إن المتتبع لمواقف السيد وزير العدل، من مشروعه القانوني رقم 66.23 الذي أريد به تنظيم مهنة المحاماة، كأن هذه المهنة العريقة عراقة تاريخها، ومواقفها، ونبل قيمها الإنسانية السائدة والمعترف بها دولياً عبر العالم الديمقراطي، لم تكن منظمة وقيمها ونصوص قوانينها سارية وإجراءاتها مطبقة، ومؤسساتها قائمة، عاملة في نظام وانتظام، إلى أن نزل هذا الإلهام على الجهة التي وضعت هذا المشروع الانقلابي على مهنة المحاماة، الذي هدم كل الأركان والقيم، والخصائص، التي تمثل جوهر وروح المحاماة بشهادة التاريخ الحقوقي العالمي، ومؤسساته الدولية والقارية والجهوية، حيث أصبح يمثل وصمة عار- إذا ما أقر على حاله- يمثل جحوداً وكفراً بمنطوق وروح نصوص الدستور المغربي، الذي تكاد مضامين نصوصه، تستصرخ الحقوقيين طلباً للنجدة من هذا المنكر التشريعي الذي أريد له أن يعدم مهنة المحاماة كواقع وقيم، بدل أن يزعم تنظيمها، ويكفي لإثبات ذلك مضامين نصوصه تقريباً التي تضمنت مقترحات جمعية هيئات المحامين بالمغرب الأخيرة، مقترحات للتلطيف من قسوتها زللها وجبروتها، الرامي إلى الاحتفاظ بالمحاماة كاسم، وإعدامها، كواقع وقيم وثوابت… هذا الواقع الأليم الذي أوصل المحامين إلى التوقف مجبرين عن القيام بواجبهم، والوفاء بالتزاماتهم المهنية، والحقوقية والإنسانية، بعدما أرغمهم صدود السيد وزير العدل عن مواصلة مشاركتهم في إبداء رأيهم في المشروع وإحالته على المؤسسة التشريعية رغم أن الوزير، التزم علانية وأمام الرأي العام المهني في جلسة عمومية، أنه إذا لم يتم التوافق مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، حول مضامين التعديلات، فإن المشروع لن تتم إحالته على المراحل المؤسسية الرسمية، وقد برر نكته لهذا العهد لاحقاً، أن الحوار مع المحامين عبر هيئاتهم التمثيلية قد استنفد دوره ومفعوله، بعد 50 جلسة حوارية تشاركية تمت في الموضوع بين الوزارة والجمعية، إلا أن هذا الموقف يفتقد إلى السند الإثباتي، ألا وهو الإدلاء بمحاضر الجلسات، التي تحمل الاقتراح الذي تم حوله التراضي أو الاختلاف حول نصوص المشروع، مع التأكيد أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب، تصرح وتؤكد، أن مضامين المشروع، لا علاقة لها بمخرجات الحوار والآراء التي أدلت بها، ليظل الوزير على مواقفه المتشددة بحجة عدم (( لي ذراعه ))! هذه التطورات الدرامية، والتشدد المزاجي المستفز هو ما دفع المحامين المغاربة الممثلين في جمعية هيئات المحامين بالمغرب، إلى اتخاذ قرار التوقف عن مزاولة المهنة مكرهين، بطريقة تصاعدية من اليوم إلى الأسبوع، إلى التوقف النهائي عن مزاولة المهنة،كوسيلة للدفاع عن مهنة المحاماة المهددة في كيانها ووجودها، عن طريق تشريع تنكري لطبيعتها وكيانها الذي يحميه الدستور والمواثيق الدولية، التي تكرست عبر العصور. والغريب، أنه لحد كتابة هذه السطور، ورغم التوقف شبه الكلي للمحاكم، عبر كامل التراب الوطني، فإن الحكومة لم تعر اهتماماً لهذا الواقع المؤلم، الذي يمس حقوق الإنسان عامة، وينعكس على سمعة البلاد مادياً