نشرت هيئة المحامين بالدار البيضاء تقريرا مفصلا أنجزه الأستاذ محمد الطاوسي من نفي الهيئة، عن محاكمة وظروف اعتقال مؤسس جريدة « أخبار اليوم » توفيق بوعشرين، وما أفرزته القضية من تضارب الآراء والأقوال حول الصيغة القانونية والموضوعية لمحاكمة « بوعشرين »، حيث أكد أن البلاغات التي صدرت عن النيابة العامة في بداية انطلاق مجريات هذه المحاكمة لا تعتبر بمثابة مس بقرينة البراءة، كما دفع بذلك المتهم عن طريق دفاعه، بل تعتبر وسيلة للحد من لغة التشكيك والتصريحات التي وردت على لسان بعض أعضاء دفاع المتهم وأضاف التقرير الذي عممته النقابة الوطنية للصحافة المغربية « تلقي شكاية من طرف النيابة العامة لشخص مجهول الهوية مسألة تطرح نقاشا قانونيا وواقعيا، ففي الواقع يُثار تساؤل هل النيابة العامة كانت في حاجة إلى تلقي شكاية من شخص مجهول الهوية، وهو الأمر الذي يبدو شبه مستحيل عمليا، على اعتبار أن مصلحة الشكايات لا يمكن أن تتسلم مثل هكذا شكايات والإفصاح عن الهوية يبقى أمر إجباري عند ولوج المحكمة، فبالأحرى تقديم شكاية ما لم تكن فرضية مطالبة المشتكية إخفاء هويتها وموافقة النيابة العامة على ذلك، وهذا هو الأمر الذي يبقى مرجحا. ومن الناحية القانونية لا مانع في تلقي شكاية من شخص مجهول الهوية لكن ضمن أطراف المخاصمة وليس لدى الجهة المتلقية، أي النيابة العامة حسب ما سبق تفصيله، كما يمكن أن نستشف أن الشرطة والنيابة العامة لم تكن على علم بعدد الشكايات، لم تكن في حاجة لتلقي شكاية من ضحية مجهولة الهوية على الورق ولكن معلومة لدى النيابة العامة. ونبه التقرير إلى انتقال عدد مهم من عناصر الشرطة إلى مقر جريدة توفيق بوعشرين، الأمر الذي كان موضوع جدال كبير بين أطراف القضية، والطريقة التي تم بها اكتشاف مسجل الفيديو بمكتب المتهم خلق نوعا من الريبة حول الآليات المحجوزة، وخاصة حينما طلبت الشرطة من المتهم الطواف صحبتهم بمكاتب وسؤال المتهم للمسؤول على مصلحة المشتريات عن ملكية الشركة لتلك المحجوزات وجواب هذا الأخير بالنفي، مما يترك التساؤل مطروحا تتم الإجابة عليه بعد المناقشة في الموضوع، خصوصا أن جهاز التقاط القنوات الفضائية الذي وصف به المتهم جهاز التسجيل لم يكن من ضمن المحجوزات. وأردف التقرير إلى أن ما أثاره الدفاع بخصوص طلب الزور العارض في محضر الشرطة القضائية، بالفعل دائما ما يكون مآله الرفض ولا يحضرنا الآن حكم قضى وفق الطلب ولنفس العلة الواردة بقرار محكمة النقض المستدل به من طرف النيابة العامة، وكذا قرار الاستئناف الصادر عن هذه المحكمة، وأضاف أن ما أثاره الدفاع بخصوص سحب محضر المصرحة عفاف برناني من وثائق الملف لكونها موضع شكاية من الضابط محرر المحضر قررت بشأنها النيابة العامة المتابعة والإحالة على الجلسة يسري عليه نفس ما قيل بشأن الدفع السابق، هو اعتبار محضر الضابطة القضائية من وثائق الملف، وعلى أساسه تتم المتابعة التي قد تقرر المحكمة بشأنها الإدانة أو البراءة. وأكد التقرير أن ما أثاره الدفاع بخصوص إزالة الكاميرات المثبتة بقاعة الجلسة بسبب خرق المادة 303 ق.م.ج والذي يتطلب الإذن بالتصوير من الرئيس وردت على ذلك النيابة العامة كون تلك الكاميرات وضعت من أجل ضبط كل إخلال بالأمن داخل القاعة، وأن الغاية الحقيقة منها هو إمكانية متابعة السجناء للجلسة من داخل السجن بدل التنقل به في كل جلسة وإعادتهم رغم عدم جاهزية ملفاتهم، وهو نفس المنحى الذي سارت فيه المحكمة لكن بالفعل يبقى أن هذا الأمر يحتاج إلى قرار أكثر جرأة مستقبلا بخصوص تلك الكاميرات، التي فعلا تبقى أدوات للتصوير ومخالفة للمادة 303 في عموميتها، فإما ضرورة إزالة تلك الكاميرات أو تعديل الفصل وفق الغاية من وضعها. وأبرز التقرير ان جل الطلبات التي تقدم بها دفاع المتهم تبقى غير منتجة في القضية وتدخل في التشكيك في عمل