توقيف المشتبه فيه في جريمة القتل بمستشفى محمد الخامس بطنجة وحجز أداة الجريمة    المحامون يعودون الاثنين المقبل إلى استئناف العمل ووقف الاحتجاج ضد مشروع قانون المهنة لوزارة العدل    جريمة قتل داخل مستشفى محمد الخامس بطنجة    دعوة بيت الصحافة لحضور أمسية مع أدباء وباحثين وجمعويين من حاضرة القصر الكبير    الوجه الشيطاني لجيفري إبستين .. أسرار جزيرة الرعب    إصابات وإجلاء آلاف السكان جراء اضطرابات جوية بإسبانيا والبرتغال    بتعليمات ملكية سامية الحكومة تضع برنامجا واسعا للمساعدة والدعم لفائدة الاسر والساكنة المتضررة من الاضطرابات الجوية بميزانية توقعية تبلغ 3 ملايير درهم    تفاؤل حذر من صندوق النقد الدولي تجاه الاقتصاد المغربي    تفاصيل جدول أعمال اجتماع "الكاف"    تعليق الدراسة ليومين بإقليم تطوان    أتلتيكو يُذلّ برشلونة في كأس إسبانيا    الحروف تجمع بلمو وأجماع في ديوان فلسطينيات ضد الإبادة والنسيان    وجان: عناصر الوقاية المدنية تنتشل جثة ستيني من داخل "مطفية"    "نقوش على الخواء"..إصدار جديد يحتفي بالمرأة قضية للحياة        محمد الطوزي يرسم خريطة أزمة السياسة ومستقبل الإسلام السياسي في المغرب        هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    متضررو القصر الكبير يشيدون بإعلان المنطقة منكوبة ويطالبون بالشفافية    مهرجان برلين الدولي للفيلم 2026.. مديرة السوق الأوروبية للفيلم: المغرب مركز استراتيجي للإنتاجات السينمائية الدولية    محمد امشيشو مديرا عاما للمصالح بمقاطعة طنجة المدينة    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على أداء إيجابي    توقعات ببلوغ دين الخزينة 1163 مليار درهم سنة 2025    مجلس المنافسة: ثلاثة فاعلين كبار يسيطرون على سوق الإسمنت المغربي    برمجة رمضانية.. العصبة تكشف عن جدول الجولة الأخيرة (15) من مرحلة ذهاب البطولة الاحترافية    المغرب ينافس العالم... 5 ملاعب مرشحة للقب الأفضل عالميًا في 2025    لجنة تبحث اختيار الرباط عاصمة للإعلام    قيوح: المغرب يعتبر التعاون مع الدول الإسلامية في قطاعي النقل واللوجستيك خيارا استراتيجيا    نشرة إنذارية.. تساقطات مطرية قوية وتساقطات ثلجية ورياح قوية يومي الجمعة والسبت    تقرير: الفيضانات كشفت عن اختلالات في البنية التحتية ومخططات التعمير وآليات التعويض    الكونفدرالية الأفريقية.. أولمبيك آسفي يشدّ الرحال إلى الجزائر لمواجهة اتحاد العاصمة في صراع الصدارة    الصبيب يتراجع بسد وادي المخازن .. ونسبة الملء تعادل 158 في المائة    تمديد عقد مدرب منتخب إنجلترا توماس توخل    فيلم عن "مصورة أفغانية" يفتتح مهرجان برلين    الجزائر ‬و ‬تمرين ‬التحول ‬الاضطراري ‬المرهق ‬في ‬الموقف ‬تجاه ‬نزاع ‬الصحراء ‮«‬فكها ‬يا ‬من ‬وحلتيها...!!!!»    أبحاث أمريكية: النوم المتأخر يهدد صحة القلب    إبراهيمي: "الفراقشية" في كل القطاعات.. والمقربون من الحكومة استفادوا من إعفاءات ضريبية وجمركية        نوتنغهام فوريست يقيل مدربه دايش بعد التعادل مع ولفرهامبتون    المغرب والإمارات يرسمان خارطة طريق لشراكة صحية استراتيجية    "رايتس ووتش": تجديد أمير سعودي قصره بطنجة يضع مقاولات مغربية على حافة الإفلاس بعد رفض أداء 5 ملايير دولار        نتنياهو: إسرائيل ستنضم إلى "مجلس سلام" ترامب    موسكو تتحرك لتزويد