متابعة: الطاس يعلن توصله باستئناف الاتحاد السنغالي لكرة القدم ضد الكاف والمغرب. السنغال تطلب إلغاء قرار الكاف وإعلانها فائزة مع تعليق الأجل المحدد لإيداع مذكرة الاستئناف    إيران ترفض المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب وترامب يتوعدها ب"فتح أبواب الجحيم"    تفكيك خلية إرهابية موالية لتنظيم «داعش» الإرهابي تنشط بين المغرب وإسبانيا    أخنوش: مسار إصلاح التعليم لا يزال طويلاً والأساتذة شركاء لا منفذون فقط    القصر الكبير: إيقاف مروجين للمخدرات الصلبة بعد عملية ترصد محكمة    وهبي يضع اللمسات الأخيرة على أول تشكيلة رسمية له .. المنتخب الوطني ينهي اليوم تحضيراته لمواجهة الغد أمام الإكوادور    فؤاد مسكوت رئيسا للاتحاد العربي للمصارعة لولاية 2026 – 2029    منتخب الفتيان يستهل بطولة شمال إفريقيا بانتصار على تونس    حراك بالاشتراكي الموحد من أجل الديمقراطية التنظيمية وتجديد المشروع اليساري    مواجهات حاسمة ترسم ملامح آخر المتأهلين الأوروبيين إلى مونديال 2026    نشرة إنذارية.. زخات رعدية محليا قوية مع تساقط البرد يومي الأربعاء والخميس    في جلسة محاكمة جديدة بطنجة.. مطالب بالتحقيق في مصدر أموال "مولينكس" وبنشقرون    توزيع الدفعة الأولى من البطاقة المهنية للفنان    تجمع فنانين من بلجيكا وكيبيك وفرنسا والمغرب وسويسرا والكونغو .. ليالي الفكاهة الفرنكوفونية تعود إلى المغرب في دورتها 2026    مطالب برلمانية بضبط أسعار الأضاحي والحد من المضاربات قبل عيد الأضحى    ابتزاز سائح أجنبي بمراكش يجرّ صاحبه للاعتقال عقب تدخل أمني    "كلام عابر": تحول النص والمعنى والوجود في الهيرمينوطيقا والتأويل عند بول ريكور    سارة مولابلاد تطلق ألبومها القصير الجديد في الدار البيضاء    عبد الحليم حافظ يعود للغناء أمام الجمهور بالدار البيضاء            هزتان أرضيتان خفيفتان تضربان بحر البوران قبالة سواحل الريف        رئيس وزراء إسبانيا: إسرائيل ترغب في تدمير لبنان مثلما فعلت بغزة    رئيس ألمانيا: الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تنتهك القانون الدولي.. والثقة في السياسة الأميركية تتآكل عالمياً    أخنوش: كرامة المدرسين مدخل أساسي لإصلاح منظومة التربية والتكوين        ملك الدنمارك يتوصل باستقالة الحكومة        ماركا: المنتخب المغربي أصبح "المنتخب الثاني" المفضل عالمياً لدى الجماهير    النفط يهبط بقوة مع توقعات تهدئة في الشرق الأوسط    انتخاب المغربي خالد تينستي لصياغة مستقبل سياسة المخدرات الدولية في 2027    3 ملايين يورو مقابل التنازل.. دفاع سعد لمجرد يفجر مفاجأة "الابتزاز" أمام محكمة باريس    صندوق ‬النقد ‬الدولي ‬يؤكد ‬أن ‬الاقتصاد ‬المغربي ‬يواصل ‬إظهار ‬‮«‬مرونة ‬كبيرة‮»‬    باحثون صينيون يطورون الكتروليت جديد يضاعف أداء بطاريات الليثيوم    إعادة ‬تكوين ‬القطيع ‬الوطني..