أثارت الخرجة الإعلامية لرئيس مجلس المنافسة أحمد رحو، عقب الزيادة الصادمة التي طبقتها شركات المحروقات منتصف ليلة الاحد/ الاثنين، جدلا واسعا حول طبيعة الدور الذي يفترض أن تضطلع به هذه المؤسسة في سوق محرر يجب أن تحكمه قواعد المنافسة الحرة والنزيهة، لا منطق التبرير الظرفي أو الانتظار السلبي. فقد جاءت تصريحاته، التي ربط فيها فتح أي تحقيق بضرورة توفر شبهات مسبقة للتواطؤ، لتطرح إشكالا قانونيا ومؤسساتيا حقيقيا، بالنظر إلى أن القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة لا يحصر تدخل المجلس في حالات التواطؤ المثبت فقط، بل يفتح أمامه مجال التحري بمجرد وجود مؤشرات جدية على اختلال المنافسة أو انحراف سلوك الفاعلين عن قواعد السوق. تنص المادة السادسة من القانون المذكور بشكل صريح على حظر "الأعمال المدبرة أو الاتفاقات أو التواطؤات، الصريحة أو الضمنية"، وهي صياغة دقيقة لا تميز فقط بين الاتفاقات المعلنة والخفية، بل تشمل أيضا ما يعرف بالسلوك الموازي، أي ذلك التطابق في القرارات التجارية الذي لا يحتاج إلى تنسيق مباشر حتى ينتج نفس الأثر على السوق. وفي حالة الزيادة الأخيرة، حيث ارتفعت الأسعار لدى مختلف الشركات في نفس التوقيت تقريبا وبنفس القيم تقريبا، فإن هذا المعطى في حد ذاته يشكل قرينة تستدعي على الأقل فتح تحقيق استكشافي، وليس الاكتفاء بالقول إن المجلس لم يحدد بعد الصيغة التي سيتعامل بها مع الوضع. وفي السياق نفسه، تثير المقارنات التي قدمها رئيس المجلس مع الأسواق الأوروبية قدرا من التبسيط، حين تم الاستناد إلى بلوغ الأسعار هناك ما يعادل 20 درهما للتر لتبرير الزيادات محليا، في حين أن هذه المقارنة تغفل اختلافات بنيوية أساسية، من بينها أن الضرائب تشكل في تلك الدول ما بين 50 و60 في المائة من السعر النهائي، إلى جانب وجود آليات تنظيمية وتمويلية تمتص جزءا من الصدمات وتحد من انتقالها الفوري إلى المستهلك. اللافت في تصريحات رئيس المجلس ليس فقط هذا الحذر المفرط، بل أيضا استناده إلى فرضية "تقارب الأسعار الطبيعي" في السلع الموحدة، وهو طرح يحتاج إلى تدقيق قانوني واقتصادي، لأن التقارب الذي يعكس منافسة فعلية يختلف عن ذلك الناتج عن تتبع متبادل للسلوك السعري بين الفاعلين. فحين يتم تسجيل زيادات متزامنة وبنفس الحجم تقريبا، في سوق يتميز بدرجة تركيز مرتفعة، فإن الأمر يتجاوز مجرد تفاعل تلقائي ليقترب من السلوك الموازي الذي تضعه المادة السادسة تحت طائلة المنع متى أدى إلى الحد من المنافسة. كما أن الاستناد إلى المثال الأوروبي دون تفكيك مكوناته الضريبية والتنظيمية يجعل المقارنة غير مكتملة، ولا يجيب عن السؤال المركزي المتعلق بكيفية تشكل الأسعار داخل السوق الوطنية، ولا عن مدى توفر شروط المنافسة الفعلية فيها. العودة إلى تقرير مجلس المنافسة لسنة 2019، في عهد إدريس الكراوي، تكشف حجم التحول الذي طرأ على خطاب هذه المؤسسة الدستورية. ففي ذلك التقرير، لم يتردد المجلس في تسجيل وجود "ممارسات منسقة" و"سلوكيات متقاربة" بين شركات المحروقات، معتبرا أن بنية السوق، التي تتسم بتركيز مرتفع، تتيح إمكانية قيام تنسيق ضمني يؤثر على الأسعار وهوامش الربح. آنذاك، تم توصيف الوضع بشكل واضح، دون مواربة، وبالاستناد إلى نفس الإطار القانوني الذي لا يزال ساريا إلى اليوم. المفارقة أن المعطيات البنيوية للسوق لم تتغير بشكل جذري منذ ذلك الحين، سواء من حيث عدد الفاعلين أو درجة التركيز، بينما تغيرت نبرة الخطاب من الحزم إلى التحفظ. هذا التحول في موقف المجلس الذي كنا نعلق عليه الآمال في حماية المستهلك، لا يقتصر على هذه الواقعة، بل يجد صداه في تصريحات حديثة لرئيس المجلس، حيث سعى إلى التقليل من حجم أرباح شركات المحروقات، معتبرا أنها لم تصل يوما إلى 17 مليارا كما يتم الترويج له، وهو موقف يبتعد عن المنهجية المعتمدة في تقارير رسمية سابقة كانت تربط بين تطور الهوامش وضعف المنافسة. وفي غياب نشر دوري ومفصل للمعطيات المالية الدقيقة للقطاع، يبقى مثل هذا التقدير محل نقاش، خاصة عندما يصدر عن جهة يفترض أن تضطلع بدور التحليل المستقل لا التقييم الانطباعي. الأكثر إثارة للتساؤل هو التفاوت في درجة الصرامة التي يعتمدها المجلس حسب القطاعات. ففي الوقت الذي يظهر فيه قدرا كبيرا من اللين والحذر عند تناول سوق المحروقات، لا يتردد المجلس في إظهار قدر ملحوظ من الحزم في قطاعات أخرى، مثل الصيدليات والمستلزمات الطبية، بل وحتى تجارة القرب، حيث تم توجيه اتهامات مباشرة إلى "مالين الحوانت" بلعب دور في ارتفاع الأسعار. هذا التباين في المقاربة يطرح سؤالا حول معايير التدخل، وما إذا كانت موحدة فعلا أم أنها تختلف باختلاف وزن الفاعلين داخل السوق. ينص القانون نفسه، في مادته الرابعة، على أن حرية الأسعار تمارس "في إطار المنافسة الحرة والنزيهة"، وهو قيد جوهري يجعل من تدخل مجلس المنافسة التزاما مؤسساتيا كلما ظهرت مؤشرات على اختلال هذا الإطار. فالحرية، في هذا السياق، ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لضمان تعددية العروض وتنوع الاستراتيجيات السعرية، وهو ما لا ينعكس بوضوح في حالة الزيادات الأخيرة التي اتسمت بدرجة عالية من التماثل. بناء على ذلك، فإن الاقتصار على انتظار دلائل قاطعة على التواطؤ قبل التحرك قد يؤدي عمليا إلى تعطيل وظيفة المجلس كما حددها القانون، خاصة وأن هذا الأخير يتيح له فتح تحقيقات فورية بناء على قرائن ومؤشرات، وليس فقط بناء على أدلة نهائية. فالسلوك الموازي، حين يصبح قاعدة في سوق معين، يتحول إلى إشارة قوية على ضعف المنافسة، حتى في غياب اتفاق صريح بين الفاعلين.