كرس الاجتماع الملكي الأخير بالقصر الملكي بالدارالبيضاء، والمخصص لمتابعة مشروع "الناظور غرب المتوسط"، ملامح مشهد سياسي مغربي غير مسبوق، حيث كان لافتا غياب رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن طاولة ترأسها جلالة الملك وضمت وزراء القطاعات الاستراتيجية المعنية بالمشروع. هذا الغياب لم يعد ينظر إليه كعارض بروتوكولي أو تضارب في الأجندات، بل تحول إلى مؤشر سياسي حاسم يعزز فرضية الانسحاب الهادئ للرجل من الواجهة التنفيذية، خاصة وأن اللقاء ناقش أوراشا كبرى تقع في صلب البرنامج الحكومي، وهو ما يجعل من الكرسي الفارغ لأخنوش رسالة واضحة المعالم حول طبيعة المرحلة الانتقالية التي دخلتها البلاد. وقد تزامن هذا التواري مع سلسلة من الخطوات التي قام بها أخنوش مؤخرا، وعلى رأسها التنازل عن قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار لصالح محمد شوكي، مما يوحي بنهاية فعلية للصلاحية السياسية للمسار الذي انطلق في 2021، فتحولت رئاسة الحكومة إلى ما يشبه إدارة لتصريف الأعمال يتأكد يوما بعد يوم مع انتقال ملفات ثقيلة وحساسة إلى وصاية وزارة الداخلية، التي باتت تشرف بشكل مباشر على التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة وحتى على تفاصيل تقنية كانت تاريخيا من اختصاص القطاعات الوزارية، مثل إحصاء القطيع الوطني، مما يعني عمليا تقليص مساحة المناورة السياسية والتدبيرية المتاحة لرئيس الحكومة الحالي. وفي الوقت الذي يواصل فيه الوزراء الحاضرون في اجتماع الدارالبيضاء، والمنتمون لقطاعات التجهيز والمالية والصناعة والطاقة، تنفيذ الأجندة الملكية للمشاريع الكبرى، يبدو أن الدولة قد حسمت خياراتها في تجاوز عنق الزجاجة الذي قد يفرضه أي فراغ سياسي ناتج عن تراجع دور رئاسة الحكومة. فالمشاريع الاستراتيجية كميناء الناظور مستمرة في مسارها السيادي والتقني، بينما يبقى الوزراء في وضعية يتم سياسي بعد انسحاب زعيمهم من الواجهة، مما يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات حول مدى تماسك التحالف الحكومي في أمتاره الأخيرة وقدرته على الصمود أمام رياح التغيير التي بدأت تهب من ردهات أم الوزارات. اليوم نحن أمام تدشين لمرحلة ما بعد أخنوش ببروتوكول يتسم بالرصانة والوضوح، حيث تعود الملفات الكبرى إلى حضنها المؤسساتي والسيادي الصرف بعيدا عن الاستقطاب الحزبي أو الزعامة الفردية. ومع تسارع وتيرة الإجراءات التنظيمية للانتخابات القادمة تحت إشراف وزارة الداخلية، يتضح أن الخريطة السياسية للمغرب يتم رسمها حاليا بقواعد مختلفة تماما، تنهي حقبة التمكين التي شهدها حزب الحمامة، وتستعد لاستقبال مرحلة سياسية جديدة بوجوه وتوازنات تعيد ترتيب الأولويات الوطنية بعيدا عن إرث الولاية الحكومية الحالية.