‬    التقدم والاشتراكية ينتقد "سلبية" الحكومة في مواجهة غلاء الأسعار    هل ‬تؤثر ‬حرب ‬الخليج ‬على ‬زخم ‬مسار ‬التسوية ‬لملف ‬الصحراء ‬المغربية ‬؟        الخطوط الملكية المغربية تبرز توسعها وربطها الدولي خلال ندوة حول البرازيل والبلدان العربية    بعد ‬أن ‬أطفأ ‬وزير ‬الصحة ‬نيران ‬غضب ‬الصيادلة.. ‬مجلس ‬المنافسة ‬يشعلها ‬من ‬جديد    "غوغل" تعلن سد ثغرات أمنية خطيرة في "كروم"    المغرب وإسبانيا يفككان خلية إرهابية موالية ل "داعش" في عملية أمنية مشتركة    طائرات مسيرة تستهدف خزان وقود بمطار الكويت الدولي ما تسبب في اندلاع حريق    أجواء ممطرة في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    تمديد مدة الملتقى الدولي للفلاحة إلى 9 أيام بمشاركة 70 دولة و1500 عارض    المغادرون بصخب.. التدليس السياسي بنيةً لا حادثة في المشهد السياسي المغربي    في المناخ الحربي الذي يسود المنطقة ويرفع من نسبة التهديدات .. تقرير دولي يرتب المغرب بلدا دون آثار الإرهاب    بمناسبة اليوم العالمي.. وزارة الصحة تكشف نسب حالات السل الجديدة بالمغرب    كعك العيد: طقس تاريخي بتكلفة متصاعدة وتحذيرات صحية    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مدننا بين التمدد والتمدن

لكل مدينة نوع من التاريخانية يميزها ويرمز الى شكل تكونها عبر الزمان. المدينة بناء تراكمي بامتياز، المدينة وعاء مكاني جغرافي،مجالي يحكي كل مكون من مكوناته تاريخا مخصوصا موشوما في ذاكرة الامكنة، بناء تراكمي تتراءى عند كل حلقة من حلقاته قصة الحلقات السابقة، وذلك بنفس الصورة التي يحيل بها فصل من رواية طويلة على فصول سابقة ويمهد لما سيأتي بعده من فصول.
والمدينة أيضا هي وعاء للأحداث والتطورات الاجتماعية ولممارسة الفاعلين الاجتماعيين من كل صنف. المدينة ذاكرة حية ومفتوحة تتقاطع في تفاصيلها معطيات الزمان و المكان، حركية المجتمعات ودينامية البنيات الاقتصادية والثقافية عبر المراحل المتلاحقة.
وكما أن للأشخاص الطبيعيين، للبشر، بيوغرافيات تحكي النشأة والمسار والتطور، فإن للمدن كذلك بيوغرافياتها التي تحكي ظروف الميلاد، منعطفات التحول، عوامل التغير وجدلية التفاعل بين عالم الناس وعالم الامكنة، بين الاشخاص والاشياء كما بين ذلك بيتر اكرويد، مؤرخ مدينة لندن في مؤلف جمع فيه ببراعة بين الدقة في رصد الوقائع التاريخية والتقاط ادق النبضات الاجتماعية وبين سلاسة الحكي عند استعراض محطات تطور هذه المدينة.
والمدن هي في العمق، وعند المنطلق مراكز حضرية تتمدد باستمرار، غير أن هذا التمدد - أو الامتداد - ليس مجرد ملأ للفراغات يقيم مكان الاعشاب والاشجار والرمال أبنية بحيطان ونوافذ واسطح، بل هو مسلسل تصاعدي يحمل في ثناياه، وامكانية النقل التدريجي والتعميم لبنة لبنة وخطوة خطوة للتطور الذي تعرفه المراكز، تجهيزات وانماط عيش واسلوب حياة، وذلك صوب الاطراف بما يجعلها متقاربة متجانسة في الخصائص النوعية والمستوى العام مع المركز.
