تفاصيل لقاء مع دي ميستورا.. موريتانيون يطلبون صعود منصة الشهود في قضية الصحراء المغربية    وزير النقل يعلق على خبر إلغاء "ريانير" لرحلاتها نحو المغرب    تحذير عاجل لهواتف "الأندرويد"…خلل خطير "يقتحم" حسابك المصرفي ثم يمسح هاتفك بالكامل    فيديو: تحقيق وشهادات حية عن الجانب الخفي من قضية بيغاسوس التي استهدفت المغرب تحديدا    اردوغان يتعهد ب"معاقبة" صحافية متهمة ب"إهانة الرئيس"    "بيت مال القدس" تصادق على تمويل مشاريع    تساقطات ثلجية هامة.. هذه توقعات طقس الخميس بالمغرب    مداهمة منزل مشتبه تسفر عن حجز 733 قنينة من الخمور بإقليم العرائش    لقاء مفتوحا مع الكاتب الدكتور مصطفى يعلى    المجلس الدولي للإبداع ينظم أمسية شعرية لشعراء من مختلف بقاع العالم    "لحن لم يتم"، و"حكاية العمر كله"، شريطان يرويان سيرة حياة كل من الفنانين: أسمهان، وفريد الأطرش، تعرضهما شاشة معرض القاهرة الدولي للكتاب    على خطى شقيقتها التوأم.. صفاء الرايس تدخل القفص الذهبي في سرية تامة -صورة    جوليا تحاول قتل ثيم.. تعرفوا على أحداث حلقة اليوم الخميس من مسلسلكم "لحن الحياة"    شركة تطور جرعة لقاح مصممة خصيصا لمكافحة "أوميكرون"    تونس تمدد حظر التجول الليلي وتمنع كل التجمعات لأسبوعين إضافيين    الجيش الأردني يقتل 27 مهربا    وزارة العدل: مباراة توظيف 100 منتدبا قضائيا    اضطرابات في التزويد بالماء الصالح للشرب في بعض أحياء الدار البيضاء وسطات وبرشيد يومي الخميس والجمعة    تاريخ مواجهات مصر والمغرب قبل الصدام فى ربع نهائى أمم أفريقيا    أنطونيو غوتيريس استنكر بلغة صريحة تدخل الجزائر في الشؤون الداخلية للمغرب    بروفيسور مغربي يتحدث عن إعادة فتح الحدود والنسخة الجديدة لأوميكرون    هل سيزور المغرب أيضا؟.. الرئيس الإسرائيلي يحل بالإمارات في أول رحلة له إلى دولة عربية دعما للاتفاقيات الدبلوماسية    مشروع مشترك يجمع شركتي Intérim Express و Domino RH    رئيس الفيفا يرى أن إقامة المونديال كل عامين قد "تمنح الأمل" للمهاجرين من إفريقيا    بالصور : المصالح الأمنية بأيت ملول تشن حملة موسعة ضد أصحاب الدراجات النارية، والساكنة تنوه    عدناني يفوز بمسابقة منارة القابضة Fontaine Ménara Space    روسيا وأوكرانيا: كيف نعرف أن الحرب قد بدأت؟    حكيمي ومحمد صلاح وجها لوجه …!    خبير في المناخ ل2m.ma: المبيدات والمواد الكيماوية أكبر خطر يواجه خلايا النحل بالمغرب    محمد من إيطاليا يتقاسم معكم تجربته في برنامج "أحسن Pâtissier"..    فيديو.. ساكنة منطقة تاغازوت نواحي أكادير تطالب بإعادة فتح الحدود وانقاذ العاملين بقطاع السياحة    الكشف عن تفاصيل إصابة المصريين الشناوي وحمدي فتحي في مباراة كوت ديفوار    لاعبو كرة القدم يعانون من تأثيرات "كوفيد-19" بعد الشفاء الأولي    إنفانتينو يكشف حقيقة تصريحاته حول إقامة كأس العالم كل عامين    هولندي ومغربية جابو الربحة. تحكمو بعامين ويخلصو خطية ب600 ألف يورو للضمان الاجتماعي فالصبليون    غدا ينطلق المؤتمر الوطني ال 11    تقرير للخارجية يؤكد على دور الأمن الروحي للمغاربة في التصدي للأطماع الإيرانية في القارة الإفريقية    «البسيج» يوقف شخصين بالرحامنة لارتباطهما بخلية موالية لتنظيم «داعش»    شفيق: الولاية الثالثة للشكَر مطلب كلّ الاتحاديين لكنها رهينة مصادقة المؤتمر    مصنع أسلاك السيارات بوجدة سيوفر 3500 منصب شغل بجهة الشرق (مجلس الجهة    ماكرون: "مجزرة 5 يوليوز 1962" في وهران بالجزائر يجب أن "يتم الاعتراف بها"    الغرينتا وروح الفريق.. ماذا تغير داخل المنتخب المغربي مع "الكوتش" حاليلوزيتش؟    