د. محمد بوبوش السبت 31 يناير 2026 - 23:54 أزمة غرينلاند وانعكاساتها على مستقبل التحالف الأطلسي يُعتبر التحالف عبر الأطلسي ركيزة أساسية للأمن العالمي ورمزًا للوحدة بين أمريكا الشمالية وأوروبا، إلا أنه يشهد اليوم توترات متزايدة مع تزايد الضغوط الأمريكية على حلفائها الأوروبيين لاعتماد موقف أكثر تصعيدًا تجاه روسيا. وقد فاقم الصراع المستمر في أوكرانيا هذه التوترات، حيث شكّل اختبارًا لمدى تماسك الناتو وكشف عن تباين الأولويات بين أعضائه. تجد الدول الأوروبية نفسها في موقف حرج، إذ تحاول الموازنة بين التزاماتها الأمنية طويلة الأمد تجاه الناتو والولاياتالمتحدة، وبين تعقيدات علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع روسيا والمجتمع الدولي الأوسع. فالاعتماد الكبير على الطاقة الروسية، والروابط التجارية العميقة، والرأي العام المحلي في العديد من الدول الأوروبية، تجعل من الصعب على هذه الدول تبني النهج الأمريكي دون تداعيات داخلية كبيرة. هذا الاختلال في ميزان العلاقة عبر الأطلسي أثار مخاوف متزايدة بشأن السيادة والاستقلال الاستراتيجي في أوروبا. بدأ العديد من القادة الأوروبيين وصناع القرار في التساؤل عما إذا كان الانسجام مع الأولويات الأمريكية يخدم المصالح الوطنية والأهداف الاستراتيجية طويلة المدى لأوروبا. ويظهر هذا بوضوح في النقاشات حول الإنفاق الدفاعي، وإعادة تشكيل سياسات الطاقة، وإعادة توجيه الاستراتيجيات لمواجهة التحديات العالمية الجديدة، بما في ذلك النفوذ الصيني المتنامي. لقد أثبت العام الأول من ولاية ترامب الثانية أن الأيام التي كان بإمكان الحلفاء فيها الاعتماد على الولاياتالمتحدة للحفاظ على النظام العالمي قد ولت. فعلى مدار ثمانين عاماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التزم كل رئيس أمريكي -باستثناء جزئي لدونالد ترامب خلال ولايته الأولى- ولو بقدر ما بالدفاع عن مجموعة من الحلفاء المقربين، وردع العدوان، ودعم حرية الملاحة والتجارة، والتمسك بالمؤسسات والقواعد والقوانين الدولية، وهو ما يتضح في أزمة غرينلاند. 1- السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت الولاياتالمتحدة دورًا محوريًا في تشكيل السياسة الأمنية الأوروبية، حيث أصبحت المهندس الرئيسي لاستراتيجيات الدفاع الغربية. الاستقلال الاقتصادي مقابل التبعية الأمنية: خلّف الدمار الذي أحدثته الحرب أوروبا في حالة من الانهيار الاقتصادي والعسكري، ما أوجد فراغًا في القوة كانت الولاياتالمتحدة في موقع فريد لملئه. وكان تأسيس منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 بمثابة حجر الأساس للأمن عبر الأطلسي، بهدف مواجهة النفوذ السوفيتي المتنامي خلال الحرب الباردة. قدمت الولاياتالمتحدة الجزء الأكبر من الموارد العسكرية والمالية لضمان الدفاع عن أوروبا الغربية ضد ما كان يُنظر إليه على أنه تهديد شيوعي. إلا أن هذا الدور القيادي الأمريكي جاء مصحوبًا بتوقع ضمني بأن تصطف الدول الأوروبية مع الاستراتيجيات الجيوسياسية لواشنطن وتحتمي بالمظلة الأمنية الأمريكية، حتى عندما كانت تتعارض مع مصالحها الوطنية أو الإقليمية. تبنت الولاياتالمتحدة استراتيجية تقوم على التعامل مع الاتحاد الأوروبي كشريك منافس، بهدف ترسيخ نفوذها في القارة. دعمت التكامل الاقتصادي الأوروبي، لكنها في الوقت ذاته حافظت على دورها كضامن للأمن الإقليمي، رغم زوال التهديد السوفياتي. هذا النهج أضعف قدرة أوروبا على اتخاذ قرارات سياسية مستقلة، وأعاق محاولات بناء قوة عسكرية موحدة أو تشكيل جيش أوروبي مشترك، رغم المطالب المتكررة بهذا الاتجاه. عمليًا، أدى ذلك إلى تبعية السياسة الخارجية والدفاعية الأوروبية للأجندة الأمريكية. ورغم أن هذا الترتيب وفر إحساسًا بالأمن والاستقرار خلال الحرب الباردة، إلا أنه قيّد قدرة أوروبا على انتهاج مسار مستقل، خاصة في القضايا التي تتباين فيها مصالحها مع واشنطن. إعادة ضبط المقاربة الأوروبية للأمن: مثّل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 لحظة تحوّل في العلاقات الأمريكية الأوروبية، إذ أتاح الفرصة أمام أوروبا لإعادة ضبط مقاربتها للأمن وعلاقتها بروسيا. ومع زوال التهديد السوفيتي المباشر، سعت العديد من الدول الأوروبية إلى تطبيع علاقاتها مع موسكو، إدراكًا منها لقربها الجغرافي، وتشابك تاريخها، وإمكانات الشراكة الاقتصادية. لكن الولاياتالمتحدة استمرت في النظر إلى روسيا من منظور المنافسة الاستراتيجية، معتبرة إياها تهديدًا محتملاً للهيمنة الغربية بدلاً من شريك في نظام عالمي جديد لما بعد الحرب الباردة. أثّر هذا التصور بشكل كبير على سياسات الناتو في العقود اللاحقة، لا سيما من خلال توسع الحلف شرقًا. فقد