رفع رئيس الحكومة لحظة تقديم الحصيلة إلى مرتبة غير مسبوقة في تاريخ ذاكرتنا العريقة، قال عنها إنها « لحظة دستورية وازنة، ستسجلها الذاكرة الوطنية كمرحلة مفصلية من تاريخ أمتنا المغربية العريقة». ولسنا في منزلة منازعة رئيس حكومتنا في أسبقيته في دخول التاريخ، من باب تقديم الحصيلة، كما لو أنه قد جاء بما لم يأت به الأوائل، بل سنرى إلى أي حد كان واعيا، بالفعل، بهاته اللحظة، لا بالقيمة الحقيقية للوثيقة. وفي التقدير المتواضع لهذا العبد الفقير لرحمة ربه، أضاع رئيس الحكومة فرصة لتقديم وثيقة سياسية عن مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، وهو على رأس الجهاز التنفيذي، بما أصبح لديه من قوة مؤسساتية، منذ دستور 2011. كانت الحكومة قد وضعت نقطة النهاية لتجربة سابقة عليها، ولدت تحت مظلة الربيع العربي، وكان من نتائجها دخول طيف الإسلام الحزبي إلى الحقل الوطني ومشاركته في القرار الوطني، ولم نر لذلك أثرا في ما قرأه على ممثلي السيادة الوطنية من نواب الأمة ومستشاريها. ولعل الإشارات إلى الدولة الاجتماعية وردت في عبارات محدودة، أو بين السطور أو في النَّفَس السِّجالي مع «حكومة الشعارات»، دون أن تتم قراءة المرحلة بنفَس ليبرالي، كما ينتظر من الحكومة التي حملتها هويتها الليبرالية إلى الموقع الحكومي. ولعل في ذلك عجز بنيوي، هيكلي، لا تريد تجاوزه نظرا لطبيعتها السياسية المعلنة، تذكرنا بالعجز الذي قابلت به حكومة المحافظين السقف العالي للدستور الجديد. كانت أمام الحكومة فرصة أكثر واقعية وملموسية، للإجابة عن توافق وطني كبير تحت مظلة النموذج التنموي الجديد. وهو نموذج وضع الإطار لمنعطف عميق في مقاربة شؤون التراب والإنسان والحكامة والأفق الاستراتيجي للدولة المغربية. وللأسف، لم نر أية قراءة في الموضوع، من قبيل ما الذي حققته هاته الحكومة، التي أطلقت مع إعلان التوافق حول النموذج التنموي من طرف ملك البلاد، في منتصف ماي 2021؟ كيف عملت على تنزيل رافعاته المحورية، ومنها الرقميات وخلق جهاز الإداري مؤهل وفعال وتوفير التمويل الضروري لمشاريع التحول، وإشراك مغاربة العالم وتوفير تعبئة التعاون الدولي؟ ولم نلمس في التقرير، الحكومي، ما يمكن أن نستشرف منه ما فعلت الحكومة من أجل وضع الأساسيات المحورية في كسب الرهان؟ وأضاع التقرير الحكومي كذلك الفرصة للوقوف على الانتقال الترابي، خاصة وأن الحكومة عاشت نهاية مرحلة وبداية التجربة الثانية في التأسيس، منذ 2016، وكانت أمامها توصيات واضحة عن المناظرة الوطنية الثانية.