المنتخب المغربي يتأهل إلى نهائي كأس إفريقيا 2025 بعد الفوز على نيجيريا بركلات الترجيح    ركلات الترجيح تؤهل "الأسود" على حساب "نسور نيجيريا" إلى نهائي "الكان"    كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم.. المنتخب المغربي يتأهل للنهائي عقب فوزه على نظيره النيجيري بالضربات الترجيحية (4-2)    ولد الرشيد يجري مباحثات بالمنامة    نصف نهائي كأس إفريقيا 2025: تشكيلة منتخبي المغرب ونيجيريا    وفد من فريق الأمن الرياضي ببريطانيا يزور المركب الرياضي مولاي عبد الله بالرباط    "كان المغرب".. السنغال إلى النهائي على حساب مصر            انزلاق البيجيدي .. عندما تتقدم سيادة فنزويلا على ثوابت الوحدة الترابية للمغرب    مؤتمر التعدين الدولي بالرياض .. ليلى بنعلي تشارك في جلسة نقاش رفيعة المستوى حول دور الحكومات في تأمين إمدادات المعادن    مقاولات بالقطاع الخاص ترفض تمكين الأجراء من عطلة رأس السنة الأمازيغية    احتفال المغاربة ب"إيض يناير" يعزز الثقافة الأمازيغية وهوية الجيل الجديد    بلجيكا.. "رايان إير" تلغي 1,1 مليون مقعد وتهدد بتقليص جديد في 2027    ترامب: السيطرة على غرينلاند ضرورية    موسم الفواكه الحمراء.. أول دفعة من العاملات المغربيات تصل إسبانيا انطلاقًا من طنجة    مزاعم اعتداء جنسي تطال المغني الإسباني الشهير خوليو إغلسياس    إيقاف مشجع جزائري سرق جهاز "تولكي وولكي" من شرطي بمراكش    دول العالم الثالث تفقد المغرب    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات رعدية اليوم الأربعاء بعدد من مناطق المملكة    نقابة "البيجيدي" تنتقد تفشي تضارب المصالح وتتهم الحكومة بالتراجع عن التزامات الحوار الاجتماعي    الليلة..أسود الأطلس على بعد خطوة واحدة من نهائي كأس إفريقيا    أخنوش يترأس زيارة رسمية لفضاءات الاحتفال برأس السنة الأمازيغية 2976 بمدينة أكادير    القضاء التونسي يفرج عن الصحافية شذى بلحاج مبارك المسجونة منذ 2023 على خلفية قضية تآمر    المتطوعون الشباب .. الوجه الإنساني الخفي للمنافسة        محكمة الإستئناف بتونس تقر أحكاما بالسجن تصل إلى 54 سنة في حق جل المتابعين في قضية "انستالينغو" ومنهم سياسيون ورجال أعمال    إقليم الحسيمة .. الاحتفاء بحلول السنة الأمازيغية الجديدة 2976 بأجدير    الجمعية الإقليمية لمرضى الصرع والإعاقة بالعرائش تعقد الجمع العام    اكتشاف علمي يفتح باب علاج ارتفاع ضغط الدم عبر الدماغ    السلطات بتطوان تضطر بعد تفاقم شكاية الساكنة للتدخل لإصلاح طريق رئيسي مؤدي إلى حي اللّوزيين    وسيلة إعلام إيطالية: المغرب وجهة مفضلة لتصوير الإنتاجات السينمائية الدولية الكبرى ومداخيله تضاعفت ثلاث مرات خلال أربع سنوات    اضطرابات جوية متتالية بالمغرب.. أمطار رعدية وثلوج خلال الأيام المقبلة    بلجيكا.. 12 سنة سحنا لمغربي قاد شبكة كبرى لتهريب الكوكايين عبر ميناء أنتويرب    إيران تتعهد بمحاكمات سريعة للمعتقلين في إطار التظاهرات رغم تهديدات ترامب    قبرص تنعى الرئيس الأسبق جورج فاسيليو            المستشارون يصادقون على مشروع القانون الخاص بالتعليم العالي    العدد الإجمالي المؤقت للمسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بلغ حوالي 16.5 مليون مسجل    الدولار يستقر بالقرب من أعلى مستوى في شهر    كيوسك الأربعاء | المغرب يخرج رسميا من سنوات الجفاف    نظام إيران يواصل تعطيل الإنترنت    صدور عدد جديد من مجلة "تمييز"    الولايات المتحدة تصنف جماعة الإخوان المسلمين في كل من مصر ولبنان والأردن منظمة إرهابية    مسرح رياض السلطان يوقع كتاب "أصوات خلف القضبان في المغرب وإسبانيا" – انتلجنسيا المغرب    اليوم في برنامج "مدارات" بالإذاعة الوطنية:صفحات منسية من تاريخ الأدب المغربي الحديث: تأملات في ديوان الشاعر الفقيه عبدالمجيد الفاسي .    