أيُّ أسبوعٍ هذا الذي يضعنا بين نعشٍ وموْجٍ وميكروفون، ثم يطلب منّا أن نُصفّق لِلّغَة بدَل أن نُحاسب الواقع؟ هل الفقدُ خبرٌ عابر في أسفل الشاشة، أم امتحانٌ أخلاقيٌّ يمرّ أمامنا ويكشف ما نحاول ستره؟ وكيف يتحوّل رحيل فنانٍ إلى مرآةٍ تكشف الفرق بين "القيمة" حين تُعاش و"الشعار" حين يُستهلك؟ ومن الذي يُغرق المدن حقًّا: مطرٌ زائد... أم تخطيطٌ ناقص؟ ثم ماذا عن "المصداقية" التي تُرفع مثل راية بيضاء في القاعات؟ هل هي قيمة تُمارَس أم ديكور يُستخرج عند اقتراب الكاميرا؟ وأيُّ مدينةٍ هذه التي تنسى مجرى الماء، ثم تتفاجأ حين يعود ليمشي فوق نسيانها ويعيد ترتيب المكان بالطريقة التي يعرفها؟ صوتٌ يقولُ لكَ:" اهدَأ... الحياةُ تمضي" رحل عبد الهادي بلخياط كما يرحل الكبار: بهدوءٍ يشبه الحكمة، وبصوتٍ ظلّ معلّقًا في هواء الذاكرة حتى بعد أن صمت الجسد. كان صوته مقامًا أخلاقيًا. حين غنّى "قطار الحياة" كان يعلّمنا كيفَ نجلسُ فيها دون تذمُّر، كيف نحدّق في النوافذ ونقبل تبدُّلَ المشاهد. كان صوته دافئًا مثل يَدِ أُمّ، عميقًا مثل دعاءٍ يُقال سرًّا، ومُربكًا أحيانًا لأنه يذكّرك أن النسيان ليس دائمًا خيارًا، وأن ما تحاول محوه قد يعود فجأة، واضحًا كأنه لم يغب يومًا. لم يُغادر عبد الهادي بلخياط الغناء ليعتزل، غادره ليكتمل. اختار الصمت حين أصبحَ الصمت أصدق من التصفيق، واختار الذّكر حين صارت الأضواء أعلى من المعنى. قليلون من يفهمون أن الانسحاب قد يكون ذروة الحضور، وأن الاعتزال أحيانًا شكلٌ راقٍ من أشكال الوفاء للفن. كان صوته مغربيًا وإنسانيًا دون ادّعاء، روحيًا دون وَعْظ. فيه حزنٌ نبيل لا يطلب الشفقة، وفرحٌ متواضع لا يطلب التصفيق. لذلك ظلّ حاضرًا في البيوت، في الطرقات، في لحظات الانتظار الطويلة، وفي تلك اللحظات التي نحتاج فيها إلى من يقول لنا:" اهدأ... الحياة تمْضي". في تجربته الفنية، لا نجد اندفاعًا عاطفيًا فجًّا، ولا برُودة عقلية متعالية. هناك توازن نادر بين الإحساس والفكرة، بين الرجفة والتأمّل. كان يعرف متى يتراجع خطوة ليترك للصمت دوره، ومتى يتقدّم بنبرة خفيفة تكسر العزلة دون أن تفضحها. لذلك بدا صوته دائمًا في المسافة الصحيحة: قريب بما يكفي ليُطمئن، وبعيد بما يكفي ليحترم خصوصيتكَ. برحيله، لا نفقدُ فنانا فقط، نفقد نبرة أخلاقية في زمنٍ يعلو فيه الضجيج؛ نفقد مثالًا على أن الفن يمكن أن يكون طريقًا، وسؤالًا؛ صلاةً، لا استعراضًا. لكن العزاء الوحيد، وهو عزاء كبير، أن الأصوات الصادقة لا تموت. هي فقط تغيّر مكانها. ليس عبد الهادي بلخياط الآن في الغياب، إنه في ذلك الرّكن الخفيّ من الذاكرة حيثُ نسْنِدُ أرْواحَنا حينَ نتعَبُ. حين يستعيدُ الماءُ خرائطهُ لا يداهمُ الماء المُدن فجأة كما نحبّ أن نروي، لأنه فقط يستعيد ذاكرته. يتذكر طريقه القديم حين ننساه نحن، ويعود إلى الشرايين التي ردمناها بالإسفلت، ويبحث عن نفَسه تحت الخرسانة، ثم يمشي، ببرودة الحقائق، على خطوطٍ رسمناها في الهواء وسمّيناها "تخطيطًا". يقرأ أسماءنا على الجدران التي بنيْناها فوق أنفاسه، ويُعيد ترتيب المكان بالطريقة التي يعرفها: مجرى أولًا... ثم ما عداه تفاصيل. نحن الذين علّمناه الصمت، لأننا كتمنا صوته عمدًا: سدَدْنا مجراه، وحوّلنا الوديان إلى مواقف سيارات، والسهول إلى أحياء من غير ذاكرة، واعتبرنا المياه مجرد خلفية يمكن قصّها من الصورة. كل مرة كنا نقتطع من حقّه في المرور، كنا نكتب على المدينة شرطًا جديدًا للهشاشة... ثم نندهش عندما يقرأ الماء الشروط ويطالب بها كاملة. لكن السؤال لا يتوقف عند الماء؛ السؤال يتوقف عند الهامش. في أطراف المدن حيث تتراكم الهشاشة، وفي بيوتٍ يختبئ فيها الخوف، وفي ضميرٍ يؤجل الحقيقة حين لا تناسب المشهد. يصمت الهامش لأنه يرى كل شيء ولا يملك قرارًا: يرى خرائط تتأنّق في الاجتماعات وهي تُخفي الواقع، ويرى مشاريع تُوقَّع على عجل كأن الزمن بلا حساب، ثم يرى الأرواح بعد الكارثة تتحول إلى أرقام: كم بيتًا سقط؟ كم جسرًا انهارَ؟ وفي الهامش يقف الفقراء أولًا. هناك تبدأ الحكاية قبل المطر: بيوتٌ على حافة الأمان، أحياءٌ تعيش بسياسةِ: "لاحقًا"، وأناسٌ من غير مظلات ولا صوت. وحين يأتي الماء، لا يواجه إلا الأضعف، لا لأن الطبيعة تختار ضحاياها، وإنما لأننا نحن من وضعناهم في خط النار ثم سمّينا ذلك "قدرًا". الفيضانات ليست غضب الطبيعة فقط، إنها محاضرُ اتِّهام. تدين التخطيط، وتفضح النسيان حين يتجمل بالشعارات، وتفضحنا نحن حين نبحث عن شمّاعة سماوية لأخطائنا الأرضية. في مديح المصداقية... كما يراها زعماء الأحزاب خرج زعماء الأحزاب هذا الأسبوع إلى المنصّات بوجوهٍ مشدودة، كأنهم ذاهبون لتشييع الحقيقة لا لتفسيرها. تخلّصوا من ربطات العنق، استقاموا أمام الميكروفونات، ثم رفعوا "المصداقية" إلى مستوى الشعار الوطني: كلمة تُقال بوقار، وتُصفِّق لها القاعة، ثم تُعلَّق بعد ذلك في الهواء مثل لوحةٍ جميلة لا أحد يعرف أين يضعها في البيت. كان المشهد مدروسًا: نبرةُ الواعظ، ثقة الخبير، وطمأنينة من يعرف أن الجمهور يسمع أكثر مما يحفظ. قال الزعيم الأول: "نحن حزب الكلمة الصّادقة"؛ قالها وكأنه يوقّع عقدًا مع الغيب، لا مع الناخبين. الكلمة عنده لا تحتاج شاهدًا سوى الكاميرا، ولا تحتاج تنفيذًا سوى إعادة البث. أما الواقع فملحقٌ اختياريّ، يمكن تأجيله إلى إشعار آخر. كان