من فضيحة إبستين إلى الحرب على غزة: كيف ينهار الادّعاء الأخلاقي الغربي؟ لم يسقط الغرب أخلاقياً لأن جريمة وقعت داخله، ولا لأن حرباً اندلعت خارجه، بل لأن الادّعاء الأخلاقي الذي بنى عليه هيمنته الرمزية انكشف على حقيقته عندما اصطدم بالمصلحة والنفوذ والتحالفات. فقضية جيفري إبستين، ثم الموقف الغربي من الحرب على غزة، لم يكونا حدثين منفصلين، بل لحظتين كاشفتين لبنية واحدة: بنية تقدم القيم خطاباً، وتعطّلها ممارسةً متى اقتربت من دوائر القوة. لفترة طويلة، لم يكن تفوّق الغرب قائماً على الاقتصاد أو السلاح وحدهما، بل على احتكاره لتعريف ما هو أخلاقي، وما هو إنساني، وما هو قانوني. كان هذا الاحتكار يمنحه سلطة ناعمة هائلة، تسمح له بتصنيف الدول، ومحاسبة الأنظمة، وتوجيه الرأي العام العالمي من موقع المرجعية القيمية. غير أن هذه المرجعية بدأت تتآكل حين تبيّن أن المعايير المعلنة لا تُطبَّق إلا انتقائياً، وأن الخطاب الأخلاقي يتحول إلى أداة سياسية لا إلى مبدأ ملزم. وقد تجلّى هذا التآكل بوضوح في قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، التي تفجّرت على مراحل منذ منتصف العقد الماضي، قبل أن تبلغ ذروتها القضائية عام 2019، والتي عادت اليوم لتصدّر المشهد الإعلامي العالمي بعد تسريبات جديدة كشفت عن أبعاد أكثر شناعة. فجيفري إبستين، الذي راكم ثروة ضخمة وعلاقات وثيقة مع شخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية نافذة في الولاياتالمتحدة وأوروبا، وُجِّهت إليه اتهامات خطيرة تتعلق بإدارة شبكة لاستغلال القاصرات والاتجار الجنسي بهن داخل ممتلكاته الخاصة، وباستخدام نفوذه وعلاقاته لتأمين الصمت والحماية. الأخطر في القضية لم يكن فقط طبيعة الجرائم، بل المسار القضائي الذي رافقها: حيث تحقيقات مؤجَّلة، وصفقات ادعاء مخفَّفة بشكل غير مبرر، وشهادات تؤكّد علم أجهزة رسمية بما كان يجري دون تدخل حاسم. وعندما أُعيد اعتقال إبستين أخيراً، انتهت القضية بإعلان وفاته داخل زنزانته في ظروف وُصفت رسمياً بالانتحار، رغم كونه تحت رقابة مشددة. هذه النهاية لم تغلق الملف، بل فتحته على أسئلة أعمق تتعلق بحماية النخبة، وحدود العدالة، وقدرة النظام القضائي الغربي على محاسبة الأقوياء عندما يكون المتهم جزءاً من شبكة النفوذ نفسها. إن فضيحة إبستين شكلت أول شرخ عميق في هذه السردية. لم تكن الصدمة في الجريمة ذاتها على فظاعتها، بل في طول أمدها، وحجم التستّر عليها، وطبيعة المتورطين أو المحميين منها لسنوات. فقد جرى استغلال قاصرات داخل شبكة علاقات ضمّت سياسيين وماليين وإعلاميين في قلب دول تدّعي ريادة حقوق الإنسان. وحين انفجرت القضية، لم تتبعها محاسبة بحجم الجريمة، بل تسويات غامضة، وصمت مؤسسي، ونهاية عبثية داخل أكثر السجون تحصيناً دون تحقيق شفاف يقنع الرأي العام العالمي. هنا، لم يسقط شخص، بل سقط مبدأ "لا أحد فوق القانون" حين يقترب الاتهام من قمة الهرم. كان يمكن للغرب أن يتعامل مع إبستين بوصفها فضيحة إصلاح ذاتي، لو توفّرت الإرادة السياسية لكشف الشبكات، ومحاسبة المتورطين، وإعادة الاعتبار للضحايا. لكن ما تلا ذلك في غزة نقل الأزمة من مستوى النفاق الداخلي إلى التواطؤ الخارجي المكشوف. فمع اندلاع الحرب، وجد الخطاب الغربي نفسه أمام اختبار حقيقي: هل القيم التي ترفع شعارات تُطبَّق حين يكون المنتهِك حليفاً استراتيجياً؟ في هذا السياق، جاءت الحرب على غزة بوصفها الاختبار الأكثر قسوة ووضوحاً لخطاب القيم الغربية خارج حدودها. فمنذ اندلاع العمليات العسكرية، دخل القطاع في واحدة من أعنف الحروب في تاريخه الحديث، اتسمت بكثافة نارية غير مسبوقة، واستهداف واسع للأحياء السكنية، وتدمير ممنهج للبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. كما رافق ذلك فرض حصار شامل بمنع دخول الغذاء والدواء والوقود، ما حوّل الكارثة الإنسانية إلى سياسة معلَنة لا مجرد نتيجة جانبية للحرب، وأعاد إلى الواجهة مفاهيم كان يُفترض أن تكون من المحرّمات في القانون الدولي المعاصر، مثل العقاب الجماعي والتجويع كسلاح. ومع توالي الأسابيع، ارتفعت أعداد الضحايا بشكل صادم، وكانت الغالبية الساحقة من المدنيين، بينهم آلاف الأطفال والنساء، وفق أرقام صادرة عن مؤسسات أممية ومنظمات دولية مستقلة. هذه الوقائع لم تكن خافية، ولم تكن محل خلاف مهني واسع، بل وُثِّقت بالصوت والصورة، ونُقلت عبر وسائل إعلام عالمية، بما في ذلك منصات غربية كبرى. ومع ذلك، ظل التعامل الغربي الرسمي معها متردِّداً أو مبرِّراً أو صامتاً، بل وصل في حالات كثيرة إلى تعطيل آليات المساءلة الدولية، واستخدام أدوات سياسية وقانونية لحماية الطرف الأقوى من أي محاسبة جدية. عند هذه النقطة، لم تعد القضية متعلقة بتباين في التقدير، بل بانكشاف فجّ لانفصال الخطاب الأخلاقي عن الممارسة الفعلية حين يتعلق الأمر بحليف استراتيجي. هنا لم يعد الحديث عن ازدواجية معايير عابرة، بل عن انهيار معيار واحد جامع. ففي ساحات أخرى من العالم، يُستدعى القانون الدولي بسرعة، وتُفرض العقوبات، وتُرفع شعارات حماية المدنيين، وتُفعل المحاكم. أما في غزة، فيُعاد تعريف المفاهيم ذاتها، ويُمنح القتل غطاءً لغوياً، ويُصبح الحصار "إجراءً أمنياً"، وتُعلَّق القواعد إلى أجل غير مسمى. هذا التباين الفجّ لم يعد خافياً على الرأي العام العالمي، ولا على شعوب الجنوب التي لطالما كانت هدفاً للوعظ الأخلاقي الغربي. إن الخطير في هذا المسار ليس فقط أنه كشف النفاق، بل أنه قوّض ما تبقى من الشرعية الأخلاقية للنظام الدولي. فحين يرى العالم أن القانون لا يُطبَّق إلا على الضعفاء، وأن القيم تُستدعى أو تُدفَن بحسب الهوية السياسية للفاعل، فإن الالتزام بها يفقد معناه. وبهذا، لا يسقط الغرب وحده، بل تسقط معه الفكرة التي روّج لها لعقود: فكرة النظام العالمي القائم على قواعد مشتركة. إن الربط بين فضيحة إبستين وغزة ليس افتعالاً، بل تشخيص لمسار واحد. في الحالة الأولى، تبيّن أن النخبة محصَّنة داخلياً من المحاسبة. وفي الثانية، تبيّن أن الحليف محصَّن خارجياً من القانون. وفي الحالتين، كان الثمن هو الحقيقة، والضحايا، والمصداقية. لم يعد السؤال اليوم: هل الغرب قوي؟ بل: هل ما زال يمتلك حق الادّعاء الأخلاقي؟ إن الهيمنة الأخلاقية لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل حين يتكرّس الانفصال بين الخطاب والممارسة، وحين تصبح القيم شعارات يُستدعى بعضها ويُتجاهل بعضها الآخر بحسب المصلحة والنفوذ. وهذا ما حدث بالفعل. فالغرب ما زال يمتلك القوة، لكنه فقد شيئاً أعمق وأشد خطورة: القدرة على الإقناع. حين تفقد القوة قدرتها على الإقناع، تتحول إلى مجرد نفوذ عارٍ، يُطاع خوفاً لا احتراماً، ويواجه تشكيكاً لا ثقة. وما يزداد خطورة أن هذا الانفصال بين الخطاب والممارسة لم يعد محدوداً بحالات فردية أو جغرافية بعيدة، بل أصبح يعكس نموذجاً مؤسسياً للسلطة الغربية، حيث تحتكر الأخلاق وترفع شعارات العدالة والمساءلة، بينما تمارس النقيض خلف الستار، سواء داخلياً أو خارجياً. هنا يكمن السقوط الحقيقي، ليس في تراجع القوة الاقتصادية أو العسكرية، بل في انهيار مصداقية الادّعاء الأخلاقي، الذي كان الأساس الرمزي للهيمنة الغربية لعقود. وفي الختام، يوضح هذا المسار أن العالم لم يعد يقبل أن يُدار بمعايير مزدوجة، ولا أن تحتكر الأخلاق من طرف يمارس نقيضها حين تمس مصالحه. وفي ظل هذا الانهيار الرمزي، يصبح السؤال الأصعب: هل يمكن لأي نظام دولي أن يستعيد شرعيته الأخلاقية إذا فقدت قاعدته الأولى، وهي الثقة والاحترام العالمي؟ هذه المعضلة، أكثر من أي خسارة عسكرية أو اقتصادية، تشكل جوهر الأزمة التي كشفها كل من إبستين وغزة معاً، وتوضح أن السقوط الأخلاقي ليس حدثاً عرضياً، بل مسار طويل الأمد لتآكل المصداقية على أعلى مستويات القوة والنفوذ.