الخلية الإرهابية المفككة يوم 10 شتنبر: كل المواد المحجوزة في شكل مساحيق ومواد سائلة تستعمل في صناعة العبوات المتفجرة    رسميا.. توتنهام يعلن تعاقده مع بيل    تسجيل 40 حالة وفاة جديدة بكوفيد 19 والحصيلة ترتفع إلى 1795 حالة    تجار قلعة السراغنة يحتجون على قرار إغلاق محلاتهم في وقت مبكر    بعد تشكيك رئيس الزمالك في بقائه مع الأهلي.. فايلر يصرح: "لدي عقد حتى الصيف المقبل وسأقيم الوضع عند نهاية الموسم"    الإصابة تمنع لاعب الوداد من مواجهة نهضة زمامرة    غوارديولا: غياب أغويرو قد يستمر شهرين إضافيين !!    مونديال 2022.. ميسي يقود تشكيلة الأرجنتين في التصفيات    ليس الحدادي وحده.. محترفون بأوروبا بإمكانهم حمل قميص المنتخب    محام: "فقيه الزميج" اعترف باغتصاب قاصرات.. وهذه التهم الموجهة إليه    كورونا تستمر في اقتحام المدارس المغربية .. إغلاق مؤسستين تعليميتين بعد تسجيل إصابات بالفيروس    وزير الأوقاف: "المساجد لن تفتح لصلاة الجمعة إلا بانخفاض أو زوال جائحة كورونا"    ضجة داخل البرلمان الفرنسي بسبب طالبة مغربية محجبة    منتمون ل "الاصالة والمعاصرة" في منطقة سوس يستعدون لإعلان حركة تصحيحية لمواجهة قرارات وهبي    فيروس كورونا : المغرب يسجل حصيلة ثقيلة جديدة من الوفيات، و الإصابات تقترب من 100 ألف.    السعودية : خلاف حاد بين الملك سلمان و ولي عهده بشأن التطبيع مع إسرائيل    المجمع الشريف للفوسفاط يساهم في تزويد ساكنة الرحامنة واليوسفية بالماء الشروب    وزير الأوقاف: إقامة صلاة الجمعة في المساجد حاليا غير ممكنة    إمكانية إقامة صلاة الجمعة بالمساجد.. وزير الأوقاف يحسم الجدل وهذا ما قاله -فيديو    الزراعات الخريفية..الإنتاج المتوقع كاف لتلبية الاستهلاك والتصدير    التعاون الوطني بإقليم العرائش والاستعداد لموسم 2020_ 2021    مخازنية فطنجة حبطو عملية تهريب المخدرات ف"جت سكي" -تصاور    الفقيه اللّي تعدى جنسيا على تلميذاته تقدم اليوم للوكيل العام فطنجة    التوفيق: الظروف الوبائية الحالية لا تسمح بإقامة صلاة الجمعة بالمساجد    شاب يحاول ذبح والده بالمهدية ويلحق به جروحا بليغة.. والأمن يطلق عليه الرصاص لإيقافه        بسبب كورونا….قرار بإغلاق جميع المحلات التجارية بإقليم تطوان    صفقة "ماستر لاب" المثيرة للجدل .. برلماني لوزير الصحة : الإختبارات كتباع بأورو فأوربا و حنايا شريناها ب99 درهم !    قيمة الدرهم تتراجع أمام الأورو    وزير الأوقاف: يتعذر حاليا إقامة صلاة الجمعة.. وأداؤها مرتبط بزوال الجائحة أو انخفاض الإصابات    إسبانيا .. جهة مدريد تشدد القيود والتدابير الاحترازية في محاولة لمحاصرة تفشي وباء ( كوفيد 19 )    رسميا.. ضم اللاعب المغربي مراد باتنا إلى نادي الفتح السعودي    ايدامين يكتب…في ضيافة سعادة القضاة ورحاب الفضاء الحقوقي    إطلاق نار في حفل غير مرخص في نيويورك    "مرتفعة بشكل غير مقبول".. منظمة الصحة العالمية تعلق على وفيات كورونا    وزارة التجارة الأمريكية تنفذ تهديدات ترامب وتحظر تطبيقي "تيك توك" و"وي تشات" ابتداء من الأحد    مسؤول عسكري إسرائيلي يلوح بإمكانية اغتيال حسن نصر الله    عين لحصن بتطوان.. طعنة سكين تودي بحياة شاب    الاتحاد المغربي الشغل ينتقد تجاهل الحكومة للحركة النقابية وتطالب بعرض قانون الإضراب للحوار    دراسة: أبوظبي ودبي أكثر المدن الذكية إقليميا    "الباطرونا" تعد دليلا موجها للمقاولات لحمايتها من الجرائم الالكترونبة    وزير العدل يتعرض لحادثة سير بمدينة آسفي وهذا ما قاله    على خلفية شكاية