الدولي الفرنسي أنتوني مارسيال ينضم الى اشبيلية على سبيل الإعارة قادما من مانشستر يونايتد    بسبب تغيير ملعب المباراة..مواجهة المغرب ومصر في كأس إفريقيا تقدم بساعة واحدة    مطالب للحكومة بفتح الحدود المغلقة أمام الرحلات واللجنة العلمية تقدم موقفها!    عاجل.. بلاغ مهم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية    الشيخ حماد القباج يكتب: مقاصد الزواج في القرآن والسنة    كوفيد19.. 7002 إصابة جديدة و36 وفاة خلال ال24 ساعة الماضية    هل تستجيب الحكومة لتوصيات اللجنة العلمية بفتح الحدود؟    المديرية العامة للضرائب تنشر مذكرة حول الأحكام الجبائية لقانون المالية لسنة 2022    مطار العيون.. ارتفاع حركة النقل الجوي بأزيد من 42 في المئة خلال 2021    المدرسة المرينية... معمار صناعة النخبة السلاوية في "كان يامكان"-الحلقة كاملة    رافد "حلف الفضول"    الحكومة تشرع في تزويد المناطق الصناعية بالطاقة الكهربائية النظيفة و البداية من القنيطرة    لحلو: إصدار أنشودة لدعم الأسود إشاعة    توقيف شخصين للاشتباه في ارتباطهما بخلية إرهابية موالية لتنظيم "داعش"    الأمثال العامية بتطوان.. (39)    هكذا نعى الأستاذ خالد محمد مبروك والده -رحمه الله-    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فردينالد ماركوس .. حاكم الفلبين الذي أنهى مسار ه غروره المرضي
تزوج من «إيميلدا» ملكة الجمال السابقة التي غذت حبه في السيطرة والتفوق
نشر في المساء يوم 29 - 05 - 2011

قد تضيق كتب التاريخ بذكر أشخاص مهووسين أقحموا بلدانهم في حروب طاحنة أشعلت فتيل الفتنة عبر العالم، مدفوعين بشهواتهم الهستيرية في التوسع والتسلط على البلاد والشعوب،
للاستئثار بإنجازاتها وخيراتها، غير آبهين بالخراب والدمار اللذين يتسببون فيهما ولا بالبؤس والشقاء اللذين يخلفوهما في النفوس، ناهيك عن ألوف القتلى والجرحى والمتشردين، إنْ في صفوفهم أو في صفوف البلاد التي يقتحمونها لكنْ، في المقابل، ثمة قاعدة ثابتة لا تقبل الجدل وتعنينا جميعا، دون استثناء ولا مفرَّ منها لأحد تقول: «عندما يتقدم العمر بالإنسان يضعف»، وبالتالي فإن مرور السنين والحروب يترك آثارا سلبية في تركيبة الجسم البشري، إذ «يتآكل» هذا الجسم وينال الوهن من جميع أعضائه وأجهزته، ومنها الدماغ، مركز التفكير والقرار... ظاهرة تصيب عظماء العالم، كما تصيب صعاليكه، فتصيب من تصيبه ممن توصلوا إلى القناعة وابتلاع ما يردده على مسامعهم بعض الأطباء المراهنين الذين يحيطون بهم ويلعقون مما في صحونهم، موهمين إياهم بأنهم قد اكتسبوا عظمة تحصّنهم وتمنع الضعف والوهن من التسرب إلى أجسامهم.. إنهم مرضى حكموا العالم...
في قصر منيف على شاطئ البحر في محيط جزيرة «هونولولو» بهاواي كان يقضي فردينالد ماركوس الرئيس السابق لجمهورية الفلبين رفقة زوجته «ايملدا» حياتهم الهادئة في المنفى منذ شباط 1986 دون أن يتخلوا عن عاداتهم التقليدية المتمثلة في حضور القداس كل صباح في كنيستهم الخاصة التي أقاموها داخل حديقة القصر.
فصباح كل يوم كان يسمع صوت السيدة الفلبينية الأولى (أو الفراشة الفولاذية كما كان يطلق عليها) يرّن في أرجاء القصر وهي تصدر أوامرها للخدم والحشم، أو حينما تكون في نقاش مع المحامين المكلفين بالدفاع عنها وعن زوجها لحماية مدّخراتهم التي تقدّر بعدة مليارات جمعت من عرق الفلبينيين ودمائهم خلال عشرين سنة من الحكم الديكتاتوري الفردي لماركوس وزوجته، حسب ما يقوله رجال الحكم والسياسة الجدد.
