أفادت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية بأن المملكة المغربية تحولت منذ الحادي والعشرين من ديسمبر 2025 إلى مسرح عالمي للنسخة الخامسة والثلاثين من نهائيات كأس أمم أفريقيا، التي تجرى تحت لواء الكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم، مشيرة إلى أن هذا الحدث الكروي لم يعد مجرد تنافس رياضي بقدر ما أصبح منصة استراتيجية كبرى تستعرض من خلالها المملكة طموحاتها السياحية العالمية. ومع اقتراب المشهد الختامي للبطولة الذي سيجمع المنتخب المغربي بنظيره السنغالي في العاصمة الرباط، أكدت الصحيفة أن المغرب نجح في تكريس نفسه كمركز ثقل لكرة القدم القارية، مستثمرا الزخم الإعلامي والجماهيري الاستثنائي لتعزيز تموقعه ضمن قائمة أبرز الوجهات السياحية على الخارطة الدولية. واعتبرت الصحيفة أن هذه التظاهرة تتجاوز أبعادها الميدانية لتشكل "بروفة" حقيقية واختبارا واسع النطاق لجاهزية المغرب في استقبال تدفقات بشرية ضخمة، وذلك في إطار استعداداته الحثيثة لتنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال. ولفت التقرير إلى أن الرهان المغربي ارتكز بشكل أساسي على تحديث المنشآت الرياضية، وتطوير الشبكة الجوية والبنية الفندقية، مما جعل من "الكان" محطة تقييمية شاملة لقياس كفاءة مختلف القطاعات المرتبطة بخدمات السياحة والاستقبال. وفي لغة الأرقام، كشف التقرير أن المغرب حقق خلال سنة 2025 طفرة قياسية باستقباله نحو 20 مليون سائح وفقا لبيانات وزارة السياحة، مما يزكي مكانته كوجهة مفضلة لدى الفرنسيين خارج القارة الأوروبية. وأوضحت "لوفيغارو" أن هذه النتائج ثمرة استراتيجية دقيقة تهدف إلى رفع جودة العرض السياحي، عبر عصرنة الملاعب والارتقاء بمستوى الإقامة الفندقية وتوسيع خيارات الربط الجوي، لاستيعاب الحشود الجماهيرية وإثبات القدرة التنظيمية للمملكة في المحافل الدولية الكبرى. وأبرزت الصحيفة أن التموجات الإيجابية للبطولة لم تنحصر في المدن التي تحتضن المباريات فحسب، بل شملت مناطق بعيدة جغرافيا عن الملاعب؛ حيث نقلت عن المرشدة السياحية بمدينة شفشاون، أمينة الحموشي، تأكيدها بأن "الأثر المتسلسل" للبطولة دفع الكثير من الزوار للتوجه نحو "الجوهرة الزرقاء" لاستغلال أجواء الحدث القاري. ذات الانتعاش رصده المرشد السياحي بوجمعة أغلان في ورزازات بالجنوب الشرقي، مؤكدا أن الأداء التاريخي لأسود الأطلس في مونديال قطر ظل محركا أساسيا للإشعاع السياحي، وهو ما عززته كأس أمم أفريقيا الحالية برفع وتيرة الحجوزات بشكل ملحوظ. من جهته، أكد أشرف فايدا، المدير العام للمكتب الوطني المغربي للسياحة، أن الرياضة باتت رافعة استراتيجية للقطاع، موضحا أن التدفقات المسجلة تجاوزت الإطار الضيق للحدث الرياضي لتشمل فترات إقامة أطول واكتشافا أعمق لمختلف جهات البلاد. وضمن هذا السياق، أوضحت "لوفيغارو" أن الربط الجوي يشكل ركيزة أساسية، حيث سجلت شركة "ترانسافيا فرنسا" طلبا متزايدا نحو المغرب، معززة شراكتها مع المكتب الوطني للسياحة بافتتاح 14 خطا جويا جديدا في شتاء 2025 وزيادة في القدرة الاستيعابية بنسبة 30 في المائة. ولا تتوقف هذه الدينامية عند حدود "الكان"، بل تمتد لتشمل استشراف آفاق مونديال 2030، حيث تضع شركات الطيران مثل "ترانسافيا" الأسواق المغربية والإسبانية والبرتغالية كأولويات قصوى عبر توفير ملايين المقاعد. وفي الجانب الفندقي، شهد عام 2025 إضافة 43 ألف سرير جديد، لتصل نسبة الفنادق المصنفة (4 و5 نجوم) إلى 53 في المائة من مجموع العرض، كما أعلنت الشركة المغربية للهندسة السياحية عن افتتاح أزيد من مائة وحدة فندقية، مع استمرار الاستثمارات الدولية مثل مجموعة "راديسون" التي تعتزم افتتاح 25 مؤسسة جديدة بحلول عام 2030. وفيما يخص البنية التحتية، سلط التقرير الضوء على تخصيص 1.8 مليار يورو لبناء وتجديد الملاعب، مشيدا بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، وبالمشروع المستقبلي لملعب بنسليمان الضخم الذي سيتسع ل 115 ألف متفرج. وخلصت "لوفيغارو" إلى أن هذه الاستثمارات والمنظومات التنظيمية التي تم اختبارها بنجاح في كأس أمم أفريقيا 2025، والتي وصفتها الكاف بأنها الأنجح تجاريا في تاريخها، تؤكد أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانته كوجهة عالمية رائدة عبر توظيف "القوة الناعمة" لكرة القدم.