في ‬ظل ‬سياق ‬دولي ‬وإقليمي ‬واعد ‬ومشجع:‬    أخيرا ‬مشروع ‬قانون ‬تنظيم ‬مهنة ‬المحاماة ‬يدخل ‬مرحلة ‬التشريع ‬    انتخاب ‬محمد ‬ولد ‬الرشيد ‬رئيسا ‬لجمعية ‬مجالس ‬الشيوخ ‬في ‬إفريقيا ‬    مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة    كارتيرون يعبر عن خيبة أمله بعد الخسارة أمام المغرب الفاسي    طقس الاثنين.. تقلبات جوية وأمطار رعدية بعدد من مناطق المملكة    كيوسك الإثنين | امتحان رخصة السياقة تحت مراقبة الذكاء الاصطناعي        بريطانيا ترفض دعم الحصار الأميركي    لضمان سلامة الحجاج.. السعودية تُقر تدابير جديدة لتنظيم موسم حج 1447 ه    ترامب يهاجم البابا ويصفه ب"ليبرالي لا يؤمن بمكافحة الجريمة"    فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق    النفط يتجاوز عتبة ال100 دولار للبرميل    كرة القدم الغانية تحت الصدمة بعد مقتل لاعب في سطو مسلح    تصعيد نقابي في تارودانت.. مقاطعة تكوينات "الريادة" تكشف توتراً داخل المنظومة التربوية    الجيش الأمريكي يعلن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية انطلاقا من اليوم الاثنين    إيران تتحدى واشنطن.. أي تهديد لموانئنا سيجعل موانئ الخليج في مرمى الخطر        النفط يشتعل بعد التصعيد ضد إيران        المعرض الدولي للكتاب وسؤال: لمن نكتب    زلزال سياسي في أوروبا.. هزيمة مذلة ومفاجئة لأوربان حليف ترمب ونتنياهو في المجر    عصبة الأبطال الأفريقية.. صنداونز يحقق الفوز على مستضيفه الترجي التونسي    إيقاف مروّج مخدرات قوية ببني بوعياش في عملية أمنية ناجحة    الكرة الطائرة وإنجازات تاريخية جديدة لنادي العرائش    حملات دركية متتالية تسقط تباعا تجارا للمخدرات بإقليم الجديدة    الاطلس للثقافة و الابداع تكرم الشاعر سعيد التاشفيني في حفل انطلاقتها الرسمية بالجديدة    "الماص" ينتصر على الوداد في فاس    أنفوغرافيك | ⁨التحول الديموغرافي في المغرب.. صعود الأسرة النووية وتراجع الممتدة⁩    العيون تستعد لاستقبال وفود إفريقية    الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية تحذر من رسائل احتيالية باسم "نارسا" وتدعو المواطنين لليقظة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    ارتفاع أسعار اللحوم بأوروبا يربك المستوردين المغاربة قبل عيد الأضحى    ماري-لويز إيتا.. أول سيدة تستلم تدريب فريق للرجال في الدوريات الأوروبية الكبرى    حزب الاستقلال بوجدة يطلق منصة ذكية لتحليل آراء المواطنين    التشكيلي محمد منصوري الإدريسي يشارك في الدورة 14 من "طريق الحرير: ملتقى الفنانين" بالصين    حين تكتب الصدفة ما تعجز عنه الذاكرة ..    تحقيقات مشتركة تكشف تورط مستوردين مغاربة في تزوير منشأ السلع    وفاة أسطورة الغناء الهندي آشا بوسلي عن 92 عاما    المغرب يستضيف أسماءً عالمية بارزة في ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في علم التشريح المرضي    محمد المرابطي والفرنسية ناكاش بطلين لماراطون الرمال 2026    الصين ترتقي للمركز الرابع عالميا في مؤشر ثقة الاستثمار الأجنبي المباشر    رائد العلاج الجيني.. البروفيسور ميمون عزوز يتسلم أرفع جائزة بريطانية في تخصص الخلايا    ترامب يختار القتال المختلط للاحتفال بعيد ميلاده داخل البيت الأبيض    وزير التعليم يعد ب"صرف التعويضات" ويرفض إدماج التعليم الأولي.. FNE تسجل "المكاسب والمسكوت عنه".    استضافة جامعة ابن طفيل ل"سي مهدي" في موسم الامتحانات تشعل جدلا واسعا    باركنسون في المغرب.. معركة يومية مع الألم تتجاوز العلاج إلى الفن والأمل    صوت المرأة    المملكة المتحدة.. تكريم العالم المغربي ميمون عزوز نظير إسهاماته البارزة في مجال العلاج الجيني    مسؤولون محليون يتابعون تقدم مشروع مركز لإيواء الحيوانات الضالة في سوس بكلفة 26 مليون درهم    دار الشعر بتطوان تختتم عيد الكتاب    "حماة المستهلك" يطالبون بمنع بيع مشروبات الطاقة للقاصرين وفي محيط المدارس    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وداعا القائد المجاهد !