كان إدراج دول الكتلة الشرقية السابقة ودول البلطيق في الناتو – وهي سياسة روّجت لها واشنطن بقوة – مصدر قلق لموسكو، التي رأت في ذلك اعتداءً على مجالها الحيوي وانتهاكًا للتفاهمات غير الرسمية التي تم التوصل إليها خلال مفاوضات إعادة توحيد ألمانيا. بالنسبة لروسيا، كان هذا التوسع دليلاً على رفض الغرب استيعاب مخاوفها الأمنية، ما عزز سرديتها حول محاولات تطويقها من قبل قوى معادية. أما بالنسبة للعديد من الدول الأوروبية، فقد شكّل هذا الوضع معضلة معقدة. فمن ناحية، تتطلب التزاماتها الأمنية تجاه الناتو واعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي أن تتماشى مع سياسات واشنطن. ومن ناحية أخرى، فإن قربها الجغرافي من روسيا، والعلاقات التاريخية والاقتصادية معها، يفرضان نهجًا أكثر توازناً. واستمر هذا التوتر في الظهور من خلال النقاشات حول الاعتماد على الطاقة الروسية، والسياسات التجارية، والاستجابة المناسبة لما تسميه روسيا "عمليتها العسكرية الخاصة" في أوكرانيا. مع استمرار أوروبا في مواجهة هذه التحديات، يبرز السياق التاريخي لعلاقتها مع الولاياتالمتحدة كمحور أساسي لفهم تطورات السياسة الأمنية الأوروبية. ويظل التحدي الرئيسي هو كيفية تحقيق التوازن بين التضامن عبر الأطلسي والسعي نحو الاستقلال الاستراتيجي، وهو نقاش سيظل يشكل معالم السياسة الأوروبية ودورها في المشهد العالمي. 2-مؤشرات التوتر في العلاقات الأوروبية-الأمريكية القضايا الأمنية والدفاعية: أحد أبرز أسباب التوتر هو موقف الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه حلف الناتو والدعم العسكري لأوكرانيا. ترامب، الذي عاد إلى السلطة بشعار "أمريكا أولًا"، أعرب عن شكوكه في جدوى التزامات الولاياتالمتحدة تجاه أوروبا، بما في ذلك دعم الناتو، وهو ما أثار قلق القادة الأوروبيين الذين يعتمدون بشكل كبير على الدعم الأمريكي لمواجهة التحديات الأمنية، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا. هذا التوجه الانعزالي دفع أوروبا للتفكير في تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل مستقل، لكنها تواجه تحديات مالية ولوجستية كبيرة لتحقيق ذلك. السياسة الحمائية: يعد موضوع الرسوم الجمركية أحد التوجهات الحازمة للرئيس دونالد ترامب والتي تجسد نحو مبدأ "أمريكا أولاً" في التجارة الدولية. ومنذ عودته للبيت الأبيض دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2025، فاجأ العالم بسلسلة من القرارات التنفيذية والتصريحات الصادمة التي لم تُستثنَ منها حتى الحلفاء الأوروبيون، مما أدى إلى توتر غير مسبوق في العلاقات بين الجانبين. أحد أبرز هذه الملفات كان الملف التجاري، حيث هدد ترامب أحد أهم المسارات التجارية العالمية بفرض تعريفات جمركية عقابية، رغم أن حجم التبادل التجاري بين الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبي يصل إلى 971 مليار دولار في قطاع السلع، وأكثر من 400 مليار دولار في قطاع الخدمات، وفق أحدث البيانات. كما تبلغ الاستثمارات الأوروبية المباشرة في أميركا حوالي 3.5 تريليون دولار، في حين تصل الاستثمارات الأميركية في أوروبا إلى نحو 4 تريليونات دولار. اقتصاديًا، أدت سياسات ترامب التجارية، مثل فرض رسوم جمركية مرتفعة على الصادرات الأوروبية (تصل إلى 10% حسب بعض التقديرات)، إلى تصعيد التوترات. هذه الخطوة تهدف إلى حماية الصناعات الأمريكية، لكنها قد تؤدي إلى حرب تجارية مع أوروبا، التي تسعى بدورها للرد بإجراءات مماثلة أو تعزيز قدرتها التنافسية عبر استراتيجيات اقتصادية جديدة. العلاقات التجارية، التي كانت ركيزة أساسية للتحالف بين الطرفين، أصبحت الآن نقطة خلاف رئيسية. معضلة بناء سياسة أمنية أوروبية مستقلة: سلَّطت الحرب الروسية الأوكرانية الضوء على الاختلافات في الأولويات الاستراتيجية داخل التحالف. فبينما ترى دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا ودول البلطيق، الصراع على أنه تهديد وجودي وكانت من أكثر المؤيدين لرد قوي من الناتو، اتجهت دول أخرى مثل المجر وسلوفاكيا والنمسا وألمانيا أحيانًا إلى الدفع نحو جهود دبلوماسية لتهدئة الصراع، وهو ما يعكس تفضيلها التقليدي للتعامل مع موسكو ومخاوفها من مخاطر المواجهة طويلة الأمد. خلال زيارته إلى البرتغال يوم الجمعة 28 فبراير 2025، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الولاياتالمتحدة تمر بتحولات جوهرية، مشددًا على أهمية الحفاظ على التحالف مع أوروبا. وأوضح أن هذا التقارب ضروري لتجنب تفاقم الانقسامات في مرحلة تتسم بعدم اليقين، مؤكدًا أن القرارات الصادرة عن الإدارة الأمريكية الحالية تساهم في تعزيز الضبابية على المستويين الجيوسياسي والاقتصادي، في