجما مع قناعاته ورغباته الدفينة في أن يبقى، حسب ما لمسته فيه كلما صادفته، على مسافة بعيدة من المناورات والمراوغات والادعاء. مثقف التزم بأن يبقى كما هو، مغرم بالكتابة والإبداع إلى آخر رمق، مناصر للتعددية والاختلاف والحداثة، ومتمسك بالهدوء البليغ في تواصله وتفاعلاته وتعبيراته. رحم الله أخانا سعيد، الحاضر بيننا دوما بأثره الإبداعي وبصمته الإعلامية وكتاباته الرصينة. سيبقى، رغم قسوة الرحيل، بيننا بهدوئه الإنساني الذي سيظل عالقا بذاكرة أقربائه وأصدقائه ومحبيه.