المغرب يحتل الرتبة 105 في مؤشر حرية الصحافة وسط استمرار التضييق ومحاولات إخضاع الإعلام            أحفورات بشرية عمرها 773 ألف سنة تضع الدار البيضاء في صلب النقاش العلمي العالمي    بورصة الدار البيضاء تفتتح على انخفاض    في تتبع لتداعيات التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط على الاقتصاد الوطني..        مناورات «الأسد الإفريقي 2026» بأكادير، تمرين متعدد الجنسيات يعزز تموقع المغرب كفاعل إقليمي.    بطولة إفريقيا للأندية للكرة الطائرة (رواندا 2026).. الفتح الرياضي يهزم الجيش الرواندي (3-1) ويتأهل لدور الربع    فرحة أفغانية بعد السماح بالمشاركة الرسمية في كرة القدم    كندا تعزز، رغم أنف الجزائر، القائمة الطويلة للدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي:    الحكومة تواصل فتح الأوراش الإصلاحية الكبرى من خلال قانونين تنظيميين جديدين.    مصرع سيدة وإصابة آخر في حادثة سير بالدار البيضاء        تظاهرة بستان القصيد تخلد اليوم العالمي للشعر وتحتفي بالشاعر مراد القادري    منع الناشط عبد الصمد فتحي من السفر للمشاركة في "أسطول الصمود" يثير غضب مناهضي التطبيع    إيران: الحصار البحري يهدد أمن الخليج    صعود الدولار مع ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف من التضخم    تطبيق يواكب الحجاج المغاربة رقمياً    رسالة مفتوحة تكشف اتهامات بتجاوزات سياسية وقانونية بجماعة سيدي أحمد أموسى.    مهنيّو النقل يحذرون من تداعيات تغيير طريقة صرف دعم المحروقات ويدعون لفتح حوار مع الحكومة    1000 متبرع لدعم الأنشطة الرياضية لأطفال ورزازات    حوار اجتماعي بجامعة السلطان مولاي سليمان يفضي إلى اتفاقات لتحسين أوضاع الموظفين وتعزيز الحريات النقابية    "البارومتر الاجتماعي 2025".. تقرير للكونفدرالية الديمقراطية للشغل يكشف تصاعد القلق الاجتماعي وتراجع الثقة في ظل أزمة معيشية خانقة    الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب: الحصيلة الحكومية لم تُترجم إلى تحسن فعلي في أوضاع النساء    وزارة الخارجية الأمريكية: توقيع المغرب على اتفاقيات "أرتميس" يجسد "متانة التحالف" بين الرباط وواشنطن    كيوسك الخميس | المغرب يضاعف عدد جامعاته من 12 إلى 25 لتعزيز العدالة المجالية    سكان المدينة العتيقة بالدار البيضاء يحتجون ضد قرارات الهدم أمام الوكالة الحضرية    حرية الصحافة العالمية في أدنى مستوياتها منذ ربع قرن.. وتحذير من استهداف "ممنهج" للصحافيين في أمريكا    إسرائيل تعترض سفن "أسطول الصمود" قبل وصولها إلى غزة    إسرائيل تعترض "أسطول الصمود" وتستولي على 20 سفينة وتعتقل 175 ناشطا    القنيطرة.. إلقاء القبض على الشخص الذي ظهر في فيديو يحاول قتل رجل بأداة حادة    سعر النفط يتجاوز 125 دولارا للبرميل    ترامب يدرس توجيه ضربة سريعة لإيران    الأمم المتحدة: الحرب على إيران قد تدفع أكثر من 30 مليون شخص إلى الفقر    شوكي: جميع فرق الأغلبية أقرت تحملها للحصيلة الحكومية في شموليتها ودون أي تجزئة    الأمن يوضح حقيقة اختفاء سائحة إسكتلندية: غادرت الفندق طوعا وهي في وضع عادي    أكاديمية المملكة تستحضر إسهامات الراحل موديمبي في إعادة قراءة إفريقيا    أرسنال يتعادل مع أتلتيكو مدريد في ذهاب نصف نهائي "أبطال أوروبا"    "الماص" يقسو على الحسنية برباعية        