الحلقة السادسة: صندوق التنمية القروية والجبلية قرر موقع "برلمان.كوم" فتح ملفات المؤسسات التي شكلت موضوع انتقادات عامة في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وذلك إيمانا منا بدور الإعلام في الإخبار والتعريف، والمساهة في التصحيح والمعالجة، واستنهاض الذاكرة العامة كي لا تصبح تقارير المجلس الأعلى للحسابات مجرد وثائق يتم نشرها ثم توجيهها إلى رفوف الأرشيف. ومن بين هذه المؤسسات صندوق التنمية القروية والجبلية. أُحدث صندوق التنمية القروية والجبلية بموجب قانون المالية لسنة 1994، كما تم تعديله وتتميمه بقوانين المالية لسنوات 2000 و2012 و2013 و2015. وقد تم إحداث الصندوق من أجل ضبط حسابات البرامج المندمجة للتنمية القروية، كما أنيطت به ابتداء من سنة 2012 مهمة التكفل بالبرامج المندمجة لتنمية المناطق الجبلية. وقد أسندت مسؤولية الآمر بالصرف إلى رئيس الحكومة منذ إحداث الصندوق، ثم إلى الوزير المكلف بالفلاحة والصيد البحري بموجب قانون المالية لسنة 2016. وفيما يتعلق بعدد الآمرين بالصرف المساعدين فقد ارتفع بعد ذلك ليصل خلال سنة 2015 إلى 178، موزعين على الشكل التالي: 65 آمرا بالصرف تابعا للوزارة المكلفة بالفلاحة والصيد البحري، و18 تابعا للوزارة المكلفة بالتعمير وإعداد التراب، و83 واليا وعاملا، و12 مديرا لمؤسسات عمومية. وقد أعيد النظر في مفهوم التنمية القروية ابتداء من سنة 2007، وذلك في إطار مقاربة جديدة لتنمية وإعداد التراب الوطني؛ والتي تروم بالإضافة إلى الجانب الفلاحي، إدخال الأبعاد المتعلقة بتعزيز البنيات التحتية وتحسين الدخل والتنمية البشرية إلى مفهوم التنمية. وتستعمل موارد الصندوق في الوقت الحالي من أجل تنفيذ برامج وأنشطة التنمية القروية، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياحية في مختلف جهات وأقاليم المملكة، كما هو الشأن بالنسبة للمشاريع المرتبطة بفك العزلة والري، وإعداد المجال الفلاحي، وتنمية الفلاحة التضامنية، ودعم برنامج محاربة آثار الجفاف، وتأهيل المراكز القروية، ودعم الأنشطة المدرة للدخل. وكشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2015، عن تسجيل مجموعة من الملاحظات تتعلق بتدبير موارد صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية. مؤكدا أنه وفي غياب استراتيجية محددة بدقة، تم استخدام الصندوق خلال الخمسة عشر سنة السالفة بطريقة ظرفية في مواجهة الطوارئ، أو من أجل مواكبة المقاربات المعتمدة من قبل مختلف القطاعات في مجال التنمية القروية. ففي الوقت الذي تم فيه تدبير صندوق التنمية القروية من طرف هيئات مكلفة بالتنمية القروية تابعة لوزارتي الفلاحة والتعمير وإعداد التراب الوطني. فإن هذه الهيئات اعتمدت مقاربات مختلفة في تداول ملف التنمية القروية، كما عرفت تغييرات متكررة على مستوى هيكلتها، مما أثر سلبيا على نجاعة وفعالية تدبير الصندوق، لاسيما من حيث تحقيق الأهداف المتوخاة من وراء إنشائه. وذلك بالرغم من إحداث لجنة جديدة بين-وزارية لتنمية المجال القروي والمناطق الجبلية سنة 2013. كما سجل تقرير المجلس وجود فصل تام في التخطيط المتعلق بالبرامج الممولة من طرف الصندوق، بين قطاعي الفلاحة وإعداد التراب الوطني، حيث يقوم كل قطاع على حدة بوضع مخططات العمل المتعلقة به وإرسالها إلى رئيس الحكومة، الذي يرسلها بدوره إلى مديرية الميزانية بوزارة المالية. ويتم عقد اجتماعات عمل مع قطاع إعداد التراب ومع القطاع المكلف بالتنمية الفلاحية، كل على حدة، من أجل إتمام بلورة هذه المخططات دون أدنى تنسيق بين القطاعين. ووقف التقرير على تداخل الاختصاصات بين القطاعين على مستوى إنجاز العديد من المشاريع والمخططات، لاسيما بالنسبة لوزارة إعداد التراب الوطني التي ساهمت في تمويل مجموعة من العمليات التي تدخل في اختصاص قطاع الفلاحة، كما هو الشأن، على سبيل المثال ب”مخطط التنمية لسلسلة الجمال لجهة العيون بوجدور الساقية الحمراء”، و”مشروع التحسيس بأهمية إحداث تجمعات لانتقاء قطعان الصردي”، و”مخطط تثمين وتحويل الصبار بالجماعة القروية أوالد كواش بخريبكة”. واستنتج تقرير المجلس الأعلى للحسابات، أن إحداث صندوق التنمية القروية والجبلية، تم دون تحديد الأدوات الكفيلة بحسن تدبيره، لاسيما ما يتعلق بالحكامة والتتبع والتقييم والمراقبة. بحيث اقتصر القانون المحدث للصندوق على تعيين الآمر بالصرف، في حين تم إغفال الآليات المتعلقة بإعداد وتحكيم البرامج المقترحة، وتتبع وتقييم المنجزات وتحديد معايير انتقاء المشاريع وتأمين تمويل منتظم وقار للصندوق. وهو ما أدى إلى غياب الانسجام والتكامل والاندماج بين مختلف المبادرات في مجال التنمية القروية، في ظل تعدد الآمرين بالصرف. أما على مستوى إبرام الاتفاقيات فلم تتم صياغة إطار نموذجي لها، الذي من شأنه أن يتناول كل الجوانب الكفيلة بتحقيق حكامة تواكب مختلف مراحل تنفيذ المشاريع التي لها نفس الأهداف في مجال تنمية المناطق القروية والجبلية، وهو ما انعكس على شمولية بعض الاتفاقيات. فعلى سبيل المثال، أشارت بعض الاتفاقيات إلى إحداث لجان مركزية وإقليمية للقيام بمهام القيادة والتتبع والتقييم، كما هو الشأن بالنسبة لاتفاقية برنامج التأهيل الترابي والاتفاقية التي همت إقليمإفران، في حين أن الاتفاقية التي همت إقليم أزيلال أشارت إلى إحداث لجنة إقليمية فقط للقيام بهذه المهام. في نفس السياق، نصت اتفاقية أزيلال على تكليف الجماعات الترابية بإنجاز المشاريع المتعلقة بإصلاح وصيانة البنيات التحتية واستغلال التجهيزات المنجزة باستثناء مشروع الكهربة الذي يدخل في دائرة اختصاص المكتب الوطني للماء والكهرباء، غير أن الاتفاقية التي همت إقليمإفران لم تتطرق لهذا الجانب إلى ذلك، رصد التقرير وجود تأخر في تنفيذ المشاريع المجالية نظرا لضعف البرمجة وغياب التنسيق بين المتدخلين، وعدم توفير الاعتمادات في الوقت المناسب، بالإضافة إلى عدة مشاكل أخرى ترتبط بتمويل الأشغال خارج الموقع وإلغاء بعض مكونات المشروع. هذه جملة من الملاحظات الأساسية التي رصدها تقرير المجلس الأعلى للحسابات، والتي ترقى إلى مستوى الاختلالات التي تعيق أداء صندوق التنمية القروية والجبلية لمهامه المنوطة به، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول التأخر في معالجتها من أجل إضفاء دينامية جديدة على مستوى النهوض باختصاصاته المرتبطة بمجالات ترابية حيوية، تعاني من الخصاص المهول وتحتاج إلى تظافر الجهود لتنميتها تنمية مستدامة، تستثمر المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها، وتراعي خصوصيتها الجغرافية والثقافية. ومتى يتم الحسم في تعدد المتدخلين الذي يشكل عائقا أمام انسجام القرارات القيادية، كما ينعكس سلبا على برمجة وانتقاء المشاريع ذات الأولوية الممولة بواسطة الصندوق؟ ولماذا يتم إغفال وضع مساطر ومؤشرات واضحة من أجل حسن تتبع تنفيذ المشاريع الممولة بواسطة الصندوق، مع الأخذ بعين الاعتبار المقاربات المعتمدة محليا ودوليا في هذا المجال؟ ولماذا يصر جميع الشركاء على عدم احترام التزاماتهم التعاقدية بهدف إنجاز المشاريع في الآجال والمدد الزمنية المحددة لها؟ إن غياب آليات تتبع وتقييم ومراقبة العمليات الممولة بواسطة الصندوق، يقتضي اليوم وبإلحاح، العمل على تفعيل دور اللجان البين وزارية الوطنية والجهوية المكلفة بالتنمية القروية، لضمان تنفيذ الخطة المعتمدة وتوحيد الرؤية وتشجيع المشاورات وتفادي تداخل الاختصاصات، من خلال الحرص على تحديد آليات وأدوات الحكامة المتعلقة بإعداد وتحكيم البرامج وانتقاء المشاريع والتمويل المنتظم والقار. فمتى ستبادر الحكومة إلى بلورة خطة موحدة تهدف إلى التنسيق بين جميع المشاريع القطاعية، وتشجيع المقاربة التشاركية المسؤولة بين مختلف المتدخلين لتحقيق أهداف التنمية القروية والمناطق الجبلية وضمان استدامتها؟