وزير الصحة.. أمن الرباط يستمع لمايسة سلامة الناجي    إصابة حمد الله لا تدعو للقلق    طنجة.. تدوينة على "فايسبوك" تقود صاحبها إلى المتابعة بعد نشر خبر زائف حول العثور على طفلة مقتولة    أجواء غائمة مصحوبة ببقايا من الأمطار في توقعات حالة الطقس لنهار اليوم    قصة اغنية جيروساليما او القدس بيتي.. من جنوب افريقيا الى العالمية    عبير العابد: القطاع الفني بالمغرب حقير و جائحة كورونا أثرت على الميدان    محام: نجحنا في الحصول على حكم لتعليق اقساط الابناك بسبب كورونا    مؤشر التقدم الاجتماعي.. المغرب يتقدم في الحاجات الأساسية ويتأخر في الرفاهية    رحيل الشاعر العراقي عادل محسن    "منتدى الفكر التنويري التونسي" يكرم الأديبة التونسية عروسية النالوتي    بالفيديو.. لأول مرة "شلونج" تجمع سلمى رشيد بدون بيغ    "حظر تجول" لأمير رمسيس في المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي    استقبال الكاتب الأول لوفد عن الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني ومجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين:    تصوير فيلم "باتمان" رجع بعد الشفاء من كورونا    فنانة تطلب الطلاق من زوجها بسبب أكله الكبدة!!    دافقير يكتب: عصيد.. فكرة ترعب طيور الظلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





اندفاع سوري إلى مصيدة أولمرت؟
نشر في المساء يوم 28 - 12 - 2008

هناك «شيء ما» يجري طبخه على نار هادئة، وبعيداً عن المتلصصين، بين سوريا وإسرائيل عبر الوسيط التركي، أفصح الرئيس بشار الأسد عن جانب منه عندما استخدم المؤتمر الصحافي الذي عقده بمناسبة زيارة نظيره الكرواتي لدمشق للحديث عن «انتقال طبيعي إلى مرحلة المفاوضات المباشرة.. لأنه لا يمكن أن نحقق السلام من خلال المفاوضات غير المباشرة فقط».
تصريحات الرئيس الأسد هذه اختيرت بعناية، وفي توقيت على درجة كبيرة من الأهمية، فهي تتزامن مع زيارة إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي، وتسرب أنباء عن لقاء محتمل بينه وبين مبعوث سوري في العاصمة التركية أنقرة حيث سيحط الرحال فيها في زيارة مفاجئة.
المسؤولون السوريون، ناهيك عن الرئيس الأسد نفسه، يختارون كلماتهم بعناية فائقة، وبعد دراسة عميقة لكل جوانب الموقف، وغير مسموح لأي واحد الخروج عن النص المتفق عليه، ولهذا يصعب على أي مراقب الحصول على المعلومات الكافية من المصادر الرسمية (ممنوع وجود مصادر غير رسمية) سوى تلك التي مسموح بها، لتحليل الموقف السوري تجاه هذه المسألة أو تلك بطريقة علمية.
وما يمكن استنتاجه من كلمات الرئيس الأسد، والتسريبات الإسرائيلية، وجولات أولمرت بين لندن وأنقرة أن صيغة اتفاق ما تتبلور، وأن مرحلة المفاوضات غير المباشرة أعطت أكلها، وأوشكت على الانتهاء، إن لم تكن انتهت فعلاً، وبات من المحتم الجلوس وجهاً لوجه إلى طاولة المفاوضات.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عما إذا كان هذا الوقت بالذات، الذي يقف فيه العالم على أبواب إدارة أمريكية جديدة، وتستعد فيه إسرائيل لخوض انتخابات برلمانية بعد شهر ونصف الشهر، مناسباً لتسريع المفاوضات السورية الإسرائيلية، والتمهيد، أو حتى الانتقال إلى المفاوضات المباشرة؟
ربما يكون من السهل على المرء أن يفهم حماس أولمرت للتعجيل في عملية التفاوض مع سوريا، ولكن من غير السهل فهم مجاراة الحكومة السورية، وتجاوبها السريع، مع خطوات أولمرت هذه، وهي التي تعرف أن أيامه في السلطة باتت معدودة للغاية، وقد يخرج من رئاسة الوزارة إلى السجن بتهم الفساد.