هافانا بالوقود    دعم متكامل بضغطة زر.. الصين تطلق بوابة إلكترونية لخدمة شركاتها عبر العالم    مرتدية العلم الفلسطيني.. مسؤولة بالبيت الأبيض تنتقد الصهيونية السياسية وتقول: أفضل أن أموت على أن أركع لإسرائيل    كأس ألمانيا: بايرن يفوز على لايبزيغ ويتأهل لنصف النهاية    وأخيرا.. واشنطن ستسدد ديونها المتأخرة للأمم المتحدة خلال أسابيع وتطالب بإصلاح المنظمة الدولية    موقع إسباني ينشر تفاصيل مقترح الحكم الذاتي الموسع.. يتكون من 40 صفحة ويتضمن 42 بنداً تفصيلياً    دراسة علمية تكشف طريقة فعالة لتقليل آثار الحرمان من النوم    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوسيع نطاق جراحات العيون للحد من حالات العمى الممكن تجنبها    القناة الأولى تكشف عن شبكة برامج متنوعة لرمضان تجمع بين الدراما والكوميديا والوثائقي والترفيه    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بنعلي: بنكيران لا يمتلك الشجاعة لمحاربة الفساد والسلطة لا تدار بالصبر
المحلل الاقتصادي والسياسي ل« المساء » الديمقراطية تتطلب سلطة مضادة لا المبالغة في البيعة والولاء
نشر في المساء يوم 19 - 05 - 2012

في هذا الحوار مع «المساء» يطلق المحلل السياسي والاقتصادي المغربي، إدريس بنعلي، النار على حكومة عبد الإله بنكيران
التي يقول إنها تفتقر إلى الشجاعة المطلوبة لمحاربة لوبيات الفساد. وقال بنعلي، في هذا السياق، إن بنكيران أبان عن عجز في التصدي للفساد، وليست له الشجاعة الكافية لمواجهة لوبياته. وأوضح أن الديمقراطية تتطلب وجود سلطة مضادة حقيقية وليس من يبالغ في البيعة وإبداء الولاء, مضيفا أن «المغرب تتنازعه ثقافتان: ثقافة الديمقراطية، وهي ثقافة غربية، وثقافة الطاعة والبيعة، وهي ثقافة شرقية عنوانها الاستبداد. لهذا فإن بعض الأحزاب مثل العدالة والتنمية مازالت ثقافتها منبثقة من ثنائية الطاعة والبيعة».
- قلت في العديد من مقالاتك السابقة إن الدستور الجديد يشل عمل الحكومة ويحول دون وصول الديمقراطيين الحقيقيين إلى السلطة. ألا تبالغ في ذلك؟
لا، لا أبالغ، بل هذه هي الحقيقة. إذ بالنظر إلى ما نشاهده اليوم من ارتجال، هل تظن أن الحكومة الحالية لها صلاحيات كبرى لتطبيق برامجها؟ لأول مرة نرى كيف أن وزيرا يسلب من صلاحياته وتعطى لوزير آخر، هل هذا دستور أو على الأقل تنزيل شفاف للدستور؟ أظن أن الدستور المغربي بقي معلقا بين الاستبداد والديمقراطية، مما يترك مجالا كبيرا للضبابية والارتباك. لذلك فالأمر يبقى مسنودا إلى شخصية هذا الوزير أو ذاك ومدى قوته على تحمل مسؤوليته وفرض وجوده من عدمها.
- القول بأن الدستور الحالي لا يسمح للديمقراطيين الحقيقيين بالوصول إلى السلطة أليس معناه أن وزراء العدالة والتنمية ليسوا ديمقراطيين حقيقيين؟
انأ لا أتحدث حصريا عن العدالة والتنمية، فكيفما كان الحزب الذي سيصل إلى الحكم سيجد نفسه في نفس الخندق، وهذا يعني بأن عليه أن يناضل من أجل التحكم في بعض الصلاحيات. كما يجب أن تكون له زعامة قوية لفرض وجوده. الديمقراطية تتطلب وجود سلطة مضادة حقيقية وليس من يبالغ في البيعة وإبداء الولاء. المغرب تتنازعه ثقافتان: ثقافة الديمقراطية، وهي ثقافة غربية، وثقافة الطاعة والبيعة، وهي ثقافة شرقية عنوانها الاستبداد. لهذا فإن بعض الأحزاب مثل العدالة والتنمية مازالت ثقافتها منبثقة من ثنائية الطاعة والبيعة.
