"استوليتم على صحرائكم الغربية، والآن سوف نستولي على صحرائكم الشرقية". فباختصار، هذه هي الرسالة التي يحاول كلٌّ من الرئيس "دون كيشوط" وتابعه "تشيكو" في الجارة الشرقية إيصالها، بضجة كبيرة، إلى المغرب، ليؤكدوا أن الحدود الحالية ثابتة لا تتغير. إلا أن هؤلاء الحمقى لا يدركون أن المغرب لا ينوي استعادة هذه المنطقة فورًا، لا بالقوة ولا بالمواجهة. فالجميع يعلم أننا في المغرب مولعون بالشاي بالنعناع، وهو مشروب نحضّره على نار هادئة قبل تناوله لتنشيط أذهاننا. وهذا بالضبط ما دأبنا على فعله منذ عام 1975 لاستعادة أقاليمنا الجنوبية. أما فيما يتعلق بالصحراء الشرقية، فهذا تحدٍّ آخر يتطلب استراتيجية مختلفة، استراتيجية ستساعدنا كؤوس أتاي بالتأكيد في التخطيط لها مرة أخرى. ومع ذلك، حتى لو أوحت الحكومة المغربية بعدم اكتراثها بمواقف حكام الجارة الشرقية في تندوف، وتحديدًا في غار جبيلات، فلا بد من الاعتقاد بأن الاستعدادات لهزيمة أخرى على هذه الجبهة قد بدأت بالفعل. كيف؟ ببساطة، يعود ذلك إلى ما يُنظر إليه كعزلة شبه تامة للجارة الشرقية. فباستثناء تونس، تُعتبر دولة محدودة الحضور في محيطها الإقليمي. والأسوأ من ذلك أن بعض الفاعلين الإقليميين يطرحون مطالب تاريخية تتعلق بمناطق حدودية، في سياق نقاشات تعود إلى الحقبة الاستعمارية. كما أن موريتانيا تتجه إلى تنويع شراكاتها، فيما تحتفظ القوى الكبرى بحسابات استراتيجية في المنطقة. وفوق كل ذلك، تُجري الولاياتالمتحدة مناورات عسكرية سنوية في المغرب مع القوات المسلحة الملكية منذ أكثر من عشرين عامًا، وهو ما يعكس مستوى التعاون العسكري والتدريب في بيئة صحراوية. يعتقد بعض المسؤولين في الجارة الشرقية أن استغلال غار جبيلات سيمكنهم من فرض أمر واقع، عبر محاولة تكرار تجربة أخرى في الصحراء الغربية. غير أن الوضع يختلف من حيث السياق التاريخي والقانوني. فمن جهة، يستند المغرب إلى معطيات تاريخية وقانونية بخصوص أقاليمه الجنوبية. ومن جهة أخرى، تظل مسألة الصحراء الشرقية موضوعًا معقدًا يرتبط بملفات تاريخية وقانونية تعود إلى مرحلة ترسيم الحدود بعد الاستعمار. ماذا سيفعل المغرب؟ بينما يواصل تثبيت موقفه بشأن أقاليمه الجنوبية، قد يستمر في إثارة النقاش القانوني حول قضايا حدودية عبر القنوات الدبلوماسية والدولية. أما الرد المتوقع، فيرتبط غالبًا بمبدأ "الحدود الموروثة عن الاستعمار"، وهو مبدأ استُخدم في إفريقيا بعد الاستقلال لتفادي النزاعات الحدودية، رغم استمرار الجدل حول تفسيره وتطبيقه. وفي خضم هذه القراءات الجيوسياسية، تبقى التوقعات مفتوحة على احتمالات متعددة، دون الجزم بمآلاتها. فالعلاقات الدولية لا تُحسم بالشعارات، بل بتوازنات دقيقة ومعقدة. وعلى أي حال، وبعد هذه الخواطر في التوقعات الجيوسياسية، وليس الأرصاد الجوية، في منطقتنا، دعونا نعود إلى أتاي بالنعناع، ونتركه "يتشحر" قبل أن نسكبه بطريقتنا المعتادة، برفع البراد عاليًا قبل سكبه في الكأس، وننفخ فيه قليلًا ليبرد، ثم نستمتع به، وفقًا لتقاليد أجدادنا... أي "بالكشكوشة".