في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وارتفعت فيه حملات التشويه فوق منابر التواصل السريع، يبقى الرجال الكبار أكبر من الضجيج، وتظل القامات الوطنية أسمى من أن تنال منها الإشاعات أو تنال من تاريخها سهام الحاقدين. ومن بين هذه القامات الشامخة يبرز اسم لطفي بوشناق، الفنان الذي لم يكن يومًا مجرد صوت جميل، بل كان ضميرًا حيًّا، ورسالةً وطنيةً، ومدرسةً في الأخلاق والالتزام. إنّ من يعرف لطفي بوشناق عن قرب، أو تابع مسيرته عبر عقود، يدرك أنّه رجل دمث الأخلاق، رفيع المعاملة، صادق الانتماء، يحمل في قلبه تونس كما يحملها في صوته، ويزرع في فنه قيم المحبة والكرامة والوفاء. لم يكن يومًا باحثًا عن مصلحة، ولا ساعيًا وراء منصب، بل كان دائمًا منحازًا للوطن والإنسان، حتى صدح بما صار شعارًا للأحرار: خذوا المناصب والمكاسب واتركوا لي الوطن. أيُّ ظلمٍ هذا الذي يدفع بعض ضعاف النفوس إلى استهداف المبدعين؟ وأيُّ نذالةٍ تجعلهم يقتطعون الأعمال من سياقها، ويوظفون الفن النبيل في معارك رخيصة؟ إنّ الفنان الحقيقي لا يُقاس بمنشور عابر، ولا يُختزل في تأويل مغرض، بل يُقاس بتاريخ من العطاء، وسنوات من الوفاء، ومواقف ناصعة في نصرة الوطن والقضايا العادلة. لقد غنّى لطفي بوشناق لتونس، فأحبّه التونسيون. وغنى المغرب ومن لا يتذكر قصيدة مغرب لا يغرب ؟ وغنّى للكرامة، فاحترمه العرب. وغنّى للإنسان، فصار صوته عابرًا للحدود. تغنّى بأغانيه الشيوخ والشبان، وردّدها الناس في أفراحهم وأحزانهم، لأنها خرجت من قلب صادق فدخلت القلوب دون استئذان. إنّ من يُقذف بالحجارة ليس الشجر اليابس، بل الأشجار المثمرة. وهكذا هم الكبار ، كلما اشتدّ عطاؤهم اشتدّ حسد الصغار لهم. لكن خير ردّ على حملات الإساءة ليس النزول إلى مستنقعها، بل مواصلة طريق المجد، والاستمرار في العطاء، وترك التاريخ ينطق بالحقيقة. سيبقى لطفي بوشناق شامخًا كما عرفه الناس، رمزًا من رموز الشموخ، وعمادًا من أعمدة الفن الوطني الأصيل، وأملًا في نفوس الشباب الذين تعلموا من فنه معنى الانتماء، ومن سيرته معنى الكبرياء. أما المسيئون، فسيبقون عابرين كالغبار، يذروهم الزمن، وتبقى الأسماء الكبيرة منقوشة في ذاكرة الأوطان. إن كثرة الأصوات النشاز حول القامات الكبيرة ليست إلا علامة على أثرها العميق في الناس. فالعظماء وحدهم من يثيرون حسد العاجزين، والمبدعون وحدهم من يزعجون من لم يعرفوا غير الهدم. لذلك كان الضجيج حول لطفي بوشناق شهادة جديدة على أنه ما زال حاضرًا في الوجدان، شامخًا في المكانة، عصيًّا على محاولات النيل والتشويه وعلى حد تعبير أحدهم إذا ارتفع نباح الحاقدين، فاعلم أنك بلغت مكانًا لم يبلغوه، وان كثر الضجيج حولك دليل أنك تمضي في الطريق الصحيح، واذا كثر العواء حولك فاعلم انك آلمت الكلاب. سلامٌ عليك يا ابن تونس البار، وابن المغرب العربي الكبير ويا صوته الحر، ويا من علّمتنا أن الفن موقف، وأن الوطنية أخلاق، وأن المجد لا تصنعه الحملات المغرضة! الاستاذة سميرة فرجي