- رغم أن صناديق الاقتراع هي التي حملت العدالة والتنمية إلى الحكم؟
طبعا. هم لا يعرفون بأن صناديق الاقتراع هي التي أعطتهم المشروعية، بل يظنون بأن المشروعية تأتي من البيعة، وهذا حال رئيس الحكومة الذي تجده يبالغ في البيعة لكون ثقافته شرقية أكثر من كونها حداثية.
- وما تعليقك على تصريح عبد الإله بنكيران الاثنين الماضي أمام البرلمان، حين قال: «منين كنختلف مع الملك كنصبر»؟
أظن أن الدستور يجب أن يطبق في هذا المجال، وعلى رئيس الحكومة أن يأخذ السلط المسنودة إليه دستوريا، ولكي يتمكن من ذلك عليه أن يوضح مواقفه للملك. ثانيا لكي تحكم في بلد معين يجب أن تكون بيدك المراكز الاستراتيجية للحكم.
- مثل ماذا؟
مثل المقاولات الكبرى وصلاحية تعيين الولاة والعمال.
- المشكل إذن ليس في الدستور، بل في رئيس الحكومة.
رئيس الحكومة لم يقو على فرض ذلك، لأنه لكي يحكم يجب أن تكون لديه مراكز السلطة الوسيطة، أي أن يكون تحت إمرته الولاة والعمال والمدراء الكبار.
- بنكيران تحدث في البرلمان عن الثقة بينه وبين وزيره في الداخلية، وقال إنه لا يعرف العمال والولاة بقدر ما يعرفهم وزيرهم المباشر.
منطق الثقة جيد، والثقة في المغرب يجب أن تخلق من جديد، لكن قبل الحديث عن الثقة يجب أن أكون متمكنا من مشروعي السياسي والمجتمعي. من ناحية أخرى، حزب الحركة الشعبية، الذي يرأسه وزير الداخلية، كان عضوا في تحالف الثمانية، الذي كان موجها ضد العدالة والتنمية. كيف يمكننا والحالة هذه أن نتحدث عن الثقة؟ المشكل هو مشكل حكامة وفرض للسلطة، وهذا يحتاج إلى رئيس حكومة بمواصفات مثل التي كانت لدى الراحل عبد الله إبراهيم الذي أعتبره آخر رئيس حكومة حقيقي، وآخر رجل كان يقول: لا, هو عبد الرحيم بوعبيد، الذي مات في 1991.
- سبق أن حذرت من تحول التقنوقراط إلى أوتوقراط. هل أصبحنا أمام لوبي يعادي الديمقراطية؟
نعم، لا تنسى أن هذا اللوبي بدأ يتشكل بداية من 1996، عندما نادى الحسن الثاني على التقنوقراط لتشكيل الحكومة، حينها بدأ هؤلاء التقنوقراط، من خلال جمعياتهم مثل «جمعية مهندسي القناطر والطرق»، التي أسسها مزيان بلفقيه، الذي أتى بكريم غلاب، رئيس البرلمان الحالي، ومحمد بوسعيد، الذي أصبح واليا على الدار البيضاء، وغيرهم. هؤلاء التقنوقراط راكموا، شيئا فشيئا، مصالح وارتباطات، وأصبحوا يدافعون عن مصالحهم، ثم دخلوا إلى الأحزاب وأصبحوا هم من يسيرونها. إذ غالبا ما نجدهم في التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وغيرهما.
- لماذا يلجأ هذا «اللوبي» التقنوقراطي إلى هذين الحزبين تحديدا؟
لأنهما من أحزاب الدولة. يجب ألا ننسى أن المخزن هو الذي يخلق النخب في المغرب ويخلقها عبر الأحزاب الإدارية. المشكل اليوم هو أن الطبقة السياسية يجب أن تستقل عن المخزن، فالمستقل اليوم هي الأحزاب اليسارية الراديكالية الصغرى، إضافة إلى العدل والإحسان، عدا ذلك الكل متحكم فيه بطريقة أو بأخرى من طرف المخزن. انظر من وضعوا على رأس «البام».. رجل جيء به من الاقتصاد. كذلك التجمع الوطني للأحرار اختير له وزير المالية السابق، وداخل حزب الاستقلال نجد كريم غلاب، مع أن الاستقلاليين كانوا في البداية ضده لكون مزيان بلفقيه هو من وضعه داخل حزب الاستقلال منذ البداية، رغم أن لا علاقة له بهذا الحزب. الآن المطلوب هو تحرير النخب لتلعب أدوارا في دمقرطة المغرب حتى نتجاوز الوضعية الحالية، حيث نجد أن فاعلا سياسيا واحدا يحتكر كل شيء. هذا مناف للديمقراطية.