نشر في هسبريس يوم 30 - 05 - 2020

فور علمي بخبر وفاته صباح يوم الجمعة 29 ماي 2020 عن عمر يناهز 96 سنة، كتبت على صفحتي الشخصية بشكل عفوي: "الأشجار تموت واقفة في شموخ وكبرياء"، تجسيدا للشعور العميق بالحزن والأسى على رحيل الأستاذ المجاهد والقائد الملهم سي عبد الرحمان اليوسفي، آخر العمالقة السياسيين ببلادنا في القرنين العشرين والواحد والعشرين، وأحد أبرز رجالات الدولة الذين تركوا بصماتهم على صفحات تاريخ المغرب. ولم أكن الوحيد في التأثر بهذا الفقد الصادم، إذ سرعان ما غصت منصات التواصل الاجتماعي بصوره والإشادة بمناقبه...
وقد صدق المسرحي الإسباني "أليخاندرو كاسونا" في كتابة مسرحيته الشهيرة "الأشجار تموت واقفة"، التي أصبحت فيما بعد وعبر مرور الزمن ملهمة لعديد الأعمال الأدبية والفنية والسياسية من حيث العنوان والمعنى، لما ترمز إليه من صمود البشر وثباتهم أمام عواص الحياة، حتى إذا ما استطاع جبروت الموت قهرهم، فإنهم لا يموتون إلا وقوفا على أقدامهم. وكذلك كان سي عبد الرحمان شجرة مباركة ذات ثمار طيبة، لما قدمه للأجيال من جليل الأعمال، وما أبان عنه في مسيرته النضالية الطويلة من أصالة وتحد للشدائد ورفض للسقوط والانهيار، حتى وهو يمر بأحلك الظروف خلال سنوات الاستعمار وفي المنفى وعلى فراش المرض.
فبموت هذا القائد المجاهد الكبير، يكون المغرب ومعه الساحة الحقوقية المغربية والعربية والدولية، تكبدوا جميعا خسارة فادحة وفقدوا أحد الأهرامات الشامخة في عالم الفكر والسياسة، التي اجتمع فيها ما تفرق في غيرها، حيث أنه كرس حياته في الدفاع عن استقلال البلاد وحقوق الإنسان في أبعادها الكونية، وناضل من أجل تحرير الأرض والإنسان وحرص بشدة على أن تنال المرأة حظها الكامل من الحقوق. وهو فوق ذلك كله من الغيورين القلائل الذين لم تحد من عزائمهم المحن والمضايقات في حب الوطن والاعتزاز بانتمائهم إليه، وممن ينطبق عليهم قوله تعالى: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" (سورة الأحزاب، الآية: 23).
وسي عبد الرحمان أحد أقطاب الحركة الوطنية المرموقين، كان متواضعا، دمث الخلق وذا خصال حميدة، كما كان رحمه الله رجل المواقف الصعبة والمبادئ الراسخة، عرف بصدقه ووفائه وأمانته وكتمانه للسر وتفانيه في العمل الجاد، قاد تجربة التناوب بكفاءة عالية، واضعا نصب عينيه ترسيخ الأسس الديمقراطية وتخليق الحياة السياسية. ويعتبر من كبار الشخصيات الوطنية وأحد رجالات الدولة الذين يتمتعون بشعبية واسعة، يشهد له الخصوم والأعداء قبل الأنصار والأصدقاء بنزاهته وزهده ومصداقيته، يرجح قضايا الوطن وانشغالات أبناء الشعب على مصالحه الذاتية والحزبية الضيقة.
ولا غرو أن نرى كل هذا الكم الهائل من الحزن الشديد المخيم على المغاربة من مختلف المشارب السياسية والنقابية والحقوقية في القنوات التلفزيونية وصفحات التواصل الاجتماعي والصحف والمواقع الإلكترونية. الكل ينعيه بحرقة وعيا منهم بما سيتركه غيابه من فراغ في قلوبهم وقلوب المناضلين والرفاق في حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" وكافة القوى الديموقراطية والاشتراكية والوطنية. ولا أدل على ذلك أكثر مما قيل في حقه من شهادات كبار الشخصيات الوطنية والأجنبية، التي تجمع كلها على مدى ولائه للوطن وإخلاصه لمبادئه واختياراته في المعارضة وأثناء تقلده مسؤولية إدارة الشأن العام. إذ يحسب له الدور الأساسي في إعادة الثقة للمؤسسات الوطنية وإنقاذ البلاد من "السكتة القلبية"، وفي عديد الإصلاحات التي عرفتها بلادنا خلال قيادته حكومة التناوب التوافقي في منصب الوزارة الأولى، وكاتبا أول لحزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"...
فالفقيد كان قيد حياته صحافيا ومحاميا متميزا، ومناضلا وسياسيا حكيما ومقتدرا في تاريخ المغرب المعاصر، رحل في زمن كورونا المقيت مخلفا وراءه شعبا مكلوما وتجربة زاخرة بالعطاء والوفاء والصدق ونكران الذات، وكان يحظى باحترام الجميع من أبناء هذا الوطن العزيز نساء ورجالا، وعلى رأسهم ملك البلاد محمد السادس الذي ظل يحيطه بعناية خاصة إلى أن أسلم الروح إلى بارئها، عرفانا وامتنانا بما أسداه من عظيم الأعمال في سبيل رفعة الوطن وبناء ركائز مغرب ديموقراطي حداثي يتسع لجميع أبنائه...
ويكفي محبي الفقيد ورفاقه في درب النضال فخرا أنه نذر حياته للدفاع عن القضايا الكبرى للبلاد، إذ انخرط في سن مبكرة من عمره في مقاومة المستعمر. عاش عمره نقيا ومات أكثر نقاء وتقديرا، لاسيما أنه ظل وفيا لقناعاته الفكرية والسياسية ولم يرض لنفسه أن تمتد يده يوما لتعويضات الريع السياسي أو القبول بمعاش استثنائي، كما هو الحال بالنسبة للكثير من الأمناء والزعماء الذين يتهافتون على المناصب والمكاسب، دون مراعاة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية لعموم المواطنين.
إننا في ظل الظرف العصيب الذي تمر منه بلادنا وأمام هذا المصاب الجلل، لا يسعنا إلا أن نبتهل إلى العلي القدير بأن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، ويلهم جميع المغاربة الصبر والسلوان. فقد كان آلاف المواطنين من مختلف أرجاء البلاد خارج المصحة التي كان يصارع المرض بداخلها، يضعون أيديهم على قلوبهم وعيونهم شاخصة ببصرها نحو السماء، يمنون النفس بأن يمهله القدر إلى ما بعد رفع الحجر الصحي حتى إذا ما كتب له الرحيل، يستطيعون إذاك إقامة جنازة مهيبة تليق بمكانته لديهم وتكون في مستوى ما قدمه من تضحيات جسام في سبيل ترسيخ الخيار الديموقراطي...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.