شيكاغو الباسيفيك
بدأ ماركوس حكمه الديكتاتوري الفردي (ابتدأ حكمه في الثلاثين من دجنبر 1965) رفقة زوجته ايملدا، منشئا بذلك صعوبات اقتصادية ومالية وتراكما للديون وصولا إلى الفقر والبؤس، التي كانت فئات الشعب تتذوقها يوميا بعد ازدياد التعدّيات وأعمال العنف والشغب، ولم يتبق من النظام الديمقراطي الذي دعا إليه في حملته الانتخابية سوى الاسم فقط، خاصة أنه لجأ إلى التزوير في الانتخابات للنجاح فيها والسيطرة على الحكم (سينتهج نفس الطريقة في التزوير والتزييف في انتخابات 1984) مسيطرا في ذلك على أمور آسيا، لينال بذلك محبة الرئيس الأمريكي جونسون وخليفته نيكسون اللذين وصفاه بذراعهم القوية في آسيا ورجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وفي أكتوبر من العام 1972 انتقلت عدوى الإجرام والاستهتار بالقوانين إلى جميع الجزر الفلبينية التي تحولت إلى ملاعب لنشاطات ماركوس ورجالاته (غير الشرعية) الذين يسرقون وينهبون دون رادع أو وازع، فتحوّل إلى زعيم عصابة مسلّحة يتابع عمليات القمع التي أسماها حينئذ بالتطهير السياسي، فلجم الصحافة وعلّق نشاطات المؤسسات الدستورية والعدلية ونقل السلطات الإدارية إلى أيدي العسكريين لتتفاقم الأمور بشكل ملفت للأنظار حتى وصفت مانيلا «بشيكاغو الباسيفيك»، نظرا لتزايد الجرائم المرتكبة (دون التقيّد بالدستور والقوانين الجاري بها العمل) التي تمثّلت في التعذيب والإعدام دون محاكمة ودون الرجوع إلى القضاء، حتى تم القضاء على رجالات المعارضة فيها، الشيء الذي دفع جورج بوش الأب (نائب الرئيس ريغن آنذاك) إلى القول: «نحن نحب سيدي الرئيس احترامكم للقواعد والإجراءات الديمقراطية التي تقومون بها في بلادكم»، التي سارع ماركوس إلى برهنتها باغتيال صديقه الحميم «بنينو اكينو» الذي صدر في حقه حكم الإعدام قبل أن يفرج عنه عام 1981 ويصدر أمرا باغتياله لحظة وصوله المطار برصاصة جاءت على يد الجنرال «فايبان فير» رئيس أركان ماركوس وذراعه اليمنى وابن عمه المخلص.
بداية النهاية
باغتيال «بنينو اكينو» أزاح ماركوس من أمامه خصمه العنيد والمنافس القوي في الانتخابات المقررة في 25 من فبراير 1986، ولكن الحرب لم تنته بين الرجلين حتى بعد انتهاء حياة احدهم (موت أكينو) فقد حرص هذا الأخير قبل موته (وكأنه كان يعلم مسبقا بأنه لن يعمر طويلا أمام براثن ماركوس وأنيابه) أن يوزّع على وسائل الإعلام العالمية كل ما كان يصله من ماركوس (بمصادر موثوقة) حول صحته ومرضه التي سارعت الصحف إلى نشرها وإبراز مرض الرئيس، الذي أضحى يعاني من قصور في الكبد وبقع زرقاء في الوجه واليدين وآلام مبرحة في المفاصل مصحوبة بحمى أصابته بالضعف والهزال، وأصبح معها منتفخ الوجه خضع على إثرها لعملية زرع كلية اصطناعية بشكل سري في قصره من طرف فريق طبي أمريكي، وأضحى تغييرها بشكل دائم كل شهرين وتأكدت تلك الأنباء للشعب الفلبيني بعد ظهوره يعاني من صعوبة في المشي والتنقل بعد أن أوكل لمساعديه بحمله ومساعدته على الانتقال من مكان إلى آخر داخل قصره.