إيض ن يناير 2976 : أكادير تحتفي بالثقافة الأمازيغية    تمارين التنفس الواعي وسيلة فعالة للحد من التوتر وتنظيم ضربات القلب (دراسة)    نمو اقتصادي ب4% في الفصل الثالث    وزير الخارجية الصيني يدعو إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية مع إفريقيا    الرضاعة تقلل احتمالات إصابة الأمهات بالاكتئاب    الاتحاد الأوروبي يجيز دواء "تيزيلد" لإبطاء تقدم السكري من النوع الأول    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



50 سنة على انتفاضة الريف
نشر في هسبريس يوم 16 - 11 - 2008

تخليد ذكرى مرور 50 سنة على انتفاضة الريف 1958-1959 بالريف وأوروبا والدولة المغربية خارج التغطية
مرت خمسين سنة على انتفاضة الريف 1958-1959 ولا زالت الجراح التي خلفتها لم تندمل بعد، نظرا للقمع الوحشي الذي تعرض له أبناء الريف في نهاية الخمسينات من طرف جيش النظام المخزني (القوات المسلحة) بقيادة "مولاي الحسن" الذي سيصبح فيما بعد الملك الحسن الثاني فيحكم البلاد بقبضة من حديد، رفقة جنراله القوي آنذاك "أوفقير" من قتل وتعذيب واغتصاب واختطاف،.
ولا زال معتقل دار بريشة الشهير دال على ذلك، كما تدل مختلف المعتقلات السرية التي كشف عنها معتقلوا سنوات الرصاص وأفرج عنهم، ككوميسارية الحسيمة والناظور، ومكان خاص للتعذيب بجانب مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة، وثانوية الإمام مالك (المعهد الديني سابقا) بالحسيمة وغيرها من أماكن التعذيب، ولا زلت أتذكر ما يحكيه المسنون الذين عاشوا في هذه الفترة عن القمع الذي كان يقوم النظام في حق سكان الريف بلا تمييز لا لشيء إلا أنهم طالبوا بحقهم في التعليم والتنمية والشغل وفك العزلة عنهم اعتبارا لما عانوه إبان سنوات الاستعمار، والدور البطولي الذي قاموا به لإخراج المستعمر ونيل الحرية والاستقلال، وكل مطالبهم آنذاك كانت مطالب مدنية تهدف إلى إنصاف الريف وإعادة الاعتبار له بعدما عانى كثيرا تحت نير الاستعمار، وهي مطالب رصدها الباحث السوسيولوجي الأمريكي الذي عاش في الريف لمدة ليست بالقصيرة في فترة الحرب والسنوات الأولى من الاستقلال "دافيد مونتغومري هارت" في ثمانية عشر مطلبا تقدم بها الريفيون إلى القصر الملكي، فكانت ردة فعل هذا الأخير هي شن الحرب برا وبحرا وجوا بمختلف المعدات العسكرية والحربية على شعب أعزل يطالب فقط بحقه في التمدرس وشق الطرق في منطقته وتوفير فرص الشغل... واليوم بدأنا نسمع عن ما يسمى المصالحة مع الشمال دون كشف الحقائق والاعتذار الرسمي للدولة عما اقترفته من جرائم في حق الريف والريفيين، فكيف يمكن لسكان الريف أن ينسوا ذلك المشهد الرهيب للجنرال أوفقير وهو يذبح مواطن أمام الجماهير الغفيرة في بلدة إمزورن بإقليم الحسيمة وبجانبه الملك الراحل الحسن الثاني الذي كان ولي العهد آنذاك؟ وكيف يمكن للريف أن يتصالح مع النظام المركزي وجراحه لم تندمل بعد؟ ولعل الملك الحسن الثاني قد اعترف بما اقترفه من جرائم في حق الريفيين بشكل ضمني في خطابه الشهير سنة 1984 حين وصف الريفيين بالأوباش حيث قال بصريح العبارة "إنكم تعرفون جيدا مولاي الحسن ومن الأفضل أن لا تعرفوا الحسن الثاني" ، وبعد دخول المغرب العهد الجديد سنة 1999 علقت كل الآمال على الملك الجديد لإنصاف الريف والريفيين إلا أنه لم يحدث شيئا من هذا القبيل فرغم إحداث الهيئة المخزنية التي أطلق عليها اسم هيئة الإنصاف والمصالحة إلا أن ملف المصالحة مع الريف لا زال عالقا في نفق النسيان خاصة بعد تناوله من طرف الهيئة المذكورة بنوع من الاستخفاف والاستهتار، وهذا ما جعل المجتمع المدني الريفي اليوم يخلد الذكرى الخمسينية لانتفاضة الكرامة 1958-1959 التي لا ولن تمحوا من الذاكرة الريفية مهما طال الزمن. ""