لا نشك مطلقاً بذكاء صانع القرار السوري، وقدرته الفائقة على قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية قراءة صحيحة، ودليلنا على ذلك النجاحات التي حققتها الدبلوماسية السورية في كسر عزلها من قبل البلاد الأوروبية على الأقل، واستقبال العديد من الزعماء الغربيين مثل الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي ووزراء خارجية أكثر من دولة أوروبية، والأهم من ذلك العودة إلى لبنان بقوة من النافذة السياسية، ولكن ربما يكون التجاوب «المتسرع» مع غزل أولمرت هذا سابقاً لأوانه وخطوة غير محسوبة بالقدر نفسه من العناية والتمحيص.
الهدف من التهافت الإسرائيلي، ومن قبل أولمرت بالذات، على «تسخين» المفاوضات مع سوريا، والتلويح بجزرة الانسحاب من هضبة الجولان، هو إبعادها عن حليفتها الاستراتيجية إيران، وقطع علاقاتها مع أهم ركيزتين لها في المنطقة العربية وهما «حزب الله» في جنوب لبنان وحركة «حماس» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحويلها من دولة ممانعة إلى دولة «معتدلة» مثلها مثل بقية الدول العربية التي ينتقدها الإعلام السوري وامتداداته في لبنان ليل نهار.
لا أحد يعارض استعادة سوريا لأراضيها المحتلة، في زمن أسقطت فيه معظم الدول العربية إن لم يكن كلها الخيار العسكري، وبات الحديث عن دعم المقاومة الفلسطينية نوعاً من الكفر، فهذا زمن «السعودية أولا» و«مصر أولاً» و«الأردن أولاً» وهكذا، ولكن هل ستنسحب إسرائيل فعلاً من الجولان كلياً، وما هو المقابل الذي ستحصل عليه من سوريا غير الخروج من «محور الشر»، وكيف ستكون سوريا في مرحلة ما بعد استعادة هضبة الجولان؟
هضبة الجولان السورية ليست مثل منطقة وادي عربة في نهر الأردن، كما أنها ليست مثل سيناء، والظرف الذي جرى فيه توقيع اتفاقيات «كامب ديفيد» المصرية ومعاهدة «وادي عربة» الأردنية مختلف كلياً عن الظرف الحالي، ولا بد أن القيادة السورية تدرك هذه الحقيقة جيداً.
بمعنى آخر، عندما وقّعت إسرائيل معاهدات كامب ديفيد مع مصر كانت تريد إخراجها كلياً من جبهة دول المواجهة، وربطها بالكامل مع المشروع الأمريكي، وشق الصف العربي. في المقابل كان الرئيس أنور السادات يتطلع إلى مكاسب مادية، وجلب الرخاء الاقتصادي إلى شعبه، واستعادة الدخل الناجم عن عوائد المرور في قناة السويس (خمسة مليارات دولار حاليا) واستخراج النفط والغاز (أكثر من عشرة مليارات دولار والسياحة عشرة مليارات أخرى) علاوة على المدخول السياحي في منطقة شرم الشيخ وطابا.
سوريا استطاعت أن تعيش دون هضبة الجولان لأكثر من أربعين عاماً، كما أنه لا يوجد نفط ولا غاز فيها، والتطور النوعي في صناعة الصواريخ مثلما شاهدنا في حرب لبنان الأخيرة، قلل من أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى سوريا وإلى إسرائيل في الوقت نفسه. وإذا كان معظم المنتوج الاقتصادي السوري من هضبة الجولان هو من التفاح والعنب، فإن هناك مئات الأطنان منه في مناطق سورية أخرى عجزت الحكومة عن تصديرها إلى الخارج.
سوريا نعمت بالاستقرار على مدى أربعين عاماً، وآخر حرب خاضتها ضد إسرائيل كانت قبل 35 عاماً، أي أنها ليست في حالة حرب، ولا تخوض حرب استنزاف ترهق كاهل الاقتصاد السوري، وتستنزف المواطن وتعرقل عمليات التنمية حتى تلجأ إلى المفاوضات المباشرة في الزمن الخطأ والتوقيت الخطأ.