إشارة ضمنية إلى تهديدات الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على دول الاتحاد الأوروبي. في هذا السياق، دعا ماكرون الدول الأوروبية إلى تقليل اعتمادها على واشنطن وعدم الرضوخ لضغوطها، مشيرًا إلى وجود تيار يدعو إلى تبني نهج أكثر تساهلًا تجاه الولاياتالمتحدة، وهو ما اعتبره أمرًا يتعارض مع المصالح الاستراتيجية لأوروبا. وشدد على ضرورة الدفاع عن المصالح الأوروبية والهوية القارية، مؤكدًا أهمية التمسك بالمبادئ والتاريخ الأوروبي، واتخاذ موقف حازم وثابت يعزز استقلالية القرار الأوروبي على الساحة الدولية. كما أن دولًا مثل المجر وسلوفاكيا والنمسا وألمانيا لا تزال تدعو إلى الحوار مع موسكو، إدراكًا منها أن المواجهة المطولة مع روسيا قد تكون لها عواقب وخيمة على الأمن والاستقرار الأوروبي. توضح هذه الانقسامات التحدي الأوسع الذي يواجه التحالف عبر الأطلسي: كيفية الحفاظ على الوحدة في ظل تباين المصالح الوطنية ومستويات التعرض للصراع. وبينما تواصل الولاياتالمتحدة الدعوة إلى نهج حازم، فإن الحقائق الاقتصادية والسياسية في أوروبا تجعل من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على استراتيجية موحدة. وهكذا، فإن الصراع المستمر في أوكرانيا يمثل اختبارًا لمرونة الناتو، ويكشف في الوقت نفسه عن التعقيدات المتأصلة في العلاقة الأمريكية-الأوروبية. على صعيد أوكرانيا، يرى الأوروبيون أن الولاياتالمتحدة قد تتخلى تدريجيًا عن دعم كييف، خاصة مع تقارير عن مفاوضات أمريكية-روسية قد تستثني أوروبا من عملية اتخاذ القرار. هذا الشعور بالإقصاء زاد من إحباط القادة الأوروبيين، الذين تضررت اقتصاداتهم بسبب الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، بينما يشعرون بأن واشنطن تضعهم في موقف ضعيف. ضعف الانفاق العسكري الأوروبي: يواجه اقتراح الاتحاد الأوروبي لتعزيز التمويل المشترك للدفاع معارضة من الدول المحافظة مالياً، مما يثير تساؤلات حول جدوى التوسع السريع في القدرات الصناعية للقارة. تسعى معظم الدول الأعضاء إلى تعزيز الدفاع الأوروبي وتقليل الاعتماد على الولاياتالمتحدة، لكن تبرز خلافات حول دور المفوضية الأوروبية في إدارة الصناديق المشتركة الجديدة المخصصة للدفاع. تعكس هذه التحفظات صعوبة توسيع القدرات العسكرية لأوروبا في ظل الضغوط المالية العامة والانقسامات حول مزايا تمكين بروكسل في مجال السياسة الدفاعية. وتكشف دراسة استراتيجية أعدها ماريو دراجي -رئيس الوزراء الإيطالي السابق ورئيس البنك المركزي الأوروبي الأسبق- حول تنافسية الاقتصاد الأوروبي، عن ديناميكيات سوق الدفاع الأوروبي. ففي الفترة ما بين منتصف عام 2022 ومنتصف عام 2023، سيطرت الشركات الأمريكية على 63% من إجمالي طلبيات الدفاع الأوروبية، في حين حصل موردون غير أوروبيين آخرون على 15% إضافية، مما يعني أن الصناعات الدفاعية الأوروبية لم تستحوذ سوى على 22% من الإنفاق العسكري الإجمالي للقارة. وفي ظل هذه الأوضاع، تقود بولندا ودول البلطيق مبادرة طموحة تهدف إلى تعزيز الإنفاق العسكري الأوروبي، حيث تدعو إلى تخصيص ما لا يقل عن 100 مليار يورو لأغراض الدفاع بحلول عام 2027. كما تشير تقارير إعلامية إلى أن دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة لا تنفق إلا أقل من 200 مليار يورو (228 مليار دولار) سنويا على الدفاع مقارنة مع 700 مليار دولار تنفقها الولاياتالمتحدة سنويا في هذا المجال. من جهته صرّح وزير الدفاع البولندي، " فواديسواف كوسينياك-كاميش"، بتفاصيل مهمة حول الإنفاق العسكري لبلاده، مشيرًا إلى أن وارسو قد خصصت ما يقارب 60 مليار دولار لشراء المعدات العسكرية من الولاياتالمتحدة وحدها، بالإضافة إلى مليارات أخرى تم إنفاقها على الأسلحة المُورَّدة من كوريا الجنوبية. ويُبرز هذا التوجه البولندي نمطًا إقليميًا أوسع في منطقة أوروبا الشرقية، حيث تُولي الدول القريبة جغرافيًا من روسيا أولوية لتعزيز قدراتها الدفاعية من خلال الاعتماد على الأسلحة الجاهزة، وذلك في إطار استراتيجية تهدف إلى مواجهة التحديات الأمنية المحتملة القادمة من الكرملين. وتتجاوز هذه الطموحات الحدود المباشرة، إذ أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى إمكانية استثمار 500 مليار يورو إضافية على مدى العقد القادم، مما يعكس رؤية استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز القدرات الدفاعية في أوروبا. وتعتزم رئيسة المفوضية الأوروبية أيضا تسهيل استخدام البنك الأوروبي للاستثمار لتمويل مشاريع الدفاع وحشد المزيد من الجهات في القطاع الخاص لتمويل المشاريع الدفاعية في أوروبا. وتبدي البنوك ترددا في الانخراط في مشاريع استثمارية عسكرية، حتى لا تخاطر