أغنية "ليلة الوداع"للنجم عبد الحفيظ الدوزي تتصدرالطوندونس الغنائي المغربي    حصيلة النشر والكتاب بالمغرب سنة 2025.. أزيد من 7 آلاف إصدار جديد و"الأدب" يتصدر    فلسطينيات بلمو وأجماع في ضيافة إعدادية ابن ياسين    4 أفلام ومشاريع مغربية في "كان 2026"    سدس عشر كأس العرش يدخل أجواء الإثارة بمواجهات مفتوحة على كل الاحتمالات    النصب يستهدف مسرح محمد الخامس    عبد الرحيم العطري يُسَائِلُ "أنثروبولوجيا السوق والتسوق"    رسميا.."الفيفا" يرفع المنح المالية للمنتخبات المشاركة في مونديال 2026    تافراوت : أمام رئيس الحكومة…عرض تفاصيل أول خطة ذكية على الصعيد الوطني لمواجهة انتشار الكلاب الضالة.    هذه أسرار اللحظات الأخيرة بعد الموت السريري    المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل تسبب 840 ألف وفاة سنويا في العالم    دراسة: تناول الإفطار يساعد في اكتساب المرونة النفسية    دراسة علمية تحذر من خطورة المكملات الغذائية للأطفال                بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إسهال الفتاوى
نشر في هسبريس يوم 22 - 04 - 2026

لم يَعُدْ ما يحدث في مجال الفتوى مجرّد تحوّل عابر يمكن احتواؤه داخل تطوّر وسائل الاتصال، بل نحن أمام انتقال فعلي في طبيعة الخطاب الديني نفسه، انتقال يضعه كتاب "الفقيه لي نتسناو براكتو" تحت مجهر نقدي صارم، يكشف من خلاله كيف فقدت الفتوى تدريجياً شروطها المعرفية، وانزلقت إلى منطق التداول السريع، حيث تُنتج كما تُنتج باقي المواد الرقمية، وتُستهلك وفق معايير الجذب لا معايير الفهم.
اللافت في هذا العمل أن مؤلفه الأستاذ عبد العزيز سعدي لا يلجأ إلى إطلاق أحكام جاهزة، بل يراكم الوقائع، ويلتقط التفاصيل، ويعيد تركيب المشهد بهدوء ظاهري يخفي نقداً عميقاً، إذ يبيّن كيف لم تعد الفتوى مرتبطة بسؤال مضبوط داخل سياق علمي، بل صارت جواباً فورياً على أسئلة عابرة، تُطرح في فضاءات مفتوحة، ويُجاب عنها بالسرعة نفسها، دون تحقق من شروطها أو مآلاتها، وهو ما يعني أن الزمن الذي كان جزءاً من صناعة الحكم الفقهي قد أُلغي لصالح لحظة النشر.
هذا التحول لا يقف عند حدود الشكل، لأن جوهر الخطاب نفسه تغير؛ حيث يتراجع التعقيد لصالح التبسيط المفرط، وتُختزل قضايا مركبة في جمل قصيرة حاسمة، تُقدَّم بصيغة يقين لا تقبل النقاش، رغم أنها في الأصل مرتبطة بسياقات متعددة. وهنا يكمن الخلل؛ إذ يتحول الفهم إلى وهم، ويصبح الجواب السريع بديلاً عن المعرفة المتدرجة.
الكتاب يشتغل على وقائع لا يمكن إنكارها، إذ يستحضر لحظات مثل جائحة كورونا وزلزال الحوز والنقاشات المرتبطة بمدونة الأسرة، وهي سياقات كشفت كيف اندفع الخطاب الديني إلى واجهة النقاش العمومي بسرعة لافتة، وأحياناً دون امتلاك أدوات الإحاطة، وهو ما جعل الفتوى تدخل في سباق مع الأحداث بدل أن تواكبها بتحليل رصين. وهذه النقطة وحدها كافية لإدراك حجم التحول الذي يرصده العمل.
أخطر ما يلتقطه الكتاب هو ما يسميه "التدين الاستعراضي"، حيث لم تعد الممارسة الدينية شأناً خاصاً أو حتى جماعياً مضبوطاً، بل صارت عرضاً رقمياً مفتوحاً، تُنتج فيه منشورات جاهزة تدعو إلى صيغ متكررة من الذكر، وتُتداول رسائل جماعية تكتفي بالتذكير الشكلي، وتنتشر وصفات دينية سريعة تعد بنتائج فورية، دون سند علمي واضح، في مشهد يختزل الدين في محتوى قابل للمشاركة.