الشرطة القضائية، ومن بينها استدعاء الضابط محرر المحضر، وعمل الشرطة القضائية يبقى صحيحا ما دام لم يشبه أي عيب شكلي أو مخالف للقانون. أوضح التقرير أن ما تناقلته بعض المنابر الإعلامية المتعاطفة مع المتهم بخصوص أسباب إيقافه والكيفية التي تم بها هذا الإيقاف، خاصة أن تلك البلاغات كانت دقيقة في صياغتها ومنسجمة مع واقع ما جاء فيها، كما أن النيابة العامة كفت عن أي تصريح بمجرد إحالة المتهم على الجلسة وتنصيب دفاع للمشتكيات الذي واصل الرد على تصريحات دفاع المتهم وهو أهم ما ميز هذه المحاكمة، العنف الإعلامي إن صح التعبير، والذي سنخصص له فقرة مفصلة في التقرير النهائي. وأشار نفس المصدر أن ما أثير بخصوص الإحالة المباشرة على غرفة الجنايات الابتدائية بدل المطالبة بإجراء تحقيق هو دفع لا يستقيم ويمكن الرجوع للتفصيل الذي تناولت به النيابة العامة الموضوع وصلاحية النيابة العامة في تقدير الجاهزية من عدمها بصفتها هي مناط تحريك المتابعة التي يمكن أن تسقط في أي لحظة، إن لم تكن تتوفر على وسائل الإثبات الكافية للإدانة. أما ما أثير بخصوص إضافة محاضر لاحقة لملف القضية بعد تسطير المتابعة هو فعلا موضوع يتعين التفصيل فيه في التقرير النهائي، لكن نسجل إضافة محاضر استماع دون إجراء مواجهة بين المتهم والضحايا المفترضات على أساس أن النيابة العامة تتوفر على وسيلة إثبات قوية وهي الفيديوهات وانتصاب تلك الضحايا اللواتي تم الاستماع إليهن بالمحاضر الملحقة ورفض المتهم لمشاهدة تلك الفيديوهات بمجرد إطلاعها على إحداها بدعوى أنها مفبركة، كلها أمور تجعل إضافة تلك المحاضر يطرح أشكال التواجهية التي قد تستدركها المحكمة خلال المناقشة وكما ذكرنا سنعود لهذا الموضوع بتفصيل أكثر لاحقا. وعن التفتيش والحجز يكون غير منتج، خاصة الموافقة المكتوبة للمتهم واعتبار مقر عمله يدخل ضمن المسكن الذي يتطلب تفتيشه موافقة مكتوبة وكذا اعتبار مكتب السيد توفيق بوعشرين مشمول بالسر المهني. وقالت الهيئة إنها بعد قراءة المحاضر جاءت وفق الضوابط القانونية المنظمة، خاصة أن المتهم نفى ملكية مؤسسته لتلك الأدوات المحجوزة ويطعن في مضمونها، وبالتالي الطعن في كيفية حجزها غير جدير الذكر والتفصيل فيه كما نسجل عدم تسريب أو اختفاء أو تداول أي وثيقة أو وسيلة عمل أو معلومة كانت من ضمن أسرار مكتب المتهم لحد الساعة، مما يدل على أن الشرطة تحت إشراف النيابة العامة أنجزت عملها في هذا الشق وفق الضوابط المنصوص عليها قانونا. أما ما أثير بخصوص محضر تفريغ الفيديوهات وحضور المتهم لذلك وبخلاف ما أُثير، يضيف التقرير « نلاحظ وجود ضمن وثائق الملف محضر تفريغ وذكر جميع الفيديوهات التي شملها التفريغ، وأشير فيه إلى عرضه على المتهم الذي رفض الاطلاع على تلك الأشرطة بدعوى أنها لا تخصه، ونفس الشيء يقال عن واقعية التفريغ والمدة التي استغرقتها الشرطة القضائية في عملة التفريغ بالمقارنة مع مدة الأشرطة، ذلك أن الغرض كما سبق الذكر التشكيك في عمل الشرطة وهو أمر مستبعد بل لا يدحضه إلا إثبات العيب في شكلية الإجراء وليس في نتيجته كما أن نفي المتهم صلته بتلك الفيديوهات الأمر الذي سيفصل فيه بعد مناقشة القضية يجعل الدفع غير منسجم ». وبخصوص عدم واقعية إصدار انتداب تنقيط المكالمات الهاتفية للمتهم هو دفع أجابت عنه النيابة العامة بشكل مستفيض، وذكرت التواريخ بدقة منذ تلقيها الشكايات التي ذكرت إحداها اتصال بالمتهم هاتفيا بإحدى المشتكيات، فكان من الضروري اللجوء لهذا الإجراء للتحقق مما تدعيه والأمر أيضا لا يتعلق بالتقاط المكالمات أو تصنتكما جاء بالدفع المثار بل باطلاع على كشف المكالمات ورصدها. أما غياب السند القانوني لإنجاز الخبرة التقنية من طرف الشرطة القضائية، أكد نفس المصدر « ليس هناك أي مانع من هذا الإجراء إذا كان مجهولا في جميع الأدلة وهو من صميم عمل الشرطة القضائية التي لا تباشر هكذا إجراء إلا بعد الرجوع للنيابة العامة في هذا الشأن ». وفي قضية انعدام الصفة الضبطية لعناصر الشرطة التي أنجزت التفريغ هو دفع أيضا يدخل في التشكيك في عمل الشرطة القضائية وتمت الإجابة عليه بشكل كافي من طرف النيابة العامة، حينما اعتبرت عناصر الشرطة يدخلون في فئة أعوان الشرطة طبقا للمادة 25 و 26 من ق.م.ج. وما أثير عن غياب فيديو للمشتكيتين نعيمة لحروري وخلود الجابري هو دفع يدخل في موضوع القضية وليس في شكليات المحاضر، وهو ليس من الدفوع التي قد تؤثر في صحة المحاضر، بل ليس ضروريا أصلا مادام أن متابعة النيابة العامة جاءت بناء على تصريح المشتكيات واستعانة بفيديوهات لمشتكيات أخريات ولو كانت وسيلة المتابعة هي تصريح المشتكيات فقط ونفي المتهم لكانت للدفع أهمية أكبر وتكون النيابة العامة آنذاك ملزمة بتقديم أدلة أخرى تدعم بها المتابعة. وأضاف التقرير أن ما أثير بشأن اختصاص الفرقة الوطنية من عدمه في تحرير محاضر الاستماع وباقي إجراءات البحث التمهيدي هو دفع غير منتج من خلال ما فصلت فيه النيابة العامة في معرض ردها على هذا البحث، وخاصة العلاقة العضوية بين أجهزة الأمن والأنظمة القانونية التي تحكم هذه العلاقة، وبالتالي لا يمكن لهذا الدفع أن يبطل تلك المحاضر ما دامت جاءت وفق الشكليات القانونية الضرورية، وهذا الرأي نابع من عدم تسجيل أي خرق واضح ومؤثر لا من جهتنا ولا من جهة المحكمة بخلاف بعض التفاصيل الدقيقة التي سنفصل فيها في التقرير النهائي. وبخصوص الاستنتاجات بديباجة المحضر من طرف الشرطة القضائية بخصوص الأفعال المنسوبة للمتهم وطريقة صياغة تلك الاستنتاجات التي توحي بتموقع الشرطة على مستويين، الأول يهم تأكدها من ارتكاب المتهم للأفعال المنسوبة إليه من خلال صياغتها التي توحي بالجزم في ارتكابها باعتبار هذه الاستنتاجات توجيه من الشرطة لمسار الملف ومآلها مما ينعكس على قرار المحكمة، وثانيهما اعتبر تطاولا على اختصاص النيابة العامة التي تبقى هي محركة المتابعة والمسؤولة عليها. أما إثارة عرض الفيديوهات على الطرف المدني الذي اعتبر من طرف دفاع المتهم فيه خرق لسرية البحث هو دفع لا يستقيم من جهتين، الأولى أن هذا العرض لتلك الفيديوهات هو في صميم عملية البحث وكشف الحقيقة، وثانيهما أن المتهم نفى علاقته بتلك الفيديوهات فلماذا يرفض عرضها على الغير الذي هو طرف أساسي ومهم في القضية. وعن جدل عدم تحديد النيابة العامة، عند تسطير المتابعة، هوية الضحايا المعنيين بالمتابعة بجريمة الاتجار بالبشر، وكذا احتمال انتزاع تصريحاتهن تحت الضغط هو دفع غير منتج إذا كانت المناقشة المستفيضة والتواجهية أمام المحكمة هي التي ستحدد بدقة تلك الضحايا، كما أن الإمكانية الممنوحة للمحكمة في إعادة تكييف الجرائم يجعل الدفع سابق لأوانه وإثارته في هذا التوقيت يجعل المتهم يقر بوقوع هذه الجريمة في حين أن المناقشة قد تبرؤه من وجودها أو قد تجعل المحكمة تعيد تكييفها. أما بخصوص الضغط على الضحايا خلال استنطاقهن فهذا أمر يعود لتلك الضحايا في إثباته ولا يمكن تصوره في إطار استنتاج من طرف المتهم ودفاعه. وما أثير بخصوص قانون معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي: قد يكون هذا الدفع مجديا ومؤثرا في صحة المتابعة لو كان الأمر يتعلق بالاطلاع على أمور شخصية لا علاقة لها بالتهم الموجهة للسيد توفيق بوعشرين، وأما أننا أمام تهم الوسيلة الوحيدة للتحقق منها هي الفيديوهات المسجلة، فإن الفقرة الرابعة من المادة الثانية من قانون رقم 09.08 تستثني هذا النوع من المعطيات. وأشار التقرير إلى قرار المحكمة بشأن المسائل الأولية والطلبات والدفوع الشكلية المثارة التي كان مآلها يتأرجح بين قبول بعضها كاستدعاء الشهود وفي إرجاء البت في بعضها وفي رفض أغلبها لعدم جديتها.