في أجواء طبعتها "خطب وداع" مفعمة بالثقة والاعتزاز، احتضنت مدينة الجديدة، مساء السبت، أشغال المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تميز بكلمة توجيهية شاملة لعزيز أخنوش، أعلن فيها طي صفحة رئاسته للحزب التي دامت عشر سنوات، فاتحا المجال أمام قيادة جديدة لمواصلة المسار. تغليب "الإنساني" على "السياسي" اختار عزيز أخنوش أن يستهل كلمةَ ختام مساره على رأس "الحمامة" بالحديث بصفته الإنسانية قبل السياسية، واصفا اللحظة بأنها "تختزل مسارا طويلا من التجربة والمسؤولية". وفي رسالة وداع مؤثرة وجّهها للمؤتمرين والمؤتمرات، أكد أخنوش أنه يُسلّم المشعل اليوم وهو "مطمئن إلى أن الحزب في أيدٍ أمينة"، مشددا على أن قوة التنظيم تكمن في كفاءاته وطموح مناضليه، وليس في "الزعامات الخالدة"، بتوصيفه. وتابع "زعيم التجمعيين" وصاياه للمناضلين والحاضرين للمؤتمر الاستثنائي ب"الوفاء للضمير". وقال بهذا الخصوص: "أؤكد أن هدفي لم يكن يوما البحث عن المواقع أو الصفات، بل تأدية الواجب بما يمليه عليّ ضميري". وشدد على أنه قاد حزب "الحمامة" مستنيرا بالرؤية الملكية، موصيا ب"ضرورة الالتزام التام والتفاني في العمل تحت توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، والاستنارة برؤيته المتبصرة لما فيه خيرُ الوطن". أما عن "مواصلة الإصلاح"، فدعا المسؤول السياسي عينه إلى وضع الحزب دائما في وضعية تجعله "أكثر قدرة على مواصلة الإصلاح وأكثر تواصلا مع المجتمع". "وقد قلت منذ اليوم الأول، وما زلت أؤمن بذلك اليوم أكثر من أي وقت مضى: لا عدوّ لنا سوى الفقر والهشاشة. لأن معركتنا الحقيقية لم تكن يوما ضد أشخاص أو تيارات، بل كانت ضد الإقصاء، وضد الحرمان، وضد كل ما يمس كرامة المواطن المغربي". وعاد أخنوش إلى "أولى مسؤولياته" في جماعة تافراوت، قائلا للمؤتمرين: "نظرْتُ إلى السياسة كوسيلة لمنح التنمية، لا لبناء مجد شخصي زائل. هكذا تربّيتُ، وهكذا تعلمت، في ظل رجل وطني خالص، هو والدي أحمد أولحاج رحمه الله، الذي غرس فيَّ معنى الالتزام، وحب الوطن وربط المسؤولية بالأخلاق، والعمل بالصدق". رهان القيادة الجديدة في خطوة تعكس "سلاسة" الانتقال الديمقراطي داخل الحزب، عبّر أخنوش عن ثقته الكاملة في قدرة خَلَفِه، محمد شوكي، على قيادة الحزب "بمسؤولية وتوافق خلال المرحلة المقبلة"، بتعبيره. ودعا "جميع الأحرار" إلى "مدّ يد المساعدة له" و"الالتفاف حول القيادة الجديدة بالقناعات والالتزامات نفسها التي طبعت المرحلة السابقة"، مؤكدا أن قرار عدم السعي لولاية ثالثة هو "قرار جدي ومُفكَّر فيه بعمق" لاحترام القوانين ومبادئ الديمقراطية الحزبية. حصيلة عقد في كلمته المطولة التي دامت نحو ساعة، لم يفت عزيز أخنوش استعراضُ "المحطات المفصلية" التي عاشها الحزب منذ أكتوبر 2016 (تاريخ المؤتمر الذي شهد صعوده رئيسا حينها) مؤكدا أن "العمل الحزبي الجاد هو أساس الممارسة الديمقراطية السليمة". واستدعى "رئيس التجمعيين" مختلف المسارات التي شكلت هوية الحزب الجديدة: "مسار الثقة: الذي ولد من نبض الميدان والإنصات للمواطنين حول أولويات الصحة، التعليم، والتشغيل"، ثم مبادرة "100 يوم 100 مدينة: التي مكنت الحزب من فهم إكراهات الحياة اليومية في المدن الصغرى والمتوسطة"، وصولا إلى "مسار الإنجازات: الذي تُوّج ببرنامج انتخابي واقعي نال ثقة المواطنين في استحقاقات 2021 ليقود الحزب الائتلاف الحكومي". "بصمة تاريخية" في العمل الحكومي لم يفت رئيس حزب "الأحرار" التذكير بالمنجزات الحكومية تحت قيادته، معتبرا أن "التاريخ سيسجل بالفخر مساهمة الحزب في تعزيز أسس الدولة الاجتماعية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك". كما أشار إلى نجاح الحكومة في تنزيل التغطية الصحية الشاملة كحق مكفول للجميع، وتنفيذ نظام الدعم الاجتماعي المباشر القائم على الإنصاف والكرامة، فضلا عن منجزات الحوار الاجتماعي كرافعة للاستقرار وبناء الثقة مع الفرقاء الاجتماعيين والنقابيين. الجاهزية لاستحقاقات 2026 في سياق تنظيمي استشرافي، أوضح أخنوش أن انعقاد هذا المؤتمر الاستثنائي يهدف إلى جعل الحزب في "أتم الجاهزية" للاستحقاقات التشريعية المقبلة سنة 2026. ونوه إلى أن "تمديد ولاية هياكل الحزب وأجهزته جاء لضمان الاستمرارية وتوحيد الصفوف في ظل المدة الزمنية القصيرة التي تفصل عن الانتخابات"، معربا عن يقينه بأن "الحزب سيواصل لعب دوره في الصدارة". "إننا اليوم لا نعيش انسحابا من الالتزام، بل انتقالا هادئا ومسؤولا يفتح الطريق أمام جيل جديد من القيادة ويمنح الحزب نفسا جديدا"، يجمل عزيز أخنوش حديثه ومساره من الجديدة.