بالطبع تبقى المراكز الاولى في المدن، في كل الاحوال جاذبيتها التي لا تقاوم، باعتبارها اماكن للذاكرة بتعبير المؤرخ بيير نورا يحكي قصة النشأة الاولى، وتبقى للمراكز بالطبع اولوية خاصة، لذلك السبب في اجندة تحركات السياح الراغبين في الوقوف على المنطلقات والاصول و على شواهد الماضي عند زيارتهم للمدن. غير أن هذه المراكز، كيفما كانت درجة تطورها او مقدار مركزيتها لا تعود، مع مرور الوقت، ومع عمليات ضخ التطور في الاطراف، جزرا معزولة وسط بحور من الهوامش والضواحي، والا افتقدت المدينة وافتقد التمدن المعاني والايحاءات الدلالية المرتبطة بهما منذ البدء.
مسلسل التجانس أو التأهيل الذي يطال الاطراف ويحولها الى مراكز جديدة هو الذي يحول دون احتجاز مفعول - او مفعولات - التمدد في مجرد التوسع السكني - اتذكر بهذا الخصوص كيف كان الوافدون الجدد الى المدن، والى غاية بداية السبعينات يستخدمون كلمة «يتاوى» في تطويع بالدارجة لكلمة ايواء، حيث يصبح السكن مجرد مكان يأوي اليه الشخص بعد يوم عمل. وكان ذلك في تلك المرحلة مؤشرا على بقايا ثقافة بدوية متغلغلة في مدن تشق طريقها بسرعة نحو اشكال جديدة من التمدن.
إن مسلسل تأهيل الهوامش والاطراف هو الذي يجعل مسلسل التمدد مسلسلا للتمدن في نفس الآن وليس مجرد اضافة «بلوكات» سكنية أخرى بجانبها أو حولها.
أين نحن في مدننا اليوم، خاصة الكبيرة والمتوسطة من هذه الصورة النموذجية والنمطية للتطور والتي يصبح فيها التمدد مساوقا للتمدن ولا يقف عند مجرد تضخم لمجال السكن والتهاما للاراضي الفارغة بعلب الاسمنت وقضبان الحديد؟
اين نحن من هذا التطور النمطي الذي يجعل انتاج مراكز جديدة، انطلاقا من المركز الامل، اي انطلاقا مما يسميه المعماريون الانجلوساكسونيون ب «المراكز الداخلية» مسألة مندرجة بصفة تلقائية ضمن دينامية التطور الحضري ذاته، بل واحد قوانينه الموجهة؟
أين نحن من هذا التطور النموذجي والنمطي، والذي يجعل المدينة قائمة في قلب الاطراف البعيدة عن المركز الاول، عوض ان تبقى في المخيال الجماعي لساكنة الاطراف، والضواحي، وفي كل مدننا تقريبا مرتبطة بالمجال الذي يتشكل منه المركز الاول والشوارع الرئيسية الاولى، وأماكن الحميمية الاولى التي عرفت النور عند النشأة الاولى؟ اتذكر دائما بهذا الخصوص تلك اللازمة في تعبير سكان الضواحي والاطراف الهامشية حينما يخاطب الواحد منهم صديقه : الى أين انت ذاهب؟ فيجيبه الآخر بكل تلقائية «الى المدينة» في اشارة الى وسطها، إلى المركز الاول، وكأن الحي أو المجمع السكني الذي يقطنه لا ينتمي إلى المدينة وليس جزءا منها.
والحقيقة أنه حينما نتتبع مسار تطور المراكز الحضرية في مدننا، فإننا نقف على ظاهرتين لا نجد لهما نظيرا في مسار تطور المدن العصرية الكبرى عبر العالم، والتي نستعير منها النماذج و التوجهات التعميرية.
