في كل محطة مفصلية، سواء تعلق الأمر بموعد انتخابي أو مؤتمر وطني، يتكرر مشهد بات مألوفاً: عودة نفس الوجوه التي غادرت الحزب منذ سنوات لتثير الضجيج وتبث التشكيك. ظاهرة تثير أكثر من سؤال حول خلفياتها، خاصة أنها لا تظهر إلا حين يحقق الحزب تقدماً تنظيمياً أو حضوراً متنامياً في المشهد السياسي. بدل مواكبة المسار بنقاش موضوعي، تختار هذه الأصوات منصات التواصل الاجتماعي فضاءً للتعبير عن عدم رضاها والتنبؤ بفشل الحزب في بلوغ أهدافه. وتكرار هذا السلوك عبر سنوات طويلة يصعب تفسيره كاختلاف عابر في الرأي، بل يوحي بنزعة مستمرة نحو المعارضة من خارج البيت، حيث تختلط الحسابات الشخصية بالمواقف السياسية. غير أن المفارقة اللافتة أن مغادرة هذه الأسماء نفسها كانت، في نظر كثيرين، من العوامل التي أسهمت في ترسيخ مناخ داخلي أكثر هدوءاً وانسجاماً. فقد أفرز المؤتمر قيادة منسجمة أوكلت إليها مهمة إطلاق هيكلة تنظيمية شاملة طالت مختلف القطاعات، إلى جانب الإعداد المحكم لاستحقاقات مقبلة يُرتقب أن تفرز نتائج في مستوى تطلعات الحزب ومكانته. وقد انعقد المؤتمر في أجواء طبعها التوافق، ما أتاح التحضير بسلاسة للمرحلة المقبلة. ويجمع عدد من المتابعين على أن أحد أبرز أسباب التراجع الانتخابي سابقاً لم يكن ضعف المشروع أو الخطاب، بقدر ما كان نتيجة صراعات داخلية على مستوى الأقاليم والجهات استنزفت الجهد التنظيمي وأثرت سلباً في صورة الحزب لدى الناخبين. واليوم، يبدو أن الحزب يدبر شؤونه التنظيمية والانتخابية في مناخ أكثر انضباطاً وتفاؤلاً. فقد تراجعت حدة التنافسات التي كانت تدفع بعض الطامحين إلى العزوف عن الترشح باسمه تفادياً للاحتكاك مع وجوه كانت تتعامل مع التنظيم وكأنه إرث ينبغي اقتسامه. ومع انحسار التوترات وعودة النقاش الجاد، بدأ الحزب يستعيد جاذبيته، حتى صار يستقطب أسماء جديدة ترى فيه مدرسة حقيقية للنضال والعمل السياسي. وفي هذا السياق، أطلق الحزب سلسلة من الندوات العلمية احتضنها مقره المركزي، وأطرها مفكرون وأكاديميون وفاعلون في مجالات متعددة، بهدف إغناء برنامجه الانتخابي وتعميق رؤيته الإصلاحية. وقد شكل الحضور الوازن للنخب والمثقفين رسالة سياسية بليغة تؤكد حيوية المشروع وقدرته على استقطاب الكفاءات، كما دحض عملياً مزاعم من يروجون لفكرة أن الحزب عرف هجرة جماعية للأطر وأضحى مجرد فضاء للأعيان والكائنات الانتخابية. هناك من يرى أن الانتقادات المتكررة اليوم لا تعدو كونها محاولة لاستعادة أضواء فقدها أصحابها بعد المغادرة، أو سعياً لإثبات حضور عبر مهاجمة الحزب الذي صنع أسماءهم. وقد يذهب آخرون إلى الاعتقاد بأن بعض هذه المواقف تُستثمر من قبل خصوم سياسيين يجدون في تلك الأصوات مادة جاهزة للتشويش ووسيلة ضغط غير مباشرة. ومع ذلك، فإن الواقع يظهر أن مثل هذه الحملات، مهما تكررت، لم تفلح في إضعاف الحزب أو عرقلة مساره. فعلى مدى عقدين من الزمن، واجه موجات من الانتقادات والاستهداف، لكنه واصل العمل على تحديث هياكله، وتقوية تنظيمه، وتوسيع قاعدته عبر مختلف الجهات. هذا الاستمرار يعكس وجود طاقات مناضلة مؤمنة بالمشروع، ترى فيه أملاً سياسياً قابلاً للتجدد رغم التحديات. في النهاية، قد تختلف القراءات، لكن الثابت أن حضور الحزب في المشهد واستمراره في المنافسة يظلان الرد العملي على كل محاولات التشكيك، وأن تجديد الدماء ووحدة الصف الداخلي هما الضمانة الحقيقية لبقاء المشروع حياً ومتقدماً.