الزعيم الثاني عمليًا أكثر، قال: " نلتزم بوعودنا مهما كانت الظروف". ثم توقّف لحظة قصيرة، كأنه يفتّش في جيبه عن "الظروف" ليتأكد أنها جاهزة، مُفصّلة على المقاس، صالحة لتبرير كل انسحاب قادم. عنده الالتزام يشبه حزام الأمان: يلبسه المرء أمام الشرطة، ويفكّهُ حين تبدأ السرعة الحقيقة. أما الزعيم الثالث فاختار البلاغة الثقيلة: "المصداقية رأس مالنا السياسي"، وكان صادقًا بطريقةٍ ملتبسة: هي رأس مال بالفعل، لكنها من النوع الذي لا يُستثمر ولا يُصرَف ولا يظهر في أي كشف حساب، رأس مال رمزي يلمع في المؤتمرات ويختفي في الملفات. ثم انتقل الزعماء للحديث عن "خدمة المواطن"، فحوّلوا المواطن إلى ضيفٍ عابر في برنامجٍ تلفزيوني: يستقبلونه بابتسامة جاهزة، يطرحون عليه سؤالين محسوبين، ثم ينهون المشهد بشكرٍ سريع. لم يعاملوا المواطن شريكًا في عَقدٍ مُلزِم؛ جعلوه صورةً لامعة يلوّحون بها لإثبات حسن النية، ثم يضعونها في الأرشيف عند أول اختبار. وتحدّثوا عن "الالتزام الأخلاقي" ببرودٍ متعمّد، بينما دفعتهم عباراتهم إلى الاستعراض أكثر مما دفعتهم إلى الفعل. تلفّظوا بكلماتٍ مَلْساء تبحث عن أرضٍ ثابتة فلا تعثرُ إلا على منصّات مؤقتة: خشبٌ مصقول فوق فراغٍ أكبر من الوعود، وصوتٌ مرتّب يخفي وراءه هشاشة القَرار. المفارقة أن الجميع بدا صادقًا وهو يتحدث عن الصدق، وملتزمًا وهو يشرح معنى الالتزام، كأن السياسة ليست ممارسة بقدر ما هي تدريبٌ مسرحي طويل؛ يتقن فيه الممثل دور المواطن أكثر من المواطن نفسه. حتى الصمت كان جزءًا من السيناريو: صمتٌ محسوب، يترك للكاميرا مساحة لتصنع " لحظة إنسانية"، بينما الداخل يعرف أن اللحظات الإنسانية لا تُقاس بالدقائق وإنما بالقرارات. وفي الخارج، كان الناس يستمعون، لأنهم يريدون معرفة أي نسخة جديدة من الحقيقة ستُعرض هذا الموسم، وأي وعود ستُستهلك بسرعة وتنتهي صلاحيتها قبل أول احتكاك بالواقع. إذا كانت الأصوات الصادقة لا تموت، وإنما تغيّر مكانها، فهل نسمح لها أن تغيّرنا نحن أيضًا؟ ما قيمة "المصداقية" إن لم تتحول إلى قرارات تُحصّن المدن قبل المطر، وتُحصّن الناس قبل الخطاب؟ هل نتوقف عن طلب تفسيرٍ من السماء لما صنعته الأرض: خرائط مزيفة، مجارٍ مطمورة، ومسؤوليات تتراجع بخطوات محسوبة، أم نواصل إعادة إنتاج الحكاية نفسها كل موسم بلغة جديدة من الطّين؟ وأخيرًا: هل سنظل نحب الحقيقة مثل فكرة جميلة يتمّ ذكرها عند الحاجة... أم سنجرؤ على أن نَسْكُنها، ولو كلّفتنا الكثير؟ هل نريد أسبوعًا يمرّ بين نعشٍ وموجٍ وكلمةٍ تتأرجح... أم نريد كلمةً تستقيمُ لتُصبحَ فِعْلًا؟ لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.