نبذة موجزة عن انتفاضة الريف:
يلخص الباحث المعروف دافيد هارت في كتابه "آيت ورياغل قبيلة من الريف المغربي" ص 428-432 أسباب انتفاضة الريف في عدم رضا الريفيين عن زمن الاستقلال. فقد خاب ضنهم في الأحزاب السياسية، وفي الحكومة المغربية التي لم يحصل الريفيون فيها ولو على منصب عامل إقليم. أضف إلى ذلك أن تخلف منطقتهم قياسا على ما سواها، عمق الإحساس ب "الحكرة" لدى الريفيين قد يكون في ما ذهب إليه هارت جانب كبير من الصحة، ذلك أن قائد الانتفاضة محمد الحاج سلام أمزيان، يؤكد أنه حينما غادر السجن ووصل إلى الريف، وجد الريفيين على وشك الانفجار بسبب إجحاف الإدارة وسياسة الإقصاء المتعمدة من طرف الحكام الجدد. ويقول واصفا تلك الظروف الحرجة: "لقد وجدنا أن كل الملابسات تدعونا إلى القيام بهذه الحركة لإنقاذ الوطن، وإلا فسوف لن يرحمنا التاريخ والأجيال الصاعدة"
القيام بالحركة معناه رسم معالم طريقها وتحديد مسارها بأن يوضع لها برنامج وأهداف تسير نحوها. ومن يطلع على نقط برنامجها المنشور في كتاب هارت المذكور، سيكتشف حقيقة أهدافها ومراميها، من كونها حركة واعية بذاتها في الزمان والمكان. فقد دعت الحركة إلى جلاء القوات الأجنبية عن المغرب، وإلى تكوين حكومة وطنية ذات قاعدة عريضة وحكومة وحدة وطنية. وطالبت بعودة عبد الكريم الخطابي وأسرته من المنفى إلى وطنه المغرب، وإقامة نظام ديمقراطي يحقق رغبات الشعب في ميادين الاقتصاد والسياسة والتعليم، وغير ذلك من المطالب التي تنأى عن كل نعوت الانفصال والتمرد فقط من أجل التمرد.
هذه المطالب أو ما سمي آنذاك بالمطالب المستعجلة، رفعت إلى السلطان في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر من سنة 1958. لكن الحكومة المركزية عوض العمل على إيجاد حل لتلك القضايا السياسية ذات البعد الوطني السيادي، وعدت بإرسال كميات من الطحين، وكأن المطالب كانت "بطنية" وليست سياسية. أما لجنة تقصي الحقائق فكانت توصياتها واضحة على أرض الواقع حينما تدخل الجيش ليقمع الناس بوحشية لم يكن المغرب المستقل قد عاشها بعد.
كانت عريضة المطالب واسعة ولائحة الأهداف أوسع. فقد تحددت في 30 نقطة تمحورت حول الجلاء وتأميم المرافق العامة وتحقيق الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية إلى غير ذلك. غير أن الضغط العسكري والتسرع الداخلي أديا إلى النتيجة المعروفة. في بداية الحركة تشكل مجلس سمي "مجلس قيادة" ضم خمسة أشخاص باعتبارهم من اللجنة التأسيسية، على أن يتم لاحقا انتخاب تسعة أعضاء آخرين. أما سائر مناطق الريف فقد تشكلت فيها قيادات محلية على رأسها مسؤول عام وأعضاء منتخبين، مهمتها الأساسية : الحفاظ على الأمن بعد أن تخلت السلطات المحلية عن واجباتها. وكان التنظيم السياسي والاجتماعي قائما على شكل ثلاثي الأبعاد : احتفاظ القرية بكيانها الذاتي المحلي بحيث إن السكان هم الذين ينتخبون ممثليهم وهؤلاء ينتخبون بدورهم الرئيس، ثم يتم تنظيم الأفراد في وحدات على رأس كل وحدة رئيس، مثلا : 50، 100، 200...إلخ .هذا البناء كان ولاشك يرمي إلى نوع من اللامركزية في تصريف الشؤون اليومية للمواطنين، وتدبير أمورهم بأنفسهم على أن يلتزم الجميع بميثاق الحركة المتفق عليه، وأن يكون المسؤولون ممