يعد الموقف الأخير للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، بمثابة انزلاق سياسي يعيد إلى الأذهان سقطات تاريخية لبعض أحزاب اليسار التي غلبت النزعة الأممية على الواقعية الوطنية، حيث يطرح هذا التضامن مع نظام فنزويلا تساؤلات حارقة حول فقه الأولويات لدى الحزب. فبينما تحرص القوى الوطنية الحية على جعل قضية الصحراء المغربية المنظار الذي يقاس به صدق التحالفات والمواقف، اختار "البيجيدي" القفز على عداء "كاراكاس" التاريخي للوحدة الترابية للمملكة ودعمها الصريح لجبهة البوليساريو، ليتبنى دور المحامي عن سيادة نظام لم يحترم يوما سيادة المغرب على أراضيه، وهو ما يعتبر تناقضا صارخا يجعل من المبادئ الأخلاقية المرفوعة مجرد غطاء لتضامن أيديولوجي غير محسوب العواقب. إن دفاع الحزب عن رموز السلطة في فنزويلا، تحت ذريعة رفض الانتهاك الجسيم للقوانين الدولية، يسقط في فخ المثالية القانونية التي لا تستقيم في عالم المصالح الجيوسياسية؛ فالحزب الذي أقر في بلاغه بالمنحى العدائي والخاطئ لفنزويلا تجاه قضيتنا الأولى، عاد ليتناقض مع نفسه عبر إدانة ما أسماه "اختطاف الرئيس"، وكأن سيادة دولة معادية للمصالح الحيوية للمغرب أصبحت فجأة أولوية تتقدم على جراح المغاربة ومناورات خصومهم. هذا الارتباك يظهر بوضوح كيف انزاح الحزب نحو الدفاع عن أنظمة "مارقة" عن الإجماع الدولي والوطني، مكررا تجربة حزب التقدم والاشتراكية في التماهي مع أطروحات العالم الثالث البائدة، دون إدراك أن المصلحة الوطنية العليا لا تقبل المجاملة في ظل وجود خصومة صريحة تمس الوحدة الترابية. وعلاوة على ذلك، فإن تشبيه الحالة الفنزويلية بمآسي أفغانستان والعراق وسوريا واليمن، يحمل في طياته محاولة لتصدير صراعات أيديولوجية غريبة عن الوجدان الوطني المغربي، ويهدد بتفتيت وحدة الموقف الخارجي للمملكة. فالسياسة الخارجية للأحزاب يجب أن تكون صدى طبيعيا للدبلوماسية الرسمية التي تعتبر الصحراء المغربية هي المحور والمنطلق، وأي خروج عن هذا الخط تحت مسمى احترام القانون الدولي هو في الحقيقة إضعاف للموقف المغربي ومنح هدايا مجانية لأنظمة تستغل كل فرصة لضرب استقرار المغرب. وفي نهاية المطاف، سيظل موقف العدالة والتنمية مرفوضا في عمقه الشعبي والسياسي، لأن السيادة التي تستحق الدفاع عنها هي تلك التي تبدأ من حدودنا الوطنية، وليس سيادة أنظمة تقتات على دعم الانفصال وتجاهر بالعداء لثوابت المملكة المغربية.