بتقييماتها الائتمانية من الوكالات المالية. تعليق المساعدات العسكرية لأوكرانيا: كشف تعليق المساعدة الأمريكية أيضا عن الانقسامات داخل التحالف الأطلسي. نائب الرئيس الأمريكي، جي. دي. فانس"، انتقد فكرة إرسال قوات أوروبية إلى أوكرانيا، وسخر من حقيقة أن بعض الدول الأوروبية حيث قال: "لم تخض (أوربا) حربا منذ 30 أو 40 عاما". أثارت هذه الملاحظة استياء في فرنسا والمملكة المتحدة، حيث تم التذكير بضرورة احترام قدامى المحاربين والتضامن في مواجهة العدوان الروسي. ورغم تعليق المساعدة الأمريكية، تُظهر أوكرانيا تصميما لا يتزعزع. حيث أعاد فولوديمير زيلينسكي التأكيد على رغبته في مواصلة التعاون مع الولاياتالمتحدة، مع الإشادة بجهود ألمانيا، المزود الرئيسي لأنظمة الدفاع الجوي. يمثل تعليق المساعدة العسكرية الأمريكية لأوكرانيا منعطفا لأوروبا، التي تُجبر على إعادة التفكير في مكانتها في العالم وعلاقتها مع الولاياتالمتحدة. بينما تبدو أسس النظام الدولي الذي تأسس عام 1945 آخذة في الانهيار، يجب على أوروبا أن تعيد اختراع نفسها كقوة مستقلة ومتضامنة. خطة إعادة التسليح الأوروبية والدعوات إلى مزيد من التماسك الاستراتيجي هي خطوات أولى، لكن الطريق نحو استقلالية حقيقية لا يزال طويلا ومليئا بالتحديات. في هذا السياق، تجسد أوكرانيا التحديات والآمال معا لأوروبا في سعيها لتحديد مصيرها. ملف غرينلاند وأزمة التحالف الضامن: كشفت الأحداث الأخيرة المرتبطة بتهديدات الرئيس ترامب حول غرينلاند عن هشاشة المظلة السيادية على الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي في ظل تهديدات الخصوم. فالضعف لا ينبع من الإطار القانوني ذاته، بل من عجزه عن الردع حين يكون مصدر التهديد هو الطرف الأقوى داخل التحالف. حالة غرينلاند تثبت أن السيادة المركبة، بغياب إرادة تحالفية صلبة تدعمها، تتحول من درع واقٍ إلى ثغرة يسهل استغلالها وإعادة صياغتها بمنطق القوة. فقد أثارت التهديدات الأمريكية باحتمالية العمل العسكري لضم غرينلاند مخاوف من انهيار منظومة الأمن الجماعي التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. وقد عبرت القوى الأوروبية الكبرى (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بولندا، إسبانيا، وبريطانيا) عن دعمها الصريح للدنمارك، مؤكدة على ضرورة حماية أمن القطب الشمالي عبر القنوات الدبلوماسية والتعاون المشترك، بعيداً عن أحادية القطبية أو التهديد بالضم، معتبرة الجزيرة إياها محمية بموجب المادة الخامسة من ميثاق التضامن لحلف شمال الأطلسي. ولا تستبعد بروكسيل استخدام الورقة الاقتصادية لشد الحبل مع إدارة الرئيس ترمب، وفرض عقوبات ضريبية على شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة مثل "مايكروسوفت" و"أبل" و"إنتل" و"أمازون" و"غوغل" وغيرها، واستبعاد الشركات الأميركية من عقود العمل، في المشاريع التي يمولها الاتحاد الأوروبي، للضغط على الإدارة الأميركية وتحريك الكونغرس ضدها. 3-تداعيات التصدع في العلاقات عبر الأطلسي التوترات بين الولاياتالمتحدة وأوروبا تؤثر على السياسة الدولية بعدة طرق، منها: إضعاف التحالفات التقليدية: يشهد الاعتماد المتبادل بين الولاياتالمتحدة وأوروبا في المجالات الدفاعية والسياسية تراجعًا ملحوظًا، مما يُفضي إلى إعادة صياغة التحالفات القائمة وظهور تكتلات جديدة قد تفتقر إلى المتانة ذاتها التي كانت تتمتع بها التحالفات السابقة. ومع تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، يتزايد عدم الاستقرار على الساحة الدولية، الأمر الذي يرفع من مخاطر نشوب الصراعات وتفاقم التوترات الإقليمية. من المرجح أن تواجه أوروبا معادلة صعبة: فهي ترغب في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في القطب الشمالي، ومنع أي استفراد أمريكي بغرينلاند، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تحدي واشنطن مباشرة دون المساس بوحدة الناتو واستقرار التحالف. هذا الوضع قد يفرض على أوروبا اعتماد أدوات سياسية غير تقليدية، مثل: تعزيز التنسيق الأوروبي الأطلسي، التفاوض على ترتيبات أمنية مشتركة، أو إنشاء آليات رمزية للوجود العسكري والحماية المدنية، بدل السعي إلى نشر قوات واسعة أو فرض نفوذ فعلي على الأرض. تهميش أوروبا في المفاوضات حول أوكرانيا: في سياق التعامل الأمريكي مع الحرب في أوكرانيا، تبرز مخاطر تتمثل في إمكانية نفور الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين، مما قد يُقوّض الوحدة التي تسعى واشنطن تعزيزها ضمن حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ومن خلال ممارسة الضغط على أوروبا لتبني سياسات تتماشى مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية على حساب مصالحها الذاتية، تعرض الولاياتالمتحدة علاقاتها مع حلفائها لمخاطر التوتر. ويُضاف إلى ذلك أن الانطباع المتزايد بأن واشنطن تستخدم أوروبا كأداة لتحقيق أهدافها الجيوسياسية، لا سيما في مواجهة روسيا، قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة المتبادلة بين الدول الأوروبية. يتجلى التقارب الأمريكي-الروسي في مفاوضات أوكرانيا بشكل يعكس تهميشاً واضحاً لأوروبا، حيث تتجاهل السياسة الأمريكية دور القارة العجوز كشريك أساسي، رغم الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تتحملها دول الاتحاد الأوروبي لدعم كييف. وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لتحقيق مكاسب اقتصادية وتأمين صفقات الموارد، تظهر أوروبا ككيان فقد زمام المبادرة، محصورة في دور المتابع السلبي لقرارات تُتخذ دون التشاور معها. وقد أثارت المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين موجة من القلق والحذر داخل الأوساط الأوروبية، وسط مخاوف من احتمال التوصل إلى اتفاق "مشبوه" يمنح موسكو تنازلات على حساب مصالح أوكرانيا، دون إشراك أوروبا في العملية التفاوضية. ويسعى الزعماء الأوروبيون جاهدين ضمان عدم تهميشهم في أي اتفاق محتمل، وأصدرت ست دول أوروبية كبرى، بما في ذلك فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، بيانًا مشتركًا شددت فيه على ضرورة أن تكون أوروبا وأوكرانيا جزءًا من أي مفاوضات مستقبلية. شلل مؤسسات الاتحاد الأوروبي: ستواجه القارة الأوروبية في حال ضم الجزيرة حالة من الشلل الاستراتيجي نتيجة تضافر عوامل التجزئة السياسية، والارتهان الرقمي، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، مما يقوض قدرتها على المقاومة السيادية. وفي ظل مشهد عالمي تهيمن عليه المنصات العابرة للحدود وتآكل أطر القانون الدولي، تبرز إشكالية "السيادة المحدودة" التي باتت تمتلكها أوروبا فعلياً. وتؤكد هذه المعطيات أن النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد ثابتاً مستقراً؛ إذ أصبحت المرونة الاستراتيجية لا تعتمد على النوايا السياسية فحسب، بل على الجاهزية الهيكلية والقدرة على العمل المتسق تحت وطأة الضغوط. إن الاستشراف في هذا المناخ المتذبذب لا يقدم حلولاً قطعية، بل يفرض مواجهة السيناريوهات الحرجة قبل تحولها إلى واقع حتمي، مما يجعل المرونة ممارسة منضبطة في التفكير الاستراتيجي المتعدد المسارات بدلاً من مجرد خطط ثابتة. في استراتيجيتها الدفاعية الجديدة، تطالب واشنطن أوروبا بأن «تقلع شوكها بيدها»، وأن تتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها الخاص في مواجهة التهديدات التي تواجهها، لكن بالمقابل، تحاول قوى نافذة في الاتحاد الأوروبي الدفع باتجاه إعادة تقييم العلاقة مع واشنطن، واعتماد نهج «استقلالي» عنها، بل ودعا البعض إلى إقامة نظام دولي جديد، الأمر الذي يتلاقى مع مساعي روسيا والصين وحلفائهما. 4- طموحات الاتحاد الأوروبي لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي لتحقيق استقلال أمني استراتيجي، تحتاج أوروبا إلى اتخاذ خطوات جادة على عدة مستويات: هندسة أمنية دفاعية أوروبية مستقلة: برزت الحاجة الملحة لتعزيز القدرات الدفاعية لأوروبا منذ بداية الأزمة الأوكرانية في فبراير 2022. ودفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ خطوات حاسمة نحو تحويل صناعة الأسلحة الأوروبية إلى "اقتصاد حرب". وقد كشفت الحرب عن نقاط ضعف في القدرات الدفاعية الأوروبية، حيث اعتمدت دول الاتحاد بشكل كبير على واردات الأسلحة من الولاياتالمتحدة الأمريكية. أدت التوترات المتزايدة مع روسيا، بالإضافة إلى ظهور قوى عسكرية جديدة، إلى زيادة الشعور بالحاجة إلى الاستقلالية الدفاعية وفي هذا الصدد، وضعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، استراتيجية شاملة لقطاع الدفاع الأوروبي، تدعم فكرة الشراء المشترك بين دول الاتحاد الأوروبي، حيث تقدم بروكسل دعماً للأسلحة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى، وتلعب دور الضامن لمستويات محددة من الإنتاج.