لماذا تفشل بعض المقاولات في تدبير لحظة إنهاء علاقة الشغل؟ لا تقاس مهنية المقاولات فقط بقدرتها على استقطاب الكفاءات، بل كذلك بطريقة تدبيرها للحظة مغادرتهم. فبين التوظيف والانفصال المهني تختبئ إحدى أكثر اللحظات حساسية داخل علاقة الشغل، لحظة تبدو في ظاهرها بسيطة: الاستقالة. غير أن التجربة العملية والاجتهاد القضائي يكشفان أن هذه اللحظة بالذات تعد من أكثر مراحل العلاقة المهنية إنتاجا للنزاعات، وأكثرها قابلية للتحول من إجراء إداري عادي إلى ملف قضائي معقد. في ندوة علمية احتضنتها الكلية القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال – الرباط، نظمها قسم علوم التدبير وماستر تدبير الموارد البشرية، طُرح سؤال جوهري: لماذا تتحول الاستقالة في بعض الحالات إلى نزاع شغلي؟ الاستقالة بين النص القانوني والفراغ التدبيري مدونة الشغل المغربية لم تمنح الاستقالة تنظيما تفصيلياً واكتفت بإشارات مقتضبة ضمن المادة 34، دون تعريف دقيق أو إطار إجرائي شامل. هذا الفراغ النسبي لم يكن مجرد مسألة تقنية، بل فتح المجال أمام ممارسات مهنية متباينة، جعلت من الاستقالة أحيانا وسيلة ضغط، وأحيانا أداة للتحايل، وأحيانا أخرى نتيجة لسوء فهم العلاقة المهنية. هنا لا يكفي السؤال التقليدي: ماذا يقول القانون؟ بل يجب طرح السؤال الأعمق: كيف يُدبر القانون داخل المقاولة؟ الإكراه على الاستقالة: عندما تتحول الإرادة إلى واجهة شكلية من أبرز مظاهر اختلال تدبير الاستقالة، هي تحويلها من تعبير حر عن الإرادة إلى نتيجة لضغط مباشر أو غير مباشر. فالإكراه لا يظهر دائما في صورة تهديد صريح، بل قد يتخذ أشكالا أكثر تعقيدا (تضييق مهني، عزل وظيفي، نقل تعسفي، تحميل مهام غير قابلة للإنجاز، أو خلق مناخ مهني طارد). وقد كرس القضاء المغربي توجها واضحا، مفاده أن الاستقالة التي لا تصدر عن إرادة حرة وسليمة تفقد قيمتها القانونية، ويمكن إعادة تكييفها كفصل تعسفي مقنّع، بما يترتب عن ذلك من آثار مالية وقانونية مهمة. هنا لا نتحدث فقط عن خلل قانوني، بل عن فشل في حكامة الموارد البشرية. مسؤولية الأجير... الوجه الآخر للمعادلة في المقابل، لا يمكن اختزال النقاش في منطق حماية طرف واحد. فالعدالة الشغلية تقوم على التوازن، فحين يُسيء الأجير استعمال حقه في الاستقالة، عبر مغادرة مفاجئة أو عدم احترام أجل الإخطار أو إلحاق ضرر فعلي بسير المقاولة، فإن مسؤوليته المدنية قد تقوم وفق قواعد الخطأ والضرر والعلاقة السببية. والرهان الحقيقي ليس الانحياز لأي طرف، بل ضمان توازن العلاقة المهنية. من رد الفعل إلى ثقافة الوقاية تظهر الممارسة أن أغلب النزاعات لا تنشأ بسبب نقص النصوص القانونية، بل بسبب غموض المساطر الداخلية، ضعف التوثيق، وغياب رؤية تدبيرية للحظة الانفصال. فالمقاولات التي تعتمد مساطر واضحة وتدبيرا حواريا للاستقالة نادرا ما تجد نفسها أمام المحاكم، بينما تلك التي تختزلها في إجراء إداري سريع غالباً ما تتحمل كلفة نزاعات طويلة. خلاصة القول، أن الاستقالة ليست نهاية علاقة شغل فقط، بل اختبار حقيقي لمدى نضج التشريع، ومهنية إدارة الموارد البشرية، وحكمة القرار داخل المقاولة.، فإذا كان القانون يضع الإطار، فإن طريقة التدبير هي التي تصنع الفارق بين نهاية مهنية متوازنة ونزاع شغلي مفتوح. -باحث وخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية – مستشار اجتماعي وقانوني