- هل يسمح النقاش الدائر حول دفتر التحملات بمقارنة وزير الاتصال الحالي بسابقه، المساري، الذي قال: «بغيت نجري على العامل محمد طريشة من التلفزيون، جراو علي أنا وبقا هو»؟
تماما. الأمور لم تتغير، فقط كنا سابقا نعرف أن من يقف خلف الأمور هو إدريس البصري، بينما الفاعل الأساسي الآن يلعب من خلف الستار
- من تقصد هنا؟
عندما تتمرد موظفة على وزير الاتصال وتنزع السلط من الوزير وتبقى لها هي...أين نحن من الدستور الجديد؟ وأين هي سلطة الوزير؟.
والهمة بدون شك هو أحد المتحكمين في السلطة؟ أين هو مركز القرار في هذا البلد؟ ألا يوجد في الديوان الملكي؟. أرأيت ما الذي قاله بنكيران: «منين كنختلف مع الملك كنصبر». هذا يعني أنه يقبل كل شيء، مع أن السلطة هي اتفاقات وتوافقات بين هذا الطرف وذاك. السلطة لا تدار بالصبر.
- أليس الصبر هو مفتاح الفرج، كما يقال، وأن «الله مع الصابرين»؟
أنا ضد الثقافة الشرقية. هذه الثقافة هي التي تقول لك: «اليد التي لا تقوى على قطعها.. قبِّلها». هذه هي الثقافة التي بني عليها العالم العربي، وهذا ما يريد الربيع العربي القضاء عليه. هذه هي الثقافة التي جعلت منا شعوبا متخلفة يستعمرها الآخرون، وهي نفسها الثقافة التي جعلت منا بلدانا غير مستعدة وغير مؤهلة لاستقبال الحداثة.
- صرح بنكيران في بداية تعيينه بأنه سيتعامل مباشرة مع الملك، لكنه الآن يصرح بأن مناقشات جمعته بفؤاد عالي الهمة ووجده رجلا لطيفا.
الآن دخلنا في الثقافة السياسية المغربية. فؤاد عالي الهمة كان يقول إن تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة جاء لمواجهة الإسلاميين، وعلى وجه الخصوص حزب العدالة والتنمية. على الأقل فؤاد عالي الهمة لا زال منسجما مع موقفه في مواجهة «البيجيدي»، أما بنكيران فيريد استجداء عطفه، في حين أن الهمة يسخر منه، والنتيجة أن فؤاد عالي الهمة سيتمكن من اقتلاع «البيجيدي» من جذوره الشعبية ويقصيه من الساحة السياسية، ثم يرميه إلى مزبلة التاريخ بعد أن يفقد مصداقيته تماما.
- هل نحن بصدد تكرار تجربة حكومة عبد الرحمن اليوسفي؟
أظن أن الأمر سيكون أكثر من ذلك، لأن اليوسفي جاء إلى الحكومة في ظرفية كان الدستور فيها لا يمنح للوزير الأول السلط التي يمنحها له الدستور الحالي. بنكيران يسمح بأن يسلب منه الحق في ممارسة صلاحيات منحها له الدستور، وبالتالي فالنتيجة ستكون بالنسبة للعدالة والتنمية مثلما آلت إليه الأمور بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي، الذي صار اليوم يلعب دورا ثانويا في المعترك السياسي، إضافة إلى كونه فقد جذوره الاجتماعية، كما أن الأشخاص الذين يديرون الاتحاد الاشتراكي اليوم لا يمتون بأي صلة إلى ما كان يطمح إليه مؤسسو هذا الحزب، الذي صار محكوما عليه بالاندثار إذا لم يقرر جديا إعادة النظر في أجهزته وهياكله وقيادييه الذين صاروا أشبه بآثار أركيولوجية.