- الظاهرة الاولى تتمثل في أن المراكز الحضرية المنافسة للمركز الاول في المدن المغربية الكبرى والمتوسطة عادة ما تأخذ مددا زمنية طويلة جدا عند التشكل. ومثال الرباط، في هذا الصدد واضح ومعبر، فانتقال مركز الثقل من محور شارع محمد الخامس الى محور اكدال فال والد عمير، ثم حي الرياض اخذ مدة طويلة. هي نفس طول المدة التي اخذها تشكل مركز المعاريف بالدار البيضاء بعد المركز الاول محور الساحة الكبرى، نفس الظاهرة يمكن ملاحظتها بمدينة فاس، حيث ان انتقال مركز الجاذبية من محور شارع محمد الخامس الى محور علال بن عبد الله/ ملعب الخيل اخذ هذا الآخر مدة زمنية طويلة لازالت في طور السريان. وفي طنجة فإن انتقال مركز الثقل من محور شارع باستور (البوليبار) الى محور الكورنيش، اخذ ازيد من اربعة عقود من الزمن.
ويبدو لي أنه من الصعب تصديق أن هذا الانتقال في مراكز الثقل داخل مدننا، وبروز أنوية مراكز جديدة يرتبط دائما بوجود او بفعالية مخططات ارادوية واعية تعرف من اين تبدأ وإلى أين تريد أن تصل. فالقاعدة العامة ان قانون العرض والطلب يشكل المحرك البنيوي الاول، ثم تأتي وثائق التعمير لتعقلن مسارا بصفة بعدية، مسارا بدأ في المنطلق بدونها. يصعب إذن تصديق أن انتاج المراكز الجديدة هو احدى بنتائج ومستتبعات سياسية ارادية وواعية للمدينة تعرض اهدافها وتعرف بمقاصدها بكامل الوضوح.
أما الظاهرة الثانية فهي أن مسلسلات وعمليات التجديد الحضري في مراكز المدن عندنا عادة ماتتم بشكل جد متأخر، ولذلك،فإن نتائج المقاربات الجمالية (أو التجميلية).
لاتصمد أمام الآثار التي تترتب موضوعيا عن انتقال مراكز الثقل والخدمات وأماكن الجاذبية والحميمية إلى مراكز ومناطق أخرى. ومرة أخرى، فإن مثال الرباط حول محور شارع محمد الخامس واضح وغني الدلالة على هذا الصعيد: فرغم ما صرف من اعتمادات ضخمة على سبيل التجديد الحضري ضمن هذا المحور، وعكس الانتظارات التي كانت قائمة ، يبدو اليوم أن هذا الفضاء الحضري يشكو من تدهور بنيوي لايمكن للمصابيح البيضاء ولا «الكارلاج» الرخامي المصقول في الارصفة على طول شارع علال بن عبد الله ان يخفيه او يقلل من وقعه.
وهكذا فإننا فيما يبدو لانتوفر على مخططات مقنعة في مجال تجديد مراكز الحواضر (بلغة التعمير) تتجاوز مفعول هندسة الواجهات، وتتمكن من إدماج الابعاد الجمالية ضمن الابعاد الاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي في النهاية الى تحسن في تمثل الناس لمعيشهم اليومي الحضري، السكني والخدماتي بشكل حاسم، كما يحدث مثلا في اسبانيا القريبة منا على مستوى العواصم الجهوية والمدن الكبرى والمتوسطة.
لقد عرفت كل المدن المغربية الكبرى خلال السنوات الاخيرة انطلاق اشغال التجديد الحضري في محيط المراكز، استهدفت تحسين التجهيزات والطرق والمجال الاخضر وإضفاء طابع من الجمالية على الواجهات الاساسية فيما يمكن أن نسميه بمناطق النزهة الحضرية والتزامن الذي حصل في انطلاق الاشغال على هذا المستوى في كل المدن، يظهر بجلاء ان المسألة كانت في الحقيقة توجيها مركزيا فرض مقتضياته على كل مجالس المدن بصرف النظر عن ألوانها السياسية او برامجها وأولوياتها وأفضليات فرقها المسيرة، وبالتالي فلا مجال هنا ولا معنى للمباهاة - كما يحلو للبعض ان يفعل - بما حصل من منجزات ولا معنى او صدقية الإدعاء وجود النية والقصد وراء ما تم التخطيط له او تنفيذه لدى ذلك البعض.
