من تَلفَتْ صورته فليترقَّع بالسّلفي – الذات: مللتُ منك... مللتُ من صورتي فيك. كلما رفعتُ ذراعي، شعرتُ أنني لا أقترب من نفسي، بل أبتعد. – الصوت الداخلي: أو لعلّك تقترب أكثر مما ينبغي... حتى صرتَ محاطًا بوجهك من كل الجهات، فلا ترى سواه. – الذات: غريبٌ هذا التحول... كنتُ أمدّ هاتفي إلى الآخر، فأخلق لحظةً مشتركة، رابطًا هشًّا لكنه إنساني. واليوم، أمدّه نحوي... كأنني العالم، وكأن الآخر قد تلاشى. – الصوت الداخلي: بل صار الآخر فيك... في نظراتك المتخيلة إليه. أنت لا تلتقط صورتك، بل تلتقط كيف تريد أن تُرى. – الذات (مترددة): "أنا أسيلفي إذن أنا موجود"... أهكذا صار الوجود؟ أيعقل أن غيابي عن الشاشة يساوي اختفائي؟ – الصوت الداخلي: في عالمٍ مشبعٍ بالصور... نعم. العدم لم يعد صمتًا، بل عدم ظهور. – الذات: لكنني لا أعيش اللحظة... أصنعها. أعدّلها، أفلترها، أؤجل حقيقتها حتى تُناسبني. أصبحتُ خالقًا لنفسي... ديميورغًا رقميًا. – الصوت الداخلي (ساخرًا): أم أصبحتَ صانع وهمك؟ ألم تلاحظ أنك لم تعد تقول: "هذا كنتُ"، بل: "هكذا أريدكم أن تروني"؟ – الذات: نعم... أهرب من جسدي حين يخون أحلامي، وأبنيه من جديد داخل صورةٍ لا تتبخر. – الصوت الداخلي: لكنك تدفع ثمن ذلك... كل إعجابٍ جرعةُ وجود، وكل صمتٍ شكٌّ في أنك ما زلتَ هنا. – الذات (بقلق): أأنا أسيرُ نظرات الآخرين؟ هل وجودي معلقٌ بين قلوبٍ رقمية؟ – الصوت الداخلي: ألم تفهم بعد؟ أنت لا تنظر إلى المرآة... المرآة هي التي تنظر إليك، وتحكم عليك. – الذات: إذن هذه الحرية وهم؟ كنتُ أظن أنني أملك صورتي... – الصوت الداخلي: تملكها... بقدر ما تملكك. الخوارزميات لا تُجبرك، لكنها تعلّمك كيف ترغب. – الذات (منكسرة): أشعر بإرهاقٍ غريب... كلما قارنتُ نفسي بصوري... أو بصور الآخرين، ازداد نقصي وضوحًا. – الصوت الداخلي: لأنك تقارن واقعًا بزيفٍ متقن. لأنك تريد لجسدٍ زمني أن يطابق صورةً أبدية. – الذات (بصوت خافت): ومع ذلك... في بعض الصور، أجد نفسي حقًا. أرى تطوري، لحظاتي، فرحي... كأنني أكتب يومياتي بالضوء. – الصوت الداخلي: هنا تكمن المفارقة... السيلفي قيدٌ ونافذة، وهمٌ وشهادة. – الذات: لكنني أشعر أحيانًا أنني محبوس داخل إطار... شاشة صغيرة تختزل عالمي. – الصوت الداخلي: لأنك وسّطتَ علاقتك بالعالم عبر الصورة. صرتَ تلتقي الآخرين بعرض نفسك، لا بحضورك. – الذات: هل نحن إذن نعيش لنُصوَّر... لا لنحيا؟ – الصوت الداخلي: أحيانًا... نعم. وأحيانًا أخرى، نهرب من حياةٍ لم ترضنا، فنخلق أخرى داخل الصورة. – الذات (بحيرة): فما الخلاص؟ هل أتركك؟ أحذفك؟ أختفي؟ – الصوت الداخلي (بهدوء): ليس الحل في الهروب... بل في الفهم. – الذات: كيف؟ – الصوت الداخلي: اخفض ذراعك أحيانًا... دع العالم يدخل دون فلتر. انظر لا لكي تُرى، بل لكي ترى. – الذات: أن أكون حاضرًا... لا معروضًا؟ – الصوت الداخلي: تمامًا. أن تجعل الصورة أداة، لا سيدًا. أن تعود من نرجسيةٍ خوارزمية... إلى حضورٍ حي. – الذات (بصوت أكثر صفاءً): ربما... النظر في المرآة إنساني، لكن رفع العينين... أكثر إنسانية. – الصوت الداخلي: وهناك... خارج الإطار، خارج الإعجابات، تبدأ حريتك. – الذات (كمن يكتشف نفسه): لقد علّمني السلفي أن أرى نفسي... لكن عليّ الآن أن أتعلم كيف أرى العالم. – الصوت الداخلي (همسًا أخيرًا): ليس لتُرى فقط... بل لتوجد... هنا، والآن.