ومعنوياً… وحتى سياسياً. يضاف إلى ذلك أن المشروع، عليه تحفظات حتى من أطراف في الحكومة، وفرقها البرلمانية، وكثير من الحقوقيين. فهل موقف السيد وزير العدل، بعدم مواصلة الحوار مع المحامين بمنطق تشاركي، وحي منزل لا يقبل المراجعة، مع أن الرجوع عن الموقف فضيلة، خصوصاً عندما تكون للسيد الوزير صفة المحامي الدائمة، وصفة الوزير المؤقتة، ويزكي ذلك تصريحاته في كثير من المناسبات، آخرها خطابه أمام مؤتمري جمعية هيئات المحامين بالمغرب الأخير بطنجة، وكتاباته في كثير من المناسبات حيث ذكر في إحداها بالنص: ((…كان المحامون ولا يزالون مصلحين، وأسسوا طريقاً نحو بناء دولة المؤسسات، بحكم مهنتهم الضاربة جذورها في عمق التاريخ، والتي كانت ومازالت ضمير الإصلاح في هذا البلد، رغم ما تلقته من وعود وما عانته جراء ذلك من مواجهات، حيث إن تاريخنا الوطني يشهد لها أنها قدمت لهذا الوطن ترسانة من المواقف ذات البعد القانوني والسياسي والاجتماعي والإنساني بتوجهه الديمقراطي، وهي بذلك كانت ومازالت حاضرة في كل المواقع، تدافع عن رأيها وتصنع امتدادات قانونية لكل مواقفها، كأن القدر يريد منها أن تكون باب إصلاح هذا الوطن، وذلك ليس فقط من خلال مواقفها، بل إنها مكنت رجالاتها من تقلد أعلى المسؤوليات، حيث تعاقب مثلا على رأس وزارة العدل سبعة محامين، وكان واحدا منهم رئيس الوزراء، وآخر وزيرا للخارجية. إن محاولة التنكر لمساهمة المهنة في بناء دولة القانون والمؤسسات، وإصلاح العدالة، أو تنكر بعض أبنائها بعد أن قادتهم إلى العلى، لن ينال من قوتها وقدرتها، وقدرة نسائها ورجالها. إن القول بأن " المحاماة قوة الإصلاح " ناتج عن مواقف المحاميات والمحامين عبر امتداد استقلال البلاد، وهي مواقف لا تهم العدالة فقط، بل تتفرع لمختلف مناحي الحياة وانشغالات المواطنين، ويمكن التأكيد بأن كثيراً من مواقفهم ومطالبهم وآرائهم المعبر عنها منذ سنوات مازالت طازجة، وكأنها تتحدث عن مغرب 2014، حيث مازالت تنتظر الاستجابة لترجمتها على أرض الواقع وفق مقاربة تشاركية. إن المواقف الوطنية والدولية لهذه المؤسسة العتيدة، تعبير صريح على أن هذه المهنة كانت ومازالت وستظل قوة الإصلاح، لذلك كان لي الشرف أن أرعى جانبا مهما من رصيدها الفكري بقدر ما استطعت، ربما لأرد شيئا من أفضالها على حياتي…))، وأضاف في مكتوب آخر: (( إن المحامي لا يجد نفسه إلا من خلال ممارسة ديمقراطية للسلطة ودولة تتكون من سلط مستقلة تضمن استقلال القضاء ونزاهته، ولأن المحامين لا يمكنهم إلا أن يشكلوا العمود الفقري لأي حركية سياسية تتجه نحو هذا المنحى، ولأنني مؤمن بأن هذا الهدف سيتحقق بحكم الزخم النضالي الذي يحمله هذا الشعب، وكذلك بحكم التقاليد المهنية والقناعات الحقوقية التي يحملها المحامون كل في ما نصبو إليه )). من خلال ما ذكر، يطرح التساؤل من طرف المراقب، أين الحقيقة في ما يكتبه السيد وزير العدل ويصرح به، وبين ما يطبقه في الواقع ؟ ! ، مع أن الحق سبحانه، يقول: (( كبر مقتاً عند اله أن تقولوا ما لا تفعلون …)) صدق لله العظيم. (*) محام بهيئة الدارالبيضاء