- مصطفى الخلفي سبق أن قال إنه إذا مست صلاحياته سوف يقدم استقالته من الحكومة، غير أننا نرى بأن صلاحياته انتزعت منه لتعطى إلى وزير آخر.
أنا كنت مؤيدا لمصطفى الخلفي عندما اتخذ موقفه ذاك وقام بجلب دفتر التحملات. احترمته لأنني كنت أرى، لأول مرة، وزيرا يتحمل مسؤولياته ويطرح المشكل على الرأي العام، سواء اتفق معه البعض أو اختلف، وقد زاد احترامي له عندما قال إنه سيستقيل من منصبه إذا تمت عرقلة عمله، لكنني صدمت به لا يزال في الحكومة حتى بعدما سلبت منه صلاحياته، مع أنني أعرف الخلفي منذ الجامعة وأعرف مواقفه الصارمة.
- ربما هذا نوع من «الصبر» الذي تحدث عنه رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران؟
السياسة لا تمارس بالصبر. الصبر في السياسة هو أن أصبر عندما ينتقدني الآخرون، حيث يمكن لأحدهم أن يسبني، لكن لا صبر على انتزاع السلط والاختصاصات والمبادئ، حينها لا يعود لي من وجود ولا كرامة.
- قال بنكيران في البرلمان إنه لم يأت ليصفي الحسابات مع العمال والولاة الذين كانوا يحاربون العدالة والتنمية.
لا. السياسة لا تمارس بكثير من الأخلاقوية، بل بالقوة. من يحكم عليه أن يضطلع بأمور الحكم، وأن يبحث عن فريق منسجم، لا أن يُدخل معه طابورا خامسا أمثال هؤلاء العمال والولاة. يجب أن نكون واضحين في هذا البلد.. الذين حاربوا الأحزاب لا يمكن الاحتفاظ بهم، فهؤلاء ليسوا تقنوقراطيين قاموا بمهام محددة، بل تحولوا إلى خصوم، رغم أنه كان يفترض فيهم الحياد. يمكن أن يكون هؤلاء العمال والولاة قد نفذوا أوامر، لكن ليتحملوا مسؤولياتهم ولتتم محاسبتهم.
- هناك من يعتبر أن حكومة بنكيران مجرد حكومة انتقالية أو حكومة تدبير أزمة في ظل الربيع العربي.
هذا ما يبدو. المغرب كان عليه أن يجتاز منطقة العاصفة، في ظل الربيع العربي، بأقل تكلفة، وبالتالي لجأ المخزن إلى استعمال أناس لديهم برنامج سياسي معين ومستقلون.. لا تنس أن المتظاهرين في المغرب عندما يخرجون إلى الشارع يطالبون بمحاربة الفساد، لذلك قال المسؤولون إنهم سيحاربون الفساد، لكن عندما تم الإتيان بهم انتزعت أسنانهم، والأسد عندما تنتزع أسنانه لا تترك له من سلاح، وبالتالي تستعمله لمدة وتتركه يموت، ومن أتى بالعدالة والتنمية للحكم في هذه الشروط كان يعرف أنه سوف يموت، لذلك هم يحضرون بديلا ربما يكون هو الأصالة والمعاصرة، أو الاتحاد الاشتراكي, الذي يتم دفع بعض الأعضاء داخله لتشكيل معارضة مع «البام»، ولا أستبعد أن يقود الحكومة خلال السنوات القادمة.
- ما تعليقك على تصريح بنكيران في البرلمان بأنه سيوقف الكشف عن أسماء المستفيدين من رخص الصيد في أعالي البحار والمقالع إلى حين.
هذا يعني بأن المشكل الأساسي الذي جاء بنكيران لمواجهته، وهو محاربة الفساد، أبان عن عجز في التصدي له. أظن أن بنكيران ما كان عليه الكشف عن اللائحة الأولى لكي يبقى منسجما مع نفسه، وهذا يعني أن ليس له مشروع وليست له الشجاعة الكافية لمواجهة اللوبيات. فما هي الإضافة التي من شأنها أن يقدمها.
- لكن الحكومة سبق أن كشفت عن أسماء المستفيدين من رخص النقل؟
هذا ينم عن عدم انسجام، وعن تمييز بين أصحاب «الكريمات» الصغيرة الذين كشف عن أسمائهم، وبين العسكر وأصحاب السلطة داخل أجهزة الدولة ممن يستحوذون على رخص الصيد في أعالي البحار والمقالع. لقد أثبتت هذه الحكومة بأنها غير قادرة على محاربة الفساد ولا تتوفر على برنامج مهيكل للحكم بانسجام طيلة خمس سنوات.
