لسنوات طويلة، وموضوع المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء يشد انتباه الرأي العام، خاصة في الأشهر القليلة الماضية التي عرفت عددا من الأحداث المختلفة: لافتات منشورة بعمارات سكنية تمنعهم من الكراء، سنغالي يُقتَل بالمحطة الطرقية الرباط، كاميروني يفارق الحياة بطنجة بعد روايات متضاربة حول سبب الوفاة، ومسيرة نظمها بعض سكان حي بوخالف بطنجة ضداً على ممارسات المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء. ليصل السجال حول التعايش بالمغرب مداه خاصة في ظل بعض التقارير الدولية التي انتقدت سياسات الرباط المتعلقة بالهجرة غير النظامية. في هذا الصدد، كان لهسبريس حوار مع هشام رشيدي، الكاتب العام ل"المجموعة المناهضة للعنصرية والمدافعة عن حقوق المهاجرين" المعروفة اختصارا ب"GADEM"، حيث اعتبر أن ما وقع بطنجة، يعتبر مسلسلاً لعدد من الانتهاكات التي يروح ضحيتها مواطنون من نفس قارتنا، ذنبهم الوحيد هو رغبتهم في العيش الكريم بعيداً عن أجواء الاقتتال ببلدانهم. مؤكدا أن بعض المغاربة لا يستطيعون تجاوز رواسب الماضي، ولا زالوا يتعاملون بطرق عنصرية مع القادمين من دول جنوب الصحراء. كيف تلقيتم خبر وفاة المهاجر الكاميروني بطنجة خلال الأسبوع الماضي؟ وفاة الكاميروني "سيدريك" ليست حدثاً معزولاً عن سياقه، فقبله بأيام، وبالضبط في 10 أكتوبر، توفي سنغالي بنفس الطريقة، أي بعد تدخل غير مسؤول من القوات العمومية، وعندما انتقلنا إلى طنجة، أخبرتنا السلطات بكون الوفاة طبيعية، ولم يتم فتح تحقيق في الحادث، زيادة على أنهم سلّموا الجثة بسرعة للسفارة السنغالية التي أعادت الجثمان إلى بلدها. فما وقع لهذا الشاب السنغالي، تكرر مع الكاميروني "سيدريك"، وبالتالي فأصدقاؤه لم يكونوا ليقبلوا أن يمر هذا الحدث المؤلم بنفس السيناريو، فقرروا عدم تسليم الجثة للسلطات حتى يتلقوا ضمانات حقيقية بفتح تحقيق وبالقيام بعملية تشريح للجثة. مع العلم، وأنه أثناء قيام المهاجرون بمسيرة حملوا من خلالها جثمان الفقيد، سخّرت السلطات المحلية بعض الأطفال من أجل الاستهزاء بهم، بل إن هناك جمعيات شاركت في حملة السخرية، وهي من ساهمت كذلك في تنظيم مسيرة قبل أيام ضد تواجد الأفارقة السود بطنجة. أفلم يكن من باب الأخلاق ومن باب والإنسانية أن يتضامن هؤلاء مع إنسان مات بدل الإمعان في تحقير الأفارقة السود؟ ألم يكن من باب الإنسانية، أن ينظم هؤلاء المحتجين حفل عزاء بدل مسيرة تنخرها العنصرية من كل جانب؟ ولكن، يبرر المحتجون تنظيم المسيرة بسلوكيات غير مقبولة من لدن الأجانب السود، كالسرقة واحتلال الشقق والضوضاء؟ لدينا قضاء في بلادنا، ويمكن للمتضررين أن يتجهوا إليه، كما على وزير العدل فتح تحقيق في الموضوع. إلا أن الغريب هو عدم تواجد شكايات توثق فعلا لهذه السلوكيات غير المقبولة. وتفسير هذا التناقض المتخلص في احتجاج دون شكايات، هو أن الكثير من مالكي الشقق القاطنين بالخارج، يكترون مساكنهم للأفارقة السود بأثمنة معينة دون وصل كراء، والكثير من المشرفين على العمارات يمكّنوهم من الشقق الفارغة بأثمنة عالية، بحيث لا يوجد احتلال دون علم أو موافقة من المغاربة. بالحديث عن قضية الكاميروني المتوفى، بعض الشهادات تحدثت عن تصفية حسابات بين الأفارقة السود فيما بينهم، وأن القوات العمومية لا دخل لها في هذه القضية؟ لو كانت فعلاً تصفية حسابات كما يدعي هؤلاء، لمّا خرج جميع الأفارقة السود بمنطقة العرفان الطانجاوية في مسيرة تضامنية مع "سيدريك"، فمن غير الممكن أن يقتل بعضهم بعضاً وفي النهاية يخرجون في المسيرة نفسها. ثم إن هناك بعض المعطيات الجديدة التي علمنا بها في الآونة الأخيرة، فبدل أن تقوم السلطات العمومية في الشمال بترحيل الأفارقة السود إلى غابات وجدة كما دأبت على ذلك، بدأت ترسلهم إلى الرباط. هكذا صرنا نستقبل مثلا في الجمعية أزيد من 250 مهاجرا غير نظامي عوض 50 واحدا كما كان في السابق. كلهم يطلبون الدعم والمساعدة. لكن، ألا يظهر في كلامك دفاعا شديد اللهجة عن القادمين بشكل غير نظامي من دول جنوب الصحراء، كما لو أنهم لا يرتكبون أي اخطاء؟ أخطاؤهم لا تصل إلى أخطاء الجالية المغربية المقيمة بفرنسا مثلا، وأخطاؤهم لا تصل لما يقترفه المهاجرون الآسيويون غير النظاميون بالمغرب، ولا لِما يقترفه حتى بعض المنتسبين لجنسيات عربية ببلادنا، لكن، فقط لأن لون بشرتهم يسهل عملية تمييزهم، فالاهتمام كله منصب عليهم. ما الذي يجعل بعض الأفراد المغاربة يتعاملون بنوع من التمييز مع المهاجرين أصحاب البشرة السوداء؟ للأسف، لا زال البعض منا يتعامل برواسب الماضي، ولا زال اللاّوعي الجماعي يَقرن تعاملنا مع ذوي البشرة السوداء كمجرد عبيد خدموا المغرب الأقصى على الدوام. وللأسف فهذا التمييز لا يحدث مثلا مع الأوروبيين ذوي البشرة البيضاء، فنظرا لاستعمارهم لنا في يوم من الأيام، لا يكون رد الفعل متساويا مع ذلك الذي نخص به السود مهما بلغت انتهاكاتهم بحق المغاربة. كما لو أن نظرية الانجذاب إلى الأقوى لا زالت حاضرة في اللا وعي . لذلك، فنكاتنا تتعامل بنوع من الاستهزاء مع السود، وأحاديثنا تحتوي على بعض الألفاط العنصرية، وتعامل بعضنا معهم يستند على أساطير تافهة كما يقال عن رائحتهم بأنها نتنة، بل إن بعض أصحاب سيارات الأجرة لا يقلونهم، وحتى إن قاموا بذلك، يطلبون أجرة أعلى بكثير من تلك المعتمدة. كثيرا ما نتحدث عن المغرب بكونه بلداً للتعايش، هل لا زال هذا الحديث صحيحا؟ نعم لا زلت أثق بأن المغرب بلد للتعايش، ولو لم يكن كذلك، لمّا خرج فقط مئتي متظاهر في تلك المسيرة العنصرية، الكثير منهم أطفال لا يدرون حقيقة الوضع وعجائز تم التلاعب بهن من طرف السلطات المحلية ومن بعض المتورطين في عمليات كراء الشقق. فلو لم نكن مجتمعا متعايشا، لخرج جميع سكان طنجة في تلك المسيرة. وعبر جريدتكم أشكر كل الطنجاويين الأحرار على عدم الاستجابة لمثل هذه النداءات. كما أنه ولكي تتأكد كذلك من هذا التعايش، يمكنك أن تزور مثلا الأحياء الشعبية بالرباط، وترى كيف يتشارك الأفارقة السود المساكن مع المغاربة. ولكن، ماذا تقول عن منعهم من الكراء بعدد من العمارات، بل إننا رأينا وجود عدد من اللافتات تشير إلى ذلك؟ هناك القانون 431 من القانون الجنائي الذي يجرّم التمييز على أساس العرق مثلا، ويجب على الضابطة القضائية أن تتحرك في هذا الجانب لمواجهة مثل هذه السلوكيات التمييزية. يمكن لصاحب الشقة أن يكتري لمن أراد ولا أحد أجبره على الكراء للأفارقة السود، غير أن يعلن عن كذلك بلافتة مكتوبة، فهذا يستوجب المتابعة حسب القانون. وأؤكد لك أنه كان من الممكن لجمعيتنا أن ترسل عدداً من المغاربة إلى السجن بسبب خرقهم للقانون، غير أننا نفضل عدم الوصول إلى مثل هذه المراحل التصعيدية. كم يبلغ عدد المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء بالمغرب؟ أعداد الطلبة تصل إلى حوالي 10 آلاف، قرابة 7 آلاف منهم يحصلون على منحة من المغرب، وهو ما يؤكد الدور الكبير الذي تقوم به الدولة رغم بعض السلبيات. أما من يشتغل بشكل نظامي، فأرقامهم تبلغ كذلك 10 آلاف. بخصوص غير النظاميين، فالتقديرات ما بين 10 و 15 ألف، غالبيتهم من دول إفريقيا الغربية كالسنغال، مالي، غينيا، الكوت ديفوار، وكذلك من دول إفريقيا الوسطى كالكاميرون، الكونغو الديمقراطية، ونيجيريا. بحديثك عن مجهود الدولة، سبق للملك محمد السادس وأن أيّد توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان بخصوص موضوع الهجرة، خاصة في الشق المتعلق بضرورة التعامل إنسانيا مع الأفارقة السود، كيف استقبلتم الأمر؟ فعلاً الدولة قدمت عددا من المبادرات الإيجابية، أولها الاعتراف بجمعيتنا بعد أزيد من ثماني سنوات من الجفاء، ثانيها توصيات الCNDH كضمان احترام مبدأ عدم الترحيل، وحظر كل أشكال العنف. ثالثها فتح مكتب اللاجئين وعديمي الجنسية بوزارة الخارجية وهو الذي كان مقفلا منذ سنة 2004. رابعها إحداث لجان لتحيين الترسانة القانونية . خامسها إضافة "شؤون الهجرة" إلى الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج. سادسها دوريات وزارة التربية الوطنية التي تؤكد على تسجيل أطفال المهاجرين بدون شروط تعجيزية كرسم الولادة. زيادة على أن الدولة استجابت لطلبنا بوقف عمليات الترحيل والطرد، غير أن الاستجابة بقيت على مستوى الرباط والدار البيضاء ولم تصل إلى جميع مناطق المغرب. لكن هل هذه المجهودات كفيلة لوحدها بالخروج من هذا المطب الذي جعل صورة بلدنا تهتز خارجياً فيما يتعلق بتعاملها مع المهاجرين الأفارقة غير النظاميين؟ الدولة لم تقم بكل ما يلزم حتى نتحدث عن مجهود بمفعول واضح، حان الوقت لملائمة تشريعاتنا الوطنية مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية حقوق المهاجرين غير النظاميين، بدءاً بقانون يجرم الحث على الكراهية كي لا تتكرر مثل تلك المسيرة العار بطنجة. على وزارة التربية الوطنية أن تُغيّر من تلك المناهج الدراسية التي تشجع على التعصب وتُظهر المسلم على أنه سيد الناس بينما تُصوّر باقي أتباع الديانات الأخرى على أنهم كفار خاصة وأن العديد من المهاجرين السود ليسوا مسلمين، فالتربية على التعايش مطلب يفرض نفسه، خاصة وأن هؤلاء يحاولون الاندماج في المجتمع المغربي عبر احترامهم تقاليده وعاداته. يجب أن نعلم أن مستقبل المغرب في إفريقيا أكثر مما هو في أوروبا أو أي قارة أخرى، الدول الإفريقية جنوب الصحراء هي المستقبل، وعلينا أن نساهم في تنميتها كي نستفيد مستقبلا خاصة وأنها تتوفر على ثروات طبيعية هائلة. فهذه القارة تنتمي لنا، ومتى أدركنا مسؤوليتنا في تطويرها، سنكون قد أدركنا الطريق الصحيح نحو التنمية الاقتصادية التي نتوخاها جميعا، مع ضرورة التأكيد أن الإنسانية تتطلب منا أن نعامل بعضنا بعضاً بنفس المساواة، وأن نتوقف عن كل ما يسيء للآخرين بغض النظر عن لونهم أو عرقهم أو عقيدتهم.