وتتضمن هذه الاستراتيجية، التي سيتم الكشف عنها لاحقاً خلال هذا الأسبوع، إنشاء صندوق جديد لمساندة الشركات الدفاعية الصغيرة من خلال تقديم قروض أو استثمارات في الأسهم. كما أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التزام الاتحاد الأوروبي بدعم أوكرانيا وتعزيز الدفاع الأوروبي وإعادة تسليح الاتحاد الأوروبي على وجه السرعة وزيادة الإنفاق الدفاعي لمواجهة التحديات الجيوسياسية الجديدة. وقالت إن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى "طفرة" في الإنفاق العسكري تتناسب مع الوضع الأمني الحالي، مشددة على ضرورة أن يكون الاتحاد أكثر استعدادًا لمواجهة التهديدات المحتملة. يقترح الاتحاد الأوروبي تحديد مجموعة من المشاريع الاستراتيجية الرئيسية، تشمل تطوير درع سيبراني متقدم، وإنشاء نظام دفاع جوي وصاروخي أوروبي مدمج، إلى جانب تعزيز قدرات الاستشعار الفضائي التي تمكن الكتلة من رصد التهديدات المحتملة وتحليلها والتصدي لها، بالإضافة إلى توفير بنية تحتية حيوية لأغراض الحماية. وفي سبيل تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، تقترح الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي إدخال أداة قانونية مبتكرة تُعرف ب"برنامج التسلح الأوروبي"، والذي يهدف إلى توحيد إجراءات الشراء وتبسيطها، وتوسيع فرص التمويل من خلال آليات مثل الإعفاءات الضريبية، فضلاً عن تمكين الدول الأعضاء من استخدام الاتحاد الأوروبي ككفيل لإصدار السندات المالية. ويبدو أن هناك تفاءل بشأن قدرة معسكر القارة على تحقيق الاستقلال الدفاعي في غضون سنوات قليلة، ولقيت النغمة الاستقلالية تجد تشجيعاً وصدى في منطقة الشمال الأوروبي وبعض شرقها، بينما تبدي أخرى، بعيدة جغرافياً عن روسيا، تشككاً في الأمر مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان جنوباً. وقد دعا رئيس ليتوانيا، غيتاناس نوسيدا، فقد لخص الموقف بقوله: "علينا تسليح أنفسنا، وإلا سنكون الضحايا التاليين للعدوان الروسي"، بينما يؤمن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن التسلّح يتطلب "قروضاً مشتركة" لتحقيق الاكتفاء العسكري الذاتي. في حين أعرب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن معارضته الشديدة لاستخدام مصطلح "إعادة التسلح" في سياق الاتحاد الأوروبي. وأكد أن الاتحاد الأوروبي يقوم على أسس سياسية ويعتمد بشكل رئيسي على القوة الناعمة، مفضلا مفهوم الدفاع "تحت مظلة أوسع بكثير من التسلح، ألا وهي الأمن". وأشار إلى ضرورة أن يدرك الاتحاد الأوروبي أن "التحديات التي نواجهها في المنطقة الجنوبية تختلف قليلاً عن تلك التي تواجهها المنطقة الشرقية". كما دعا إلى توسيع نطاق الدفاع المشترك ليشمل جوانب أخرى مثل الهجمات السيبرانية والإرهاب والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى الآثار المترتبة على تغير المناخ. "تحالف الراغبين".. بديل لحلف الناتو: يُعد الدعم المالي والعسكري الأمريكي ركيزة أساسية لاستدامة حلف شمال الأطلسي . وأي تقليص لهذا الدعم من شأنه أن يُضعف بشكل كبير القدرات الدفاعية للحلف. في ظل التردد الأوروبي المستمر في زيادة الإنفاق الدفاعي، يزداد الاعتماد على الوجود العسكري الأمريكي، بل وتتنامى الحاجة إلى تعزيزه. وقد أكد تقرير حديث صادر عن معهد الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الحرب الأمريكية أن الأمن الأوروبي لا يزال يعتمد اعتمادًا جوهريًا على القيادة والقدرات العسكرية الأمريكية، مما يضع القارة في مواجهة ضرورة إعادة تقييم سياساتها الدفاعية والاستراتيجية. وقد دعا الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في وقت سابق، الدول الأوروبية إلى زيادة مساهماتها المالية في الحلف، مقترحًا رفعها إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن العديد من الدول الأعضاء لا تزال دون الهدف الحالي البالغ 2%. وفي حال تقليص الدعم الأمريكي، ستكون الدول الأوروبية ملزمة بزيادة إنفاقها الدفاعي لتعويض هذا النقص. كما أن إضعاف حلف الناتو قد يشجع روسيا على اتخاذ إجراءات أكثر جرأة تجاه أوكرانيا ودول أوروبا الشرقية. في هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز التعاون الأمني والدفاعي داخل الاتحاد الأوروبي من خلال "السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة" (CSDP). كما يُعد تطوير منظومات ردع مستقلة، مثل الدرع الصاروخي الأوروبي، ضرورة استراتيجية للحد من الاعتماد على الولاياتالمتحدة. وقد استضافت لندن قمة أوروبية بمشاركة كندا يوم الأحد 02 مارس 2025 لبحث ضمانات أمنية جديدة لأوكرانيا في ظل المخاوف من تراجع واشنطن عن دعم حلفائها، والتي تفاقمت بعد مشادة الجمعة الماضي بين الرئيسين الأوكراني والأميركي. ووقعت لندن وكييف اتفاق قرض بقيمة 2.26 مليار جنيه إسترليني لدعم قدرات أوكرانيا الدفاعية، وهو مبلغ سيجري سداده من أرباح الأصول الروسية المجمدة. وشملت قائمة الحاضرين قادة كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا والنرويج والدنمارك وفنلندا والسويد وبولندا ورومانيا وجمهورية التشيك، إلى جانب وزير الخارجية التركي. كما شاركت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته. تأتي هذه التحركات بعد أن أبدت العواصم الأوروبية قلقها