- هناك رأيان فيما يتعلق بالتزام حكومة بنكيران بالمحضر الذي وقعته حكومة عباس الفاسي مع الأطر العليا المعطلة من عدمه. ما قولك بخصوص ذلك؟
إما أن تكون هناك استمرارية للدولة أو لا تكون، فبالرغم من أنني لم أكن متفقا مع الحكومة السابقة، لكنني أومن بأن الدولة إذا لم تفرض استمراريتها فلن تبقى دولة، ولا يمكن للمواطن أن يحترم الدولة إذا لم تلتزم بتنفيذ الاتفاقيات التي وقعتها. الحكومات تذهب وتأتي، لكن الدولة تظل قائمة.
- وما رأيك في النقاش الدائر حول الضريبة على الثروة؟
فيما يتعلق بالضريبة على الثروة هناك من هو ضدها إيديولوجيا، وهناك من هو مدفوع بمصالح، وهناك من يقول إنها من الناحية التقنية غير قابلة للإنجاز، وهذا صحيح؛ فهذه الضريبة هي مطلب شعبي جدا، لكن هناك صعوبات فيما يتعلق بتفعيلها، فحتى البلدان المتقدمة تواجه بأسئلة من قبيل: من سنخضعه للضريبة؟ وما هي النسبة التي سنطبقها عليه؟ وكيف سنحدد الممتلكات؟... هذه أمور تتطلب لتنفيذها إدارة جد موسعة ومتقدمة تكنولوجيا، الأمر الذي لا يتوفر عليه المغرب. من ناحية أخرى، إذا طبقنا هذا القانون الضريبي، في غياب الشروط السالفة، سوف يبدأ الأثرياء في توزيع ثرواتهم على أفراد عائلاتهم. لذلك، بدل الجري وراء أشياء غير قابلة للتطبيق، يجب أن نركز جهودنا على أشياء أخرى. أنا أطرح الموضوع من الناحية التقنية، لكن من الناحية الإيديولوجية أو الشعبوية يمكن أن تكون له فوائد.
- العدالة والتنمية تحدث في برنامجه الانتخابي عن نسبة نمو حددها في 7 في المائة، ثم تحولت في التصريح الحكومي إلى 5.5 في المائة، ومافتئ وزير الاقتصاد والمالية أن أنزل نسبة النمو إلى 4.2 في المائة، وأخيرا قال والي بنك المغرب إن هذه النسبة لن تتعدى 3 في المائة. ماذا يعني هذا التضارب؟
أضف أننا نتجه نحو نسبة نمو لا تتعدى 2.5 في المائة. المشكل أن الأحزاب المغربية، وليس العدالة والتنمية وحده، كانت تقول بما أن المغرب لم يشرع في حل مشاكله، فيجب رفع نسبة النمو إلى 7 في المائة، وهذا معطى لم تأت به هي، بل يعود إلى البنك الدولي، وقد نقلته عنه كل الأحزاب دون أن تأخذ بعين الاعتبار الظرفية الاقتصادية، لذلك اصطدمت بواقع آخر: هناك عجز في الميزانية ب6 إلى 7 في المائة، وهناك عجز في الميزان التجاري الذي يتراجع يوما بعد يوم. كما أن احتياطي العملة الصعبة لا يتجاوز 5 أشهر، بعد أن كان 11 شهرا. إضافة إلى أن الشريك الاقتصادي الأوروبي غارق في الأزمة...
- والحالة هذه.. إلى أين يتجه المغرب؟
كنا ننتظر التغيير بأقل تكلفة. لكن الآن نرى أن الحكم يريد أن يربح الوقت، رغم أن المغرب خسر الكثير من الأشياء، وهذا قد تكون له عواقب وخيمة في المستقبل، نظرا لقلة التبصر. لا ننسى أننا نعيش في عالم آخر، فالعالم العربي عاش هزة كبرى لم يسبق لها مثيل، وعدد من الدول، بالرغم من أنها تعاني مشاكل كبيرة، تسير نحو الديمقراطية مثل تونس ومصر. التهرب من الديمقراطية في المغرب سيؤدي إلى نفق مظلم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.