ذاكرتنا وثقت أحوال قطاع الصحة العمومية منذ الستينيات إلى العقدين الأخيرين ثم إلى هذا اليوم، والتي سجلت استقبال الأسر ببيوتها للمرضى من أصول وفروع الأم أو الأب، وكذا بعض أصدقاء ومعارف الأسر المستقرين بالعالم القروي أو المدن الصغرى لمرافقتهم للفحص أو الدخول إلى المستشفى إلى حين استكمال الاستشفاء، فتأويهم عندها للعلاج حتى استرجاع عافيتهم. ولوحظ أثناء الولوج إلى المستشفى للفحص والتشخيص أو الإقامة للتطبيب، أنه لا يُطلب منهم أي أداء يتعلق بالأدوية أو بالتحاليل المخبرية أو التصوير ب»الراديو»، وكان أقصى ما يُطلب لاحقًا هو إحضار شهادة من السلطة المحلية التي لا تسأل عن وضعيتهم المالية. كما نتذكر اشتغال راهبات فرنسيات في المستوصفات والمستشفيات في بعض المدن، حيث يقمن بعمليات تمريض ومواكبة علاج النساء في بيوت المريضات، كما كن يتابعن مراقبة النساء الحوامل والحرص على «التلقيح» للمواليد الجدد بالتذكير واستدعائهن. كما كان الممرضون على قلتهم يتنقلون بالدراجات النارية إلى القرى لمساعدة المرضى وتقديم الخدمات التمريضية في المنازل. وسياق هذا الموضوع أن الدولة والموارد البشرية المتوفرة، رغم قلتها ومحدودية الإمكانيات، كانت تقوم بأدوارها في مجالات الصحة العمومية تجاه الشعب، والأهم أيضًا هو التضامن والتكافل الأسري الذي يقوم بأدوار مهمة من الاستقبال إلى الإيواء، واستضافة مرافقين من أسرة المريض، إلى توفير التغذية واستدامة الزيارات. أما اليوم، فالمجتمع، ومعه الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والحقوقية المؤمنين بالارتباط بالشعب والترافع النضالي الإيجابي على قضايا وملفات التنمية والخدمات الصحية العمومية الوطنية، يسائلون أنفسهم ويسائلون الحكومة والسلطات المختصة: هل الحكومة والمؤسسات العمومية ترجمت وطبقت مقتضيات الفصل 31 من دستور 2011 بتيسير الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية التي ترفع العناء والعجز عن الضعفاء والكادحين؟ الفصل 31: «تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في: العلاج والعناية الصحية؛ الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة...» هل رصدت في الميزانيات المتقاطعة والمتكاملة التي تتدخل جزئيًا أو كليًا في خدمة ورعاية صحة المواطنين والمواطنات ما يتعلق ببنيات الاستقبال اللازمة والتدبير الناجع والتسيير الحكيم، وكذا توفير التجهيز العملي للمستشفيات والمستوصفات، بتوفير المعدات التقنية والفنية اللازمة للفحوص الأولية والتشخيص الدقيق الميسر للعلاج الملائم؟ هل وفرت – وهي تعلم منذ عقود – الموارد البشرية الطبية والتمريضية والتقنية في جميع التخصصات، الذين هم مفاتيح يجسدون في الميدان مسؤولياتهم ومهامهم بمنهج المواطنة والاحترام الكلي لكرامة وحقوق المواطنين والمواطنات؟ هل بنت وجهزت مؤسسات جهوية وإقليمية بالأطباء والممرضين والممرضات المختصين في الطب العقلي والنفسي بما يجعلها تتجاوب وتتكامل مع مرتكزات الفصول الدستورية والحقوقية ذات الصلة بالصحة العمومية وظاهرة المشردين والمشردات والمرضى عقليًا ونفسيًا؟ إن مسؤوليات الحكومة الرئيسية الأولية هي الاهتمام الكلي بصحة الشعب في كل التخصصات، وبتوفير مستدام للتجهيزات والمعدات الطبية والفنية والتقنية، من «الراديو» و»التلفزيون» كما يسميهما العامة، إلى السكانير، والرنين المغناطيسي، إلى مختبرات تستجيب لكل طلبات العلاج والاستشفاء، بالمستشفيات العمومية، بتكامل عملي بين المراكز الصحية الترابية المحلية، الإقليمية، الجهوية، والجامعية. هل يعقل إنسانيًا وحقوقيًا ودستوريًا مطالبة المرضى والمريضات بالمستشفيات – الذين غالبيتهم فقراء ويعيشون في وضعية صعبة تحيط بهم أوجه الخصاص – بأن يقوموا بتحليلات معينة في مختبرات المستشفى مؤدى عنها، أو الإحالة على مختبرات خاصة للقيام بتحليلات أخرى، أو إحضار تشخيص السكانير من مراكز صحية خاصة في حالة تعطل المتوفر؟ هل تعلم الحكومة أن هذه الوضعية المقلقة، التي تبين نقصًا مزعجًا في الخدمات الاجتماعية والصحة العمومية، تتسبب في حرج كبير للأطباء والممرضين والتقنيين وإدارة المستشفيات تجاه المرتفقين والمرتفقات الملتجئين للدولة، حيث يعانون من إكراهات ومعيقات تعطل العديد من الخدمات الصحية بما فيها المساس بالحالة النفسية للمرضى، مما يعقد وضعهم ويؤزم أسرهم؟ وهل يدركون أن كل هذا وغيره، الذي يعلمه أهل الاختصاص ومنهم النقابات، يتسبب في هدر زمن الاستشفاء وقد يتسبب في تدهور الوضع الصحي؟ إننا جميعًا، عندما نقول إن من حق الشعب أن يُعالج مرضاه بالقطاع العمومي المسؤول باسم الحكومة عن الصحة وتقديم الخدمات والعلاج والاستشفاء، فإننا نخص بالذكر، دون استثناء، أي مواطن أو مواطنة من الفئات الواسعة بالمجتمع، من الفقراء والمساكين والكادحين والعاطلين، وحتى الأثرياء والأغنياء الذين عندهم من الخيرات ما يجعلهم يتخيرون بمرونة وسلاسة بين أكبر المؤسسات الصحية خارج الوطن وبين المراكز والعيادات الخاصة الراقية دون الحاجة إلى أية تغطية صحية عمومية. وهنا نطرح سؤالًا جماعيًا: هل نستحضر أن الكادحين وعامة الشعب عاجزون بسبب الدخل الهزيل عن توفير التغذية في حدودها الدنيا التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ وهل يستطيع هؤلاء الذين أنهكهم العسر والإملاق أن يُعالجوا أنفسهم وأسرهم حتى ولو توفرت لهم التغطية الصحية؟ إن أوجب الواجبات دستوريا استقبال المرضى والقيام بكل ما يلزم طبيًا من علاج واستشفاء، ثم بعد ذلك تدبير أمر التعويض أو الأداء أو التغطية الصحية أو الإعفاء من الأداء، في انتظار أن تتوفر منظومة للتغطية الصحية تطمئن الفئات الشعبية المسحوقة، أو في انتظار التنمية الشاملة المحققة للعدالة الاقتصادية والاجتماعية، والقضاء على البطالة، ورفع الأجور للتغلب على ارتفاع الأسعار، ولتحقيق التوازن المالي والعيش الكريم.