المتزايد من إشارات تقارب بين واشنطن وموسكو، وهو ما يهدد وحدتهم الدبلوماسية في دعم أوكرانيا. وتسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز استقلالها العسكري في حال تقلص الدور الأميركي مستقبلاً، مع تصاعد الدعوات لإنشاء جيش أوروبي أكثر قوة وكفاءة. في سياق الجهود الغربية المستمرة لدعم أوكرانيا في مواجهة التحديات الأمنية، طرحت كل من فرنسا والمملكة المتحدة مقترحًا لتشكيل "تحالف الراغبين"، يهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية والمساهمة في أي خطة سلام مستقبلية. وقد وصف رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، هذا التحالف بأنه تجمع للدول "المستعدة لتقديم دعم عسكري مباشر لأوكرانيا، من خلال قوات برية وجوية، والتعاون مع الشركاء الدوليين". ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف طبيعة المهمة العسكرية المحتملة للقوات الغربية في أوكرانيا، مما يثير تساؤلات استراتيجية حول نطاق وأهداف وسيناريوهات هذا التدخل. فبينما يهدف أحد السيناريوهات إلى نشر قوات في غرب أوكرانيا لتخفيف الضغط على الجيش الأوكراني وتمكينه من تركيز وحداته على الجبهة، يطرح سيناريو آخر فكرة نشر قوات حفظ سلام، وهو ما يتطلب تمركزًا للقوات على خطوط التماس لمنع استمرار القتال، ويختلف جوهريًا عن مفهوم التدخل العسكري التقليدي. دفعت المخاوف من روسيا غالبية قادة الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماعاتهم في بروكسل يوم الخميس 20 مارس 2025، إلى التأكيد على ضرورة تعزيز الاستعدادات الدفاعية لأوروبا بشكل كبير خلال السنوات الخمس المقبلة. ووفقًا لخطة "الاستعداد 2030"، التي أعلنتها فون ديرلاين، فإن أوروبا "إذا أرادت تجنّب الحرب، فعليها الاستعداد لها". كما أن التوتر في العلاقات بين الأوروبيين وواشنطن، بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إلى جانب القلق من التهديدات الروسية، يدفع الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز صناعة الدفاع والتسليح الأوروبية. تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة والتكنولوجيا: كانت العواقب الاقتصادية للعقوبات المفروضة على روسيا قاسية بشكل خاص على أوروبا، التي تحملت الجزء الأكبر من التداعيات. فقد ارتفعت أسعار الطاقة بشكل كبير، مما فاقم معدلات التضخم ووضع ضغوطًا هائلة على الاقتصادات الأوروبية. على سبيل المثال، وجدت ألمانيا، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي الروسي، نفسها أمام تحدٍّ مزدوج يتمثل في العثور على مصادر بديلة للطاقة والانتقال المتسارع إلى الطاقة المتجددة، وهي عملية باهظة التكلفة أثَّرت على الصناعات والأسر وأثارت تساؤلات حول استدامة سياستها الحالية في مجال الطاقة. في الوقت نفسه، أعربت دول أوروبية أخرى عن مخاوفها بشأن التوزيع غير المتكافئ للأعباء المرتبطة بالصراع. فقد تساءلت دول جنوب أوروبا، مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، عن مدى تناسب مساهماتها في العقوبات والمساعدات العسكرية، حيث إنها أقل تعرضًا للخطر الروسي المباشر. وبالنسبة لهذه الدول، فإن العواقب الاقتصادية للصراع—مثل ارتفاع تكاليف الطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، والتضخم—باتت ملموسة بشكل حاد، ما أدى إلى تزايد الشكوك حول الفوائد طويلة المدى لمشاركتها في التصعيد. وبالتالي فإنه يتعين على الدول الأوروبية، تقليل الاعتماد على الولاياتالمتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا المتقدمة، والاتصالات والاستثمار في أمن الطاقة لتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين مثل روسياوالولاياتالمتحدة. تنويع التحالفات الدولية: أوروبا في حاجة إلى تخفيف التبعية للولايات المتحدة الأمريكية عبر تعزيز الشراكات الأمنية مع قوى أخرى مثل الهند، اليابان، وأستراليا لموازنة النفوذ الأمريكي. وزيادة التعاون العسكري والاستخباراتي بين الدول الأوروبية بشكل مباشر دون الحاجة إلى وساطة أمريكية. قد يؤدي انسحاب الدرع الأميركي من أوروبا إلى تصدع التحالف الغربي، مما قد يثير خلافات بين الدول الأوروبية بشأن سبل مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة. ويأتي ذلك في ظل غياب الجاهزية الدفاعية والقدرة الكافية على احتواء المخاطر، التي تهدد البنية الأمنية الغربية. في ظل هذا الواقع، قد تجد بعض الدول الأوروبية نفسها مضطرة إلى تعزيز علاقاتها مع قوى أخرى، مثل الصين، لضمان أمنها القومي. في الوقت نفسه، قد يُنظر إلى الولاياتالمتحدة على أنها شريك غير موثوق، مما سيؤثر سلباً على نفوذها العالمي. أزمة غرينلاند.. والبحث عن السيادة الأوروبية أدت التوجهات