أنهت وزارة الداخلية سنة 2012 على وقع الأخبار السيئة، حيث تعرض وزيراها العنصر والضريس ل«موجة نقد حاد» في البرلمان والشارع ووسائل الإعلام، على خلفية «البهدلة» التي تعرض لها برلماني العدالة والتنمية، عبد الصمد الإدريسي، على يد رجال الأمن الذين مسوا كرامته وسلامته البدنية، لأنه تدخل بخيط أبيض بين عصي رجال الأمن التي كانت تشتغل بهمة ونشاط على جسد أحد المعطلين... العقل السياسي والإداري لوزارة تعتبر نفسها «الوصي الشرعي» على السلطة وهيبتها في البلاد، منعها من الاعتذار إلى البرلمان، ومعاقبة باشا الرباط الذي قال للبرلماني: «إلى كنتي برلماني سير تقو...». لجأت الداخلية، كما هي عادتها، إلى نفي الحادثة، ثم لما وجدت الأمر غير ممكن، لجأت إلى توزيع المسؤولية بين رجال الأمن، الذين كانوا يقومون بعملهم، وبين البرلماني الفضولي! ولما وجدت أن الجهات العليا تدخلت على الخط، لجأت إلى الاعتراف بتجاوز باشا المدينة للأدب مع البرلماني، لكن في الوقت نفسه قالت لممثلي البرلمان الذين وقفوا، أغلبية ومعارضة، خلف زميلهم: «لا نستطيع معاقبة رجال الأمن في هذه الظروف، لأن الوزارة عازمة على إنهاء حالة الفوضى في شوارع المملكة بعد سبعة أيام من الباكور التي طالت لمدة سنتين مع انطلاق مظاهرات 20 فبراير وفيروس الربيع العربي». انظروا إلى الطريقة التي يفكر بها العقل الأمني للدولة: «نعم، رجل الأمن خرق القانون، لكن الظروف الحالية تمنع من تطبيق القانون». بهذا يصير القانون آلة تعزف عليها السلطة وقت ما شاءت وبالطريقة التي تروق لها، وليست نصا «مقدسا» وجب احترامه وتطبيقه على «الغفير كما على الأمير»، كما يقول إخواننا المصريون... الآن فقط سيعرف رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، الخطأ الذي سقط فيه مرتين؛ الأولى عندما كان يتفاوض على تشكيل الحكومة، وكيف أنه رفع الراية البيضاء، وسمح لوزارة الداخلية بأن تكون خارج البيت الذي يديره، والخطأ الثاني عندما جاء إلى البرلمان يبرر «القمع» الذي يتعرض له ضعاف خلق الله، حيث قال إن رجال الأمن يسهرون على حماية الأمن العام بلا نوم ولا أكل ولا راحة... وبالتالي، عندما يؤمرون بالتدخل لفض المظاهرات فعلينا أن نقول: «الله يكون في عونهم»، فلماذا يغضب حزب العدالة والتنمية الآن؟ إذا نزلت «الهراوة» على رؤوس المعطلين والنقابيين والمتظاهرين سلميا أمام البرلمان فالأمر حلال، وإذا نزلت على رأس الإدريسي برلماني الحزب فالأمر حرام؟! دعونا الآن نطرح الأسئلة الأكثر عمقا وبعدا عن قاموس الباشا وعصي الأمن؟ كيف للبلاد التي تقول إنها دخلت إلى زمن الانتقال الديمقراطي والاستثناء العربي، أن تترك وزارة الداخلية تشتغل بنفس العقليات والأشخاص والأدوات والسياسات التي كانت تحكمها في زمن الرصاص مع فارق أن رجالات الماضي كانوا أقل ذكاء وأكثر خشونة من رجال ونساء الداخلية الجدد... الحكامة الأمنية والدستور الجديد والتغيير في زمن الربيع العربي... كل هذه المفردات لم تدخل إلى مقر المقيم العام الشهير، ليوطي، وسط الرباط، حيث يوجد مقر وزارة الداخلية التي تقوم بأدوار سياسية موازية للحكومة المنتخبة، ولا تقوم فقط بأدوار إدارية وأمنية... لماذا لم تتخل الدولة عن خدمات وزارة الداخلية رغم أنها ترى بالعين المجردة أنها لم تنفع أي نظام من الأنظمة التي انهارت في جوارنا المغاربي والعربي؟ ببساطة، لأن الدولة لا تثق في الديمقراطية ولا في ممثلي صناديق الاقتراع، ولهذا تعتبر وزارة الداخلية هي الوصية على الاستقرار في البلاد، والمستأمنة على شرعية نظام الحكم، وهنا مربط الفرس، أو بالأحرى عثرة الفرس. لقد رأينا كيف أن وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية وسفراءها وقناصلتها في الحقل السياسي والحزبي والإعلامي والنقابي والاقتصادي... كل هؤلاء لم يستطيعوا مواجهة حركة 20 فبراير يوم نزل المغاربة في 54 مدينة وعمالة وإقليما يطالبون بإزاحة الاستبداد والفساد من رقعة القرار العمومي في البلاد، وحدها المعالجة السياسية التي قادها الملك وتجاوب معها حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه في الحكومة استطاعت مؤقتا أن توقف غضب الشارع ومطالب التغيير وأن تفتح الباب لتحول هادئ عله يأتي بديموقراطية حقيقية تشكل قطيعة مع ماضي التجارب الفاشلة.