إلى بشير قمري هناك في جنته: «... فقط الفكرة هي التي تعيش، فقط الحقيقة العظمى تنمو وتزدهر، والحقيقة لا يمكن أن تموت، إنها تمر في البشر من قلب رجل إلى قلب رجل آخر.» – مارتن لوثر كينغ جونيور. «بشير قمري» واحد من الأساتذة الذين تركوا الأثر البليغ في نفسي، كنت أعتبره قدوة ولا أزال. وقد شاءت الأقدار أن يكون أستاذي لموسمين جامعيين؛ كانت محاضراته في الأول عن تحليل الخطاب الروائي من خلال نموذج رواية «الغربة واليتيم» للعروي. وفي الموسم الثاني، حاضر لنا عن التناص تنظيرًا ودراسة من خلال كتاب «التجليات» للغيطاني. وإمعانًا مني في توطيد علاقتي به، سجلت اسمي في بحث الإجازة في الرواية تحت إشرافه، وكان هو من اقترح علي موضوع البحث: «المتخيل في الرواية المغربية المعاصرة – رواية "الأبله والمنسية وياسمين" للميلودي شغموم نموذجًا». الرواية التي لا زلت لحد الآن مأخوذًا بأجوائها الفانتاستيكية، وأبعادها العميقة؛ البطل وهو شاب يتابع دراسته بالباكالوريا، كان هو من طلب من جدته أن تحكي له حكاية الأبله مع مدينة المنسية، وفعلت، ثم توجه بنفس الطلب إلى الجد بعد وفاة الجدة، وقد فعل، لكن قدر الحكاية أن تختلف من حاكٍ إلى آخر، فقد اختلفت الحكايتان في الكثير من التفاصيل؛ منها نشأة الأبله، وكيفية تمكنه من حكم المنسية، لكنهما اتفقتا حول ما عانته المنسية من ظلمه وجبروته. وكان أن عثر البطل على عنوان بمدينة المنسية لفتاة بإحدى صفحات التعارف؛ فالتقطه وراسل صاحبته «ياسمين»، وبعد مدة قرر السفر إلى المنسية للقائها، وإني لأحفظ له تلك الحيرة التي غمرته، وهو يبحث عن عنوان «ياسمين» بشارع الأبله، فقد أخبروه أن هناك منسيات متفرقة في مشارق البلاد ومغاربها، وعليه أن يحدد منسيته بين كل هذه المنسيات، لكنه عندما لاحظ أن معالم المنسية التي يزورها طابقت ما جاء في حكاية الجدة والجد عن الأبله، قال قولته الخالدة: «لكل منا منسيته، هذه منسيتي حقًا، فلماذا يحاولون تضليلي؟». تكرَّرت لقاءاتي بالقمري، أصبحت أتتبع أخباره، وأقرأ مقالاته بشغف، كانت تعجبني لغته وهو ناقد، لغة تأبى إلا أن تحتفظ برونقها، نكايةً بلغة التنظير الجافة، وتعجبني لغته وهو مبدع، لغة جميلة أنيقة كصاحبها. كانت حصصه ممتعة غنية، وكان خلال محاضراته، وهو ذو الثقافة الواسعة، يخوض في هذا الموضوع أو ذاك، بما يناسب سياق المقال، ومنها؛ قوله لنا ذات مرة: «امرؤ القيس، شاعر ولكن ليس بفارس، عكس عنترة الذي جمع بين الشعر والفروسية»، صمت قليلاً ثم أضاف جوابًا على سؤال لم نطرحه: «عنترة ما كان ليعقر فرسه للعذارى، كما فعل امرؤ القيس، الفارس الحقيقي لا يتخلى عن مطيته». طالما تذكرت هذه الإشارة، وكنت كلما عنَّ لي شعر لعنترة تراءى لي امرؤ القيس، وكلما صادفت شعرًا لهذا الأخير، تذكرت الأول، فأدرك أبعادًا أخرى ورسائل كان الأستاذ يبعثها إلينا؛ ومنها أن الفعل أبلغ من القول وأبقى، فقد قال امرؤ القيس القول الكثير في الفرس، وخصه بأوصاف شتى بقيت خالدة، لكنها ظلت أوصافًا مادية، جعلت من الفرس مجرد وسيلة لقيد الأوابد، وبلوغ المآرب وهو الوصف الذي استهجنته زوجته «أم جندب» وحكمت لخصمه «علقمة الفحل» في الواقعة المشهورة. أما «عنترة»، فقد ارتقى تعامله مع الفرس ليلامس الروح، فكان لا يذكر اسمه إلا مقرونًا باسم فرسه «الأدهم»؛ اعترافًا منه ببلائه فيما يحرزه من انتصارات، يعاني ما يعانيه، ويكابد ما يكابده، ولعل بيته: لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي يكفي الكثير من القول عن علاقة العطف والرأفة التي جمعت عنترة بفرسه، تلك العلاقة التي أدركها «بشير قمري»، واستخلص منها حكمه الطريف. ولعل في قصة المقارنة بين عنترة وامرؤ القيس، إشارة إلى أولئك الذين يدَّعون ما ليس فيهم، ويُروج لهم البعض عن جهل مرة، أو عن تملق وتزلف مرات أخرى. -باحث من المغرب