منذ نهاية يناير والأيام الأولى من فبراير 2026، تعيش مناطق القصر الكبير وقرى تقع على ضفتي وادي اللوكوس ومناطق الغرب الممتدة على مسارات أنهار سبو والردم وورغة حالة غير مسبوقة من القلق الشعبي بسبب ارتفاع منسوب المياه والتهديد الواضح بوتيرة فيضانات خطيرة. مع ارتفاع منسوب مياه اللوكوس وقربه من تجاوز طاقة المجرى الطبيعي، بدأت السلطات المحلية في تنفيذ إجراءات وقائية عاجلة، من ضمنها بناء حواجز مؤقتة وتحريك فرق الإنقاذ لإجلاء السكان من المناطق المنخفضة، في مؤشر على خطورة الوضع الذي فاق قدرة البنية التحتية المحلية على الاستيعاب.
في القصر الكبير تحديدًا، تحوّل الوضع من مجرد ارتداد هيدروليكي لمياه الوادي بسبب ارتفاع منسوب المحيط الأطلسي، إلى حالة من الترقّب المقلق لدى السكان، خاصة مع قطع خدمات أساسية مثل حركة السير على الطرق الرئيسية نتيجة ارتفاع المياه، ما دفع بعض الجهات إلى وصف الوضع ب"الاستثنائي" وتوقع ذروة فيضانات قد تُحدث أضرارًا جسيمة في الأحياء المهمشة، وتأثيرات قد تمتد إلى المدن والقرى المجاورة. موسم استثنائي يربك منظومة التدبير التقليدية في السياق المركزي للأحداث، قدمت وزارة التجهيز والماء، بقيادة نزار بركة، يوم 04 فبراير 2026 تقريرًا تقنياً مفصلًا عن الوضع المائي في سد واد المخازن، وهو واحد من أهم السدود التي تأثرت بالتساقطات القياسية التي عرفها الموسم الحالي منذ شتنبر 2025. وأظهر هذا التقرير أن البلاد شهدت فائضًا كبيرًا في التساقطات مقارنة بالمعدل السنوي بنسبة تزاد عن 30%، وواردات مائية قياسية تجاوزت 8.7 مليار متر مكعب مع نسبة ملء للسدود تبلغ نحو 61.88% وارتفاع في مستويات التخزين إلى أكثر من 10.37 مليار متر مكعب، أرقام لم تشهدها البلاد منذ 2019. اللافت، وفقًا للتقرير الرسمي ذاته، أن سد واد المخازن تلقى وحده ما يقرب من 972.9 مليون متر مكعب من المياه بين شتنبر و04 فبراير، منها أكثر من 716.8 مليون متر مكعب خلال الأسبوعين الأخيرين فقط. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع مخزون السد إلى مستويات تجاوزت سعته الاعتيادية بنسبة 146.85% يوم 04 فبراير 2026، وهي نسبة تشكل ضغطًا هيدروليكيًا هائلًا على المنشأة. في محاولة لاحتواء هذا الضغط، شرعت الوزارة في عمليات تفريغ وقائي واستباقي للمياه، بلغت كمية التفريغ التراكمي نحو 372.9 مليون متر مكعب، في خطوة أعلنت عنها الوزارة كإجراء احترازي للحفاظ على سلامة المنشآت والحيلولة دون حدوث انهيارات كارثية في حقينة السد، في ظل توقعات باستمرار ارتفاع الواردات المائية خلال الأيام التالية. وقد أثارت هذه المعطيات التقنية المستقلة شكوكًا وتساؤلات لدى سكان المناطق المتضررة والمراقبين، لأن الوزارة بررت إجراءات التفريغ بأنها تدابير احترازية للحفاظ على سلامة السد في سياق توقعات بواردات تصل إلى حوالي 620 مليون متر مكعب إضافية وأنه من المتوقع وصول أقصى تصريف لمياه السد إلى نحو 1377 متر مكعب في الثانية، أي ما يعادل أربعة أضعاف المعدلات الحالية. كما أعدت الوزارة سيناريوهات هيدرولوجية محدّثة باستخدام قياسات كل ساعة بدل كل يوم، بهدف تحديد المناطق التي قد تتعرض للفيضانات ووضع خرائط لتنسيق تدخل الجهات المعنية. أين التواصل السياسي في لحظة أزمة؟ في خضم هذه الأزمة، انطلق حديث واسع بين المواطنين حول غياب واضح لنزار بركة، ليس عن معالجة الأزمة ذاتها، بل عن إطلالة إعلامية تشرح موقف الوزارة وخطواتها، في وقت يحتاج فيه الرأي العام إلى مستجدات فورية وتطمينات بشأن مستقبل الوضع. واعتبروا غيابه الإعلامي بأنه يشكّل مؤشر ضعف في التواصل الرسمي أمام حالة طوارئ وطنية مفترضة، وأن الوزارة تكتفي فقط بنشر بيانات تقنية بمعزل عن سرد خطة العملية والإجراءات العمومية بوضوح. وصلت هذه الانتقادات إلى البرلمان، حيث أثار بعض نواب الأمة أسئلة آنية لكن الفريق الحكومي رفض الاستجابة لطلبات مناقشة تطورات الوضع المأساوي للفيضانات في شمال وغرب البلاد، مُتحجّجا بالتزامه الحرفي بجدول الأعمال المبرمج، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب يوم الاثنين 2 فبراير الحالي. وفي الوقت نفسه، تقول البلاغات الرسمية إن وزارة التجهيز والماء تعمل بشكل وثيق مع وكالات الأحواض المائية والسلطات المحلية منذ أسابيع لمتابعة حالة السدود والمنشآت المائية على مدار الساعة، مستندة إلى فرق تقنية وأطر متخصصة. إلا أن تلك الجهود التقنية، رغم أهميتها، لا تبدو كافية لتحويل التوقعات العلمية إلى تواصل مباشر مع المواطنين المعنيين بالأمر، مما يفاقم إحساسهم بالإحباط تجاه الإدارة المركزية. من جهة أخرى، فإن واقعة ارتفاع منسوب مياه الأنهار، خاصة اللوكوس والسبو، في سياق تغيرات مناخية غير مسبوقة وفائض هيدرولوجي قياسي، تكشف هشاشة البنى التحتية الحالية، وطرح تساؤلات جدية حول نهج التخطيط المائي الوطني وقدرته على التنافس مع التحديات المناخية، خصوصًا في مناطق الغرب والشمال الغربي التي تشهد كثافة سكانية وتمدّنًا سريعًا. وقد أشار خبراء بيئيون إلى أن هذه الظاهرة ليست مجرد حدث موسمي، بل نتيجة تراكمية لطبيعة مناخية متقلبة تتطلب مراجعة جذرية للاستراتيجيات المائية والسياسات العمومية في تدبير الموارد والخطر المناخي، بما يتجاوز الأنماط التقليدية للسدود والتفريغ الوقائي. تعطيل بناء الثقة بين الموطن والمؤسسة في الحقيقة، يشكل تدبير الفيضانات في المغرب اختبارًا صعبًا للسياسات العمومية الحديثة في مواجهة ديناميكيات المناخ المتغيرة. فالبيانات الرسمية تؤكد زيادة هائلة في الواردات المائية، وارتفاعًا في مستويات التخزين والسدود، مع تبني الوزارة لإجراءات التفريغ الوقائي والتحسينات التخطيطية، إلا أن واقع التنفيذ والتواصل لا يزال متأخرًا مقارنة بالاحتياجات الميدانية للساكنة المتضررة، وهو ما فتح الباب أمام انتقادات لاذعة سواء من المواطنين أو من بعض النواب الذين طالبوا بمناقشة برلمانية ملحّة حول الموضوع. هذا المزيج بين الأرقام التقنية والانتظارات الشعبية، يرسم صورة مركبة لأزمة فيضانات ليست تقليدية فحسب، بل اختبار لجدارة وزارة التجهيز والماء في إدارة المخاطر والأزمات، خاصة في محيط مناطق كالقصر الكبير وسواحل الغرب التي تتقاطع فيها ضغوط هيدرولوجية مع تحديات عمرانية واقتصادية واجتماعية. ومع ذلك، يبقى تحدي التواصل المؤسسي الفعال والشفافية في تقديم المعلومات أحد الجوانب الناقصة التي تعطل بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلامة السكان وممتلكاتهم في مواجهة أحداث مناخية استثنائية.