المتشددة في السياسة الخارجية لواشنطن إلى بروز ردود فعل متباينة لدى الحلفاء الأوروبيين، فسياسات الإكراه أو ما يوصف ب "الدبلوماسية القسرية" قد تحقق مكاسب تكتيكية آنية، إلا أنها تُقوض الاستقرار الاستراتيجي طويل الأمد عبر تحفيز الحلفاء على تبني سياسات "التحوط" (Hedging) وتقليل الاعتماد الهيكلي على الولاياتالمتحدة، والبحث عن أطر تحالفية بديلة. تشير أزمة غرينلاند والتهديد بالرسوم الجمركية إلى اعتماد واشنطن على "الإكراه" لتحقيق مكاسب تكتيكية. كما أن هذا الأسلوب يحقق "تنازلات قصيرة الأمد" لكنه يدمر "رأس المال الثقافي والسياسي" للولايات المتحدة لدى حلفائها، مما يحول العلاقة من "شراكة اختيارية" إلى "تبعية قسرية" تسعى الدول للتحرر منها. وفي سياق متصل، عكس التفاعل الإيجابي الواسع في "منتدى دافوس" مع دعوة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لإعادة صياغة "نظام عالمي جديد"، رغبة دولية متنامية في تجاوز الصيغ التقليدية للهيمنة. ومن منظور تاريخي وتحليلي، فأن القوى المهيمنة تواجه غالباً تحديات وجودية ناتجة عن "المقاومة الهيكلية" التي تولدها سياساتها؛ إذ تؤدي العلاقات الدولية غير المتكافئة إلى تراكم ضغوط سياسية وجيواستراتيجية تُفضي في نهاية المطاف إلى تقويض نفوذ القوة المهيمنة من الداخل ومن قِبل منظومة حلفائها. أظهرت أزمة غرينلاند في عام 2026 أن سياسة 'التنمر الجيوسياسي' لم تعد قادرة على فرض الامتثال المطلق، بل أصبحت المحفز الأساسي لنشوء أقطاب دولية جديدة تسعى للاستقلال عن المركز الأمريكي. كما أن تصريحات أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا حول الدفاع عن المصالح الأوروبية خلال منتدى دافوس، ليست مجرد رد فعل على أزمة، بل هي إعلان عن تحول هيكلي. فالتصفيق الحار لمارك كارني (الوزير الأول الكندي) في دافوس عند دعوته لنظام جديد يعكس "إجماعاً ضمنياً" بين القوى المتوسطة (كندا، الاتحاد الأوروبي) على أن النظام الدولي القائم على القطبية الواحدة لم يعد يخدم الاستقرار العالمي. كما أعلن الاتحاد الأوروبي والهند، الثلاثاء 27 يناير 2026، إبرام "اتفاق تاريخي" للتجارة الحرة، في خطوة تُمهّد لخفض الرسوم الجمركية على سلع رئيسية، وتفتح مجالات تعاون أوسع، في الوقت الذي يسعى فيه الجانبان إلى التحوّط ضد "علاقات متقلبة" مع واشنطن، ومواجهة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويعكس هذا الاتفاق، التغيّر السريع في التحالفات العالمية في عهد ترمب، فبالرغم الخلافات الطويلة مع المسؤولين الهنود بشأن القضايا التجارية، يركز الاتحاد الأوروبي الآن على التخلص من اعتماده الاقتصادي على الولاياتالمتحدة والصين. ووفقًا لبرقية دبلوماسية أصدرتها السفارة الأمريكية في بكين بتاريخ 21 يناير 2026، اعتبرت الحكومة الصينية تحركات الرئيس ترامب المتعلقة بغرينلاند فرصة استراتيجية محتملة للاستفادة من التباعد المتزايد بين أوروبا والولاياتالمتحدة. وقد أفاد الدبلوماسيون الأمريكيون في البرقية أن هذا التطور "يوفر للصين فرصة سانحة للاستفادة من سياسة التحوط الأوروبية"، مشيرين إلى أنه قد يسهم في "تضخيم التوترات عبر الأطلسي". ويعزز هذا التقييم تحليلات صادرة عن وسائل إعلام وخبراء مرتبطين بالحزب الشيوعي الصيني الحاكم، والتي رصدت فيها بكين إمكانية تعزيز نفوذها الجيوسياسي نتيجة للانقسامات داخل الحلف الأطلسي. ختاما، يحتاج التحالف عبر الأطلسي إلى إعادة التوازن ليعكس مصالح أوروبا بقدر ما يعكس المصالح الأمريكية. فبدلاً من فرض نهج موحد، يجب أن تتاح للدول الأوروبية مساحة كافية لتطوير استراتيجيات تتماشى مع مصالحها الوطنية وأوضاعها الاقتصادية. ومن الضروري أن تستمع واشنطن إلى حلفائها الأوروبيين، وتأخذ بعين الاعتبار تنوع وجهات نظرهم، وتسمح لهم بلعب دور أكثر استقلالية في تشكيل استراتيجيات الأمن والسياسة الخارجية الخاصة بهم. في المقابل، هناك من يرى أن هذا التوتر قد يكون فرصة لأوروبا للظهور كلاعب مستقل على الساحة الدولية، لكن ذلك يتطلب توحيدًا سياسيًا وعسكريًا قد لا يكون متاحًا في الوقت الحالي بسبب الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي. باختصار، العلاقات الأوروبية-الأمريكية تمر باختبار حقيقي، وقد تحدد السنوات القادمة ما إذا كانت ستتجه نحو الانفصال أو إعادة تشكيل تحالف جديد على أسس مختلفة. في النهاية، سيظل التحالف بين أوروبا والولاياتالمتحدة ركيزة أساسية للأمن العالمي، لكن الحفاظ على قوته وفعاليته في القرن الحادي والعشرين يتطلب نموذجًا أكثر توازنًا واحترامًا متبادلًا بين الطرفين. أستاذ العلاقات الدولية -جامعة محمد الأول- وجدة الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة