في ظلّ الحماسة الوطنية والانخراط الجماعي الذي يرافق إعلان المغرب استضافة كأس العالم 2030، تتناثر الأضواء على البُنى التحتية، الملاعب الفخمة، والشبكات اللوجستية. ومن الطبيعي أن تُخصَّص ميزانيات ضخمة لتجسيد هذا الحدث العالمي على أرض الواقع. لكن في خضمّ هذا الزخم المادي، يُهمَل في كثير من الأحيان العنصر الأهم والأعقد: العنصر البشري. فالاستحقاقات الكبرى لا تُقاس فقط بجودة الإسمنت والأنفاق، بل بجاهزية الإنسان، كفاءته، وحسّه الوطني، لأنه هو من يُديم الأثر ويحوّل الحدث الرياضي العابر إلى منعطف حضاري دائم. الرأسمال البشري: من الترف إلى الضرورة الرأسمال البشري، في سياقه الأوسع، لا يقتصر على عدد الأفراد أو مستواهم التعليمي، بل يشمل المهارات، الثقافة العامة، روح المبادرة، قدرة التكيّف، والانضباط الجماعي. وهو في سياق استضافة حدث عالمي ككأس العالم، يشمل: الكوادر المؤهلة في مجالات الضيافة، الأمن، الصحة، الترجمة، التنظيم، والخدمات اللوجستية. الشباب المتطوّع القادرين على تمثيل بلدهم بلغة عالمية، وبابتسامة تعبّر عن كرم الضيافة المغربية. المهنيين التقنيين القادرين على صيانة المرافق، إدارة الأزمات، وضمان سير الحدث دون اضطراب. بل وحتى المواطن العادي، الذي إن كان واعياً بدوره كسفير غير رسمي لبلده، سيساهم في تشكيل صورة إيجابية لا تُقدّر بثمن. ومن دون الاستثمار المبكر والجاد في هؤلاء، يتحوّل الحدث إلى عرضٍ زائل، ينتهي بمغادرة آخر مشجّع، تاركاً وراءه بُنىً قد تُصبح "أثقالاً بيضاء" إن لم تُستغل بفعالية. ما بعد كأس العالم الحقيقة التي يجب ألا تُغفل هي أن "ما بعد كأس العالم" أهم بكثير من "ما قبله"، فالهدف من استضافة حدث عالمي لا ينبغي أن يكون فقط تنظيم مباراة نهائية ناجحة، بل بناء قدرات وطنية تبقى بعد انتهاء الأضواء. وهنا يتجلى دور الرأسمال البشري كأداة للتحول المستدام: خلق فرص عمل دائمة: المهارات المكتسبة خلال التحضير للحدث (كالسياحة، إدارة الفعاليات، الأمن السيبراني، البيئة الحضرية...) يمكن توظيفها في قطاعات اقتصادية متنوعة. تعزيز صورة المغرب الدولية: ليس عبر الحملات الدعائية، بل عبر تجارب حقيقية يعيشها الزوار مع أشخاص مغاربة مهنيين، ودودين، وقادرين. تحفيز روح المواطنة: عندما يُشعر المواطن أنه جزء من مشروع وطني كبير، يتقوّى انتماؤه، وتتعمّق ثقافة المسؤولية لديه. نحو إعداد استراتيجي مبكّر لا يكفي الاعتماد على الارتجال أو برامج تدريبية قصيرة الأمد. ما نحتاجه هو استراتيجية وطنية شاملة تبدأ منذ اليوم، يدرَج فيها: إدماج مهارات المستقبل في المناهج التعليمية والتكوينية، مع التركيز على اللغات، الذكاء العاطفي، والتكنولوجيا. شراكات بين القطاعين العام والخاص لتدريب الشباب على مهارات محددة مرتبطة بالحدث (مثل إدارة الحشود، الاستجابة الطارئة، السياحة المستدامة). حملات توعوية وطنية لترسيخ ثقافة الاستضافة، النظافة، والانضباط المدني. تمكين المرأة والشباب كفاعلين رئيسيين، لا كمتابعين. الإنسان أولاً كأس العالم 2030 ليست مجرد حدث رياضي. إنها فرصة ذهبية لاختبار نُضج الدولة المغربية الحديثة، وقدرتها على جمع مكوناتها البشرية في مشروع جامع. فالمباني تُبنى في سنوات، لكن الإنسان يُبنى في عقود. والاستثمار في الإنسان هو الذي يضمن أن تُكتب نهاية كأس العالم 2030 بعبارة: "البداية الحقيقية كانت من هنا". -باحث في العلوم السياسية