هذا النمط لا يبقى داخل الشاشة، بل يتسرب إلى الحياة اليومية، حيث يعيد الأفراد إنتاجه في مناسباتهم الاجتماعية، كما في المثال الذي يورده الكتاب عن شخص تحوّل داخل حفل عائلي إلى واعظ، دون مقدمات أو سياق. وهو مشهد يبدو بسيطاً لكنه يكشف تحوّلاً عميقاً، لأن الخطاب الديني لم يعد مرتبطاً بمؤسسات أو فضاءات محددة، بل صار سائلاً ينتقل بلا ضوابط بين الأفراد.
في مستوى أكثر حساسية، يرصد العمل تحوّل بعض الخطابات إلى أدوات ضغط اجتماعي، حيث يتم التدخل في تفاصيل الحياة الخاصة، خاصة ما يتعلق بالنساء، عبر خطاب يقيني يفرض نمطاً واحداً من السلوك، ويعتبر الاختلاف خروجاً عن الجماعة، وهو ما يحوّل الفتوى من وظيفة إرشادية إلى أداة رقابية تشتغل داخل المجتمع بغطاء ديني.
ولا يتوقف التحليل عند هذا الحد، إذ يكشف الكتاب كيف تُبنى هذه الخطابات، حيث يعتمد بعض الفاعلين على لغة مبسطة ومباشرة، لكنها مشحونة بالإثارة، قادرة على جذب الانتباه وتحقيق الانتشار، وهو ما يمنحها قوة تأثير كبيرة، حتى في غياب تأصيل علمي. في المقابل، يتراجع الخطاب الأكثر تماسكاً لأنه لا ينسجم مع إيقاع المنصات، وهذه مفارقة تعكس اختلال ميزان القيم داخل المجال.
النتيجة أن مفهوم الشرعية نفسه يتعرض لإعادة تشكيل، إذ لم يعد مرتبطاً بالكفاءة العلمية، بل أصبح رهيناً بالحضور الرقمي وعدد المتابعين، وهي معايير تمنح الأفضلية لمن يجيد صناعة المحتوى، لا لمن يمتلك أدوات الفهم، وهو ما يفتح الباب أمام تعدد الأصوات دون وجود معيار واضح للتمييز بينها.
العامل التقني يلعب دوراً حاسماً في هذا المسار؛ فالمنصات لا تكافئ الدقة، بل تكافئ التفاعل، وكلما كان المحتوى أكثر إثارة، ارتفعت فرص انتشاره، وهو ما يدفع نحو إنتاج فتاوى حادة أو مختزلة، لأنها الأكثر قابلية للتداول. وهنا تدخل الفتوى في منطق السوق، حيث تتحول إلى منتج يخضع لقواعد العرض والطلب.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على الجمهور، حيث يرصد الكتاب حالة من الارتباك الناتج عن تضارب الآراء وسرعة تداولها، إذ تتحول قضايا بسيطة إلى جدل واسع، لا بسبب أهميتها، بل بسبب طريقة عرضها، وهو ما يؤدي إلى تشتيت الانتباه وإضعاف الثقة في الخطاب الديني.
ورغم هذا التشخيص القاسي، لا يسقط المؤلف في التعميم، إذ يحافظ على مسافة تحليلية، ويتجنب الشخصنة، مركزاً على الأنماط والسلوكات، وهو اختيار يمنح العمل مصداقية، ويجعله أقرب إلى تفكيك ظاهرة منه إلى مهاجمة أفراد.
ولا يبدو أن الكتاب يقدم وصفة جاهزة للخروج من هذا الوضع، لكنه يضع القارئ أمام حقيقة واضحة: الفتوى لم تعد كما كانت، وما تغير ليس الوسيط فقط، بل طريقة إنتاج المعرفة الدينية وتداولها، وهو تحول يفرض إعادة التفكير في دور الفاعلين، وفي مسؤولية الجمهور، وفي حدود هذا الانفتاح الرقمي الذي أتاح الوصول، لكنه فتح الباب أيضاً أمام فوضى يصعب ضبطها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.