ومع ذلك لنترك الجانب السجالي / البوليميكي - والانتخابوي - في الموضوع ولنركز على ماهو أساسي ومهم ولنطرح السؤال: الآن، شهورا بعد انتهاء اشغال التجديد الحضري، تجديد بهندسة الواجهات، ترى ماهي الآثار العميقة التي ترتبت عن عمليات التجديد تلك بالنسبة لمجموع سكان المدن المعنية، وما اذا كانت آثارها على مستوى التمدن بالنسبة للضواحي والهوامش، وما مدى صحة وصلابة المنطلقات المنهجية والفلسفة التدخلية التي أملت ذلك الاختيار، بصرف النظر عن مصدر التوجيه، أكان مجالس مدن أو كان إدارات ترابية مركزية؟
لننطلق من محاولة تلمس عناصر الاجابة عن هذه التساؤلات من مدينة فاس: في الايام والاسابيع الاولى التي أعقبت ظهور شارعي الحسن الثاني وعلال بن عبد الله في حلتهما الجديدة، خرج الناس زرافات ووجدانا من مختلف هوامش وضواحي المدينة، ووقفوا مطولا يتفرجون على المنظر الاخاذ للشارع العريض وقد انبعثت منه الاضواء المتلئلئة وأخذوا صورا عائلية تذكارية بجانب النافورات وقد انسابت منها مياه بألوان قوس قزح، وقفوا يتفرجون على منظر تلك المصابيح البيضاء المثبتة على رافعات حديدية شبيهة بالقبعات الفيتنامية وهي تعكس اضواءها على احواض العشب الاخضر وقد ازدانت جنباتها بالورود الحمراء والصفراء. وقفوا يتفرجون على صفوف النخيل التي بدت كما لو أنها ولدت طويلة غليظة وفي كامل العافية. خرج الناس من أحياء الجنانات وسهب الورد والمرينيين وبندباب وظهر الخميس وظهر الريشة وعوينات الحجاج وعين هارون وبنسودة وزواغة وغيرها من الاحياء والتجمعات السكنية الشعبية، يتفرجون على هذا المولود الحضري الجديد بمزيد من مشاعر الدهشة وحب الاستطلاع والتهيب ومشاعر أخرى لايمكن ان يستوعب مضامينها العميقة غير ذلك النوع من الروائيين القادرين على سبر اغوار النفوس.
بعد الاسابيع الاولى، وبعد الدهشة الاولى، عادت الامور الى مستوى متوسطها العام، والى حالة الرتابة الاعتيادية، عاد الناس الى معيشهم المعتاد في أحيائهم، وهم أكثر إحساسا باختلالات المجال الحضري، وبعد الدهشة الاولى انكشفت البقع الرمادية المجاورة مباشرة للمربعات الفضية، فما أن يبرح المارة ساحة لافياط ببضعة أمتار، يمينا او يسارا حتى يقف مجددا على المتوسط المعتاد للتجهيزات والانارة والارصفة والنظافة.