هنا ثارت المعارضة بشكل كبير داخل مانيلا وأضحت التقارير التي تصل واشنطن من خلال سفارتها سيئة حول الوضع المتفاقم فيها، فارتأت (واشنطن) بعد تقويمها للأمور بأن الطاغية العجوز لم يعد يشكل ضمانة للقاعدتين الأمريكيتين الضخمتين للقوات الجوية الأمريكية باهظة التكاليف، فبدأت بتجييش الشعب الذي ازدادت قوته لدرجة أن جيش ماركوس لم يعد باستطاعته مواجهته والتصدي له ولتحركاته التي اصطّف وراءها خصمه الجديد «كورازون أكينو» أرملة خصمه القديم «أكينو بينينو» الذي اغتاله ماركوس نفسه، مهددا بقتلها كما فعل بزوجها قائلا: «إن مكان النساء في المخادع فقط».
كانت ايميلدا زوجة ماركوس قد عمدت هي الأخرى إلى توزيع سخريتها اللاذعة ونكاتها البذيئة بحق كورازون وتزعمها للمعارضة في الوقت الذي كانت تجّهز فيه عشرات الأثواب للاحتفالات المقررة بتتويج زوجها الرئيس ماركوس في انتخابات 25 فبراير 1986(في حالة فوزه طبعا) لكن ماركوس شخصيا لم يكن واثقا من النتائج، إذ كان على معرفة تامة بأنه ذهب بعيدا وبأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تبقى في الحياد فيما لو اغتصب الحكم من جديد كما فعل في السابق.
فخلال الثمانية عشر يوما التي تفصل بين الانتخابات والتتويج لازم ماركوس القصر مختبئا وراء فصائل النخبة من جيشه، لكن الهدير المتصاعد من الجماهير الغاضبة التي تجوب البلاد والشوارع ليلا ونهارا كانت تنبئه بالخبر الصحيح بعد انضمام اثنين من المقربين إليه «جوان بونس انريل» وزير الدفاع، و«فيدل رسوس» رئيس الأركان إلى منافسته العنيدة «كورازون» مشكلين ضربة قاضية لماركوس.

أحداث 1986 ونهاية مؤلمة لماركوس
نتيجة للتدهور الاقتصادي المتواصل والضغوط الأمريكية المتزايدة وتصعيد جيش الشعب اليسارى هجماته في الشمال، واستمرار استنزاف الجيش في الجنوب المسلم، واهْتزاز ثقة الأمريكيين في قدرته على الاستمرار في السلطة، أراد ماركوس أن يثبت للجميع أنه لا يزال الرجل القوى القابض على مقدرات الأمور كلها رغم كل التحديات ورغم مرضه، فأعلن عن انتخابات رئاسية مبكرة، ولكن في هذه المرة لم يواجه ماركوس معارضة مشتّتة كالعادة وإنما معارضة ملتحمة موحّدة تحت زعامة «كورازون أكينو» زوجة الزعيم الراحل « بنينو أكينو» التي أثبتت صلابة وحكمة يفتقر إليها كثير من الرجال (رغم أنها كانت حديثة العهد بالسياسة)، ملهمة بذلك صفوف المعارضة نتيجة لسجلها الناجح في الانتخابات التشريعية سنة 1984 وشعورها بأن الشعب قد طفح به الكيل وأنه يريد التخلص من الرئيس المستبد ونظامه القمعى الفاسد. إنها فرصة نادرة لطرد الرئيس والتخلص من بطانته.
وفي يوم الانتخابات الرئاسية (26 فبراير 1986) تجمّع أربعمائة ألف من أنصار الحركة الوطنية لحرية الانتخابات ومن مختلف الطوائف والشخصيات المستقلّة، نزلوا جميعاَ إلى الشوارع لمساندة «كورازون أكينو» ومراقبة عملية الانتخابات، وسجّلت الحركة حالات رشاوى وتزوير ، ومع ذلك كانت المؤشّرات كلها تتجه إلى نجاح ساحق «لكورازون أكينو..»، إلا أن ماركوس لم يستسلم وأصرّ على أنه هو الفائز وأنه مستمر في رئاسة الجمهورية مهما كلّفه ذلك من تضحيات، هنا تفجّر الموقف وزحفت الجماهير نهارا وليلاّ يهتفون بسقوط الدكتاتور وبطانته وأعلنوا أنهم لن يغادروا أماكنهم حتى يرحل ماركوس عن القصر الجمهوري ويسلّم السلطة إلى كورازون أكينو، وفى هذا المناخ الملتهب ومشاعر الغضب المتأجّجة انطلقت في الجيش شرارة تمرد محدود حيث أعلنت مجموعة من كبار الضباط الانقلاب على نظام ماركوس واعتصمت بأحد معسكرات الجيش في مانيلا، والتحمت مع جماهير الشعب في محاولة لإسقاط النظام، على الفور استجابت الجماهير وزحفت نحو المعسكر المتمرد وأحاطته بسياج هائل من أجسام البشر، حرّك ماركوس حرسه الجمهوري الخاص بالدبابات والمدافع لقصف المعسكر والقضاء على المتمردين، لكن جدارًا بشرّيا هائلا حال دون تقدم الدبابات، فقد وجدت القوات الزاحفة أمواجا من البشر تفترش الأرض مستميتة ومستعدة للتضحية بأرواحها، هنا توقفت الدبابات وجرى حوار تاريخي بين المتظاهرين وبين ضباط الجيش وجنوده، دون أن يعرف بالتحديد ماذا يجري بين الطرفين؟ كانت الأحداث تتسارع بشدة. وفي مثل هذه المواقف الدرامية النادرة في تاريخ الوطن يجد الأفراد أنفسهم أمام قرارات مصيرية حاسمة ، ينسون فيها كل شيء آخر إلا الخطر الماثل أمامهم، وهكذا وجد الضباط أنفسهم أمام اختيارين: إما أن يلتزموا بالولاء لرئيسهم وتنفيذ أوامره وإحداث مذبحة بشرية، وإما أن ينحازوا للشعب وينصروه ضد الدكتاتور المريض واختار الضباط أن يقفوا إلى جانب الشعب.