فإذا كانت سوريا تواجه ظروفاً اقتصادية سيئة، فإن هذا عائد إلى سوء الإدارة، وانتشار الفساد، وليس إلى سياسات الممانعة التي تتبناها، أو الحصار العربي المفروض عليها.
ويمكن التذكير بأن هذه الظروف الاقتصادية لم تتحسن كثيرا على مدى الثلاثين عاماً التي دخلت فيها في تحالف قوي واستراتيجي مع الدول العربية التي تحاصرها حالياً وأبرزها مصر والمملكة العربية السعودية.
مصر استعادت سيناء قبل ثلاثين عاماً، ولكن ظروفها الاقتصادية في زمن الحرب كانت أفضل بكثير من ظرفها الراهن، فقبل حرب أكتوبر عام 1973 كانت الصحف المصرية تتندر على طوابير فراخ الجمعية، والآن تتندر الصحف نفسها على طوابير الخبز، وتحول الجيش المصري من مفخرة لمصر وللأمة العربية، إلى جيش من الخبازين، وعمال شق الترع، والاعتناء بمزارع الدواجن.
ولا نبالغ إذا قلنا إن اقتصاد سوريا عندما كانت دولة مواجهة كان أفضل بكثير من اقتصادها اليوم، بعد أن فضلت التهدئة، وأوضاعها الأمنية كانت أكثر صلابة مما هي عليه الآن، فقد كانت سوريا دولة مهابة من جيرانها، ولا
أحد يجرؤ على التطاول عليها لأنها تعرف كيف ترد مستندة إلى قضية وطنية ودور ريادي عربي في مناصرتها.
التراجع الاقتصادي ليس سببه تبني سياسات الممانعة، والتقدم الاقتصادي لا علاقة مباشرة له باستعادة الجولان، فالسيد مهاتير محمد جعل من ماليزيا أحد أبرز نمور آسيا الاقتصادية في أقل من عشر سنوات، مع الإشارة إلى أن ماليزيا ليست فيها أي موارد نفطية.
صاحب القرار السوري يجب ألا يطمئن إلى الوعود الإسرائيلية، وأن يتمعن جيداً بالمطالب الإسرائيلية في المقابل، وأن يتذكر دائماً أن إسرائيل لم تتنازل حتى الآن عن مزارع شبعا، ولا قرية الغجر في جنوب لبنان، وهي عبارة عن بضعة كيلومترات مربعة، فكيف ستتنازل عن هضبة الجولان؟
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وقع اتفاق أوسلو مع الإسرائيليين، وتجاوب مع كل طلباتهم، فماذا حدث؟ انتهى محاصراً ومن ثم مسموماً، والرئيس محمود عباس الذي رحبت إسرائيل وأمريكا بخلافته باعتباره شريكا معتدلاً لم ينجح بعد أكثر من عشرين اجتماعاً مباشراً مع أولمرت نفسه في تفكيك مستوطنة أو إزالة حاجز واحد من ستمائة حاجز إسرائيلي في الضفة الغربية.
سوريا ليست بحاجة إلى الدخول في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع رئيس وزراء انتهت صلاحيته، ومن أجل بذر بذور الفتنة بينها وبين حلفائها، وإعطاء أعدائها والعرب منهم خاصة، ذخيرة قوية للسخرية منها، وزعزعة استقرارها الداخلي من خلال تقديم المبرر للجماعات المتشددة المتربصة بها، مثلما حدث في التفجيرات الأخيرة.
العالم يتغير بسرعة، وإسرائيل في حالة ضعف شديد وباتت تشكل عبئا أخلاقيا وأمنيا على حلفائها في الغرب، أما الولايات المتحدة فتواجه الهزائم في العراق وأفغانستان، وجاءت الأزمة المالية العالمية لتهز الاقتصاديات الغربية بشدة، وفي المقابل هناك حالة نهوض لقوى عظمى جديدة حليفة للعرب هي روسيا والبرازيل والهند والصين، فلماذا «يذهب السوريون إلى الحج والناس راجعة؟
نتمنى على القيادة السورية أن تتريث، وألا تقع في مصيدة أولمرت، فسنوات العرب العجاف أوشكت أن تقترب من نهايتها، وأعداء سوريا والمتربصون بها كثر، فلا بد من الحيطة والحذر، وعدم الاندفاع في دهاليز غير مأمونة وغير مضمونة، فماذا بقي لمصر الدولة العظمى من مكانة ودور بعد تفريطها بالعروبة وقضية فلسطين؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.