بعد مضي آثار الدهشة الاولى، او الاعجاب الاول (في أقصى الحالات) لابد ان الاسئلة ستبدأ في التناسل: ما الذي يمكن ان يستقر في ذهن ساكن الجنانات او لابيطا او حي 45 من صور وأفكار عن واقع وحقيقة التجديد الحضري الذي يقف عليه ويعانيه خلال بضع ساعات من نهاية كل أسبوع عند زيارة المركز - ما الذي سيبقى ويستقر في ذهنه عندما ينزل من الحافلة المزدحمة حدا الاختناق عند مدخل الحي الذي يقطنه، وما الذي سيدور في خلده من أفكار او يروج في نفسه من مشاعر وهو يمشي وسط الازقة الضيقة الضعيفة الانارة متوجها الى بيته؟ وأي فرق في الآثار والجروح النفسية، بالنسبة لراكب الحافلة المهترئة المذكور بين رؤية السيارة الفاخرة مثلا تمر أمامه بخيلاء لايملك غير تمثلها في الخيال، وبين رؤية النافورة الجميلة المنتصبة برشاقة وسط العشب الاخضر، كأثاث حضري لايتملكه الا بصفة سطحية وافتراضية؟
أي فرق في الآثار والجروح النفسية بين الأمرين من حيث تعميق الشعور بالحرمان وبتناقض واقع ومصائر الناس وتناقض اشكال المعيش الحضري للناس داخل المدينة الواحدة؟
ونصل الى السؤال المركزي الآخر الذي يحيل الى الصلة القائمة - او غير القائمة - بين التمدن والتمدد. يقول السؤال «ماذا كانت آثار عمليات التأهيل على مستوى التمدن بالنسبة للضواحي والهوامش، وما مدى صحة وصلابة المنطلقات المنهجية وما مدى ملاءمة فلسفة التدخل التي أملت ذلك الاختيار؟
- على الرغم من كون عمليات التأهيل لم تسبقها مذكرات عرض او إعلانات نوايا تكشف بوضوح عن خلفياتها وفرضياتها الاجتماعية المضمرة، فإن هنالك عددا من المؤشرات التي تتلقى بأضواء كاشفة على طبيعة تلك الفرضيات والخلفيات، وذلك عدم جهر المخطط الحضري بها او طرحها للنقاش العام.
لنلاحظ اولا أن خطاب التأهيل الحضري انطلق مع بداية التسعينات عقب الهزات والتوترات التي عرفتها بعض المدن (فاس - طنجة ومدن أخرى). ولنلاحظ ثانيا، وفي مستوى مواز أن ظواهر العنف الحضري المتواترة التي عرفتها المدن الكبرى والمتوسطة في فترات متلاحظة كانت وراء قراءة معينة، قراءة مجالية للتوترات الاجتماعية التي عرفتها المدن المغربية في سياق تطور المجال الحضري وتشعب معضلاته.
ولنلاحظ ثالثا، كيف أن نفس القراءة المجالية المحدودة الافق انسحبت كذلك على بعض الظواهر والمعضلات الاجتماعية التي أفرزتها دينامية تحول المدن المغربية خلال الربع قرن الاخير، والتي ترمز الى أعلى مراتب الهشاشة الاجتماعية، كظاهرة الاطفال المشردين، والمختلين عقليا الهائمين وسط النسيج الحضري، والمتروكين لمصيرهم دون رعاية كالمتسولين، ناهيك بالطبع، وفي مستوى أقل خطورة، تلك الفئات ذات الاحتياجات الخاصة والمسنون والامهات الوحيدات المكلفات بأطفال، وكل المشتغلين على أنشطة في أقصى السلسلة من القطاع غير المهيكل.
القراءة المجالية للتوترات الاجتماعية قامت إذن على فرضية وجود علاقة سببية بين التأهيل الحضري مفهوما أساسا كتحسين وهندسة جديدة للواجهات وبين تهدئة النفوس، بين التأهيل الحضري، مفهوما كتحسين للاثاث الحضري، والاستيتيقا الحضرية وبين ما يمكن ان ندعوه بتلطيف العوائد والاخلاق. تلك هي المراهنة غير المعلنة التي قامت عليها عمليات التأهيل والتي اختفت وراء صخب الخطاب حول الحيثيات المعلنة. غير ان استمرار ظواهر العنف الحضري وقضايا الامن تلقي بظلالها على معيش المدن ابرز مع مرور الوقت ضعف مردودية التأهيل الاستيطيقي على تهدئة النفوس وتلطيف العوائد. وشكل ذلك أحد الحدود الكبرى للقراءة المجالية للتوترات الاجتماعية.
لقد تداعى من تلك القراءة المجالية كذلك تسييد نوع من المقاربات السطحية للظواهر الاجتماعية الجديدة التي أشرنا الى بعضها في فقرة سابقة، فلقد جرى الاعتقاد بأنها ظواهر عابرة، ولكن تبين بأنها ظواهر تستقر في الزمان، واذا كان جزء من المشهد الحضري يستدعي مقاربة علاجية يتجاوز ماتقوم به الآن مثلا سيارات وحدات المساعدة الاجتماعية. وبهذا الخصوص لايبدو اليوم ان الجماعات الحضرية، على تجسد التصور وفلسفة التدخل ولا على صعيد المجالات الاجتماعية والامكانيات وآليات العمل في المصالح والاقسام الاجتماعية، لايبدو ان الجماعات تتوفر على إمكانيات فعلية لمواكبة ظواهر استقرت وأضحت تتطلب مقاربة شمولية ومتعددة الابعاد.
ويبقى السؤال: بأي معنى يجب ان نفهم التمدن بالنظر لأوضاع مدننا اليوم، الكبيرة والمتوسطة وهي تتوسع مجاليا وسكنيا؟
ان التمدن هنا لايحيل على الدلالات المألوفة والتي تربط المفهوم بمعطيات تطور الاذواق وأنماط العيش والاستهلاك وما إليها من المعطيات الجمالية والسلوكية، ان المعنى الذي نعطيه هنا للتمدن يربط المفهوم بالوظائف التي اضطلعت بها المدينة دوما - والتي يبدو أنها افتقدته تدريجيا، وظائف الادماج الاجتماعي وخلق شروط التجانس بين الساكنة بمختلف شرائحها وطبقاتها ومجالات سكنها، بما يولد لديها الاحساس بالانتماء الى مجال موحد وان تباعدت اطرافه، وبالسعي الى تحقيق اهداف متقاسمة وان اختلفت الدرجات والمراتب الاجتماعية. ان هذه الوظائف، التي أسماها المفكر الفرنسي جاك لوكوف بالوظائف التوحيدية التجمعية (والتي اعتبرها عن حق إحدى الوظائف الاولى والاساسية للمدن) هي ما باتت تفتقده مدننا اليوم، والتي أصبحت مقارنة حتى مع السنوات الاولى التي اعقبت الاستقلال، مدن تنتج الافراد عوض المجموعات، مدن تنتج الوحدة والوحشة عوض الحميمية، مدن تنتج الفوارق عوض القواسم المشتركة، وفي الجملة مدن تنتج اختلاف المصائر بدلا من إنتاج تقاطع المصالح.
وفي النهاية، وبسبب تلك الخصائص السوسيولوجية الغالبة، وكنتيجة منطقية لها، مدن لايرافق فيها التمدن التمدد، هذه الوضعية تطرح جملة من التساؤلات تمس منطق التأهيل الحضري القائم عند مرتكزاته وأساساته.
- هل يمكن بناء سياسة للمدينة بدون سياسة للأحياء والضواحي. وهل تصبح المراهنة على ميكانيزم المد الصاعد (أي من المركز الى الاطراف) أي المراهنة على قدرة دينامية تطور المراكز على إنتاج آثار على أوضاع الهوامش.
- ما حدود القراءة المجالية للتوترات الاجتماعية، وللظواهر الاجتماعية التي أصبحت مزمنة، بل ولمسار التطور الاجتماعي برمته، وهل يمكن بناء سياسة للمدينة بمعزل عن سياسة للتماسك الاجتماعي؟
اسئلة لابد أنها تعيد النظر وتدفع الى مراجعة اساسيات المنطق التكنوقراطي الهندسي وبديهياته المزعومة عند التفكير في واقع مدننا اليوم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.