في هذه الأثناء دق جرس الهاتف في قصّر «ملكانيانجّ» بمانيلا وكان على الطرف الآخر الرئيس الأمريكي يتحدث من البيت الأبيض. كانت صورة الموقف بكل تفاصيله أمام الرئيسي ريغان مع تحذير من رجال المخابرات الأمريكية في مانيلا بأن الموقف قد أفلت من أيديهم ، وأن حياة الرئيس الفلبيني في خطر ولابد من تصرّف عاجل لإنقاذ حياته.. وجاءت عبارات الرئيس ريغان مختصرة وحاسمة: «سيدي الرئيس ماركوس إن الموقف يوشك أن يفلت من أيدينا، ولم أعد أستطيع حمايتك، نحن نرحب بك في الولايات المتحدة أنت والأسرة ومن شئت من مساعديك، وهناك طائرة تتجه الآن إلى القصر لتحملكم.. كما يوجد يختان في خليج مانيلا لنقل أمتعتكم وسيتولى رجالنا تأمين رحلتكم من القصر إلى الولايات المتحدة».
بهذه الكلمات انتهت أُسطورة الدكتاتور ماركوس وأسرته، كانت تلك إشارة قوية من الولايات المتحدة للرئيس ماركوس بأن عليه الإسراع في الخروج من الفلبين بشكل سري باتجاه الولايات المتحدة تاركا الرئاسة لخليفته كورازون، أحس ماركوس حينها بأحشائه تتمزق فعليا لأنه يعلم بأن الولايات المتحدة هي التي أوعزت إلى قيادة الجيش الفلبيني بالانحياز إلى السيدة «أكينو» وبأنه من غير المستحسن اللجوء إلى العنف وأنه لن ينظر بعين الرضا إلى كل من يساعد الرئيس الفاشل ولم يبق له من مخرج سوى ترك الساحة والاختفاء عن الأنظار وهذا ما فعله.
كانت حرم الرئيس الفلبيني تهوى اقتناء الأحذية الجميلة غالية الثمن من أنحاء العالم، وكان في حوزتها ثلاثة آلاف زوج من هذه الأحذية النادرة، وكان عليها أن تختار بين كنزين لتحمل أحدهما في رحلتها الأخيرة إلى المنفى: كنزً الأحذية أو كنز المجوهرات. فاختارت المجوهرات، كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءا من يوم الثلاثاء السادس والعشرين من فبراير 1986 حينما شاهد الآلاف من الفلبينيين المحيطين بالقصر أربع طائرات هيلوكبتر تحط في باحة القصر الداخلية لبضع لحظات ثم تطير وقد جعلت وجهتها القاعدة الجوية الأمريكية «في كلارك فيلد»، وقد حملت على متنها الرئيس الدموي وملكة الاستعراضات وقد وليّا الأدبار هاربين دون تناول طعام العشاء ليطيرا من جديد باتجاه الولايات المتحدة ويدخل ماركوس على الفور أحد مستشفياتها للعلاج بعد أن أضحى يعاني تعبا وهبوطا حادا في الضغط ليلفظ أنفاسه الأخيرة بجزيرة هاواي ذلك الأرخبيل المطل على المحيط الهادئ في الثامن والعشرين من سبتمبر 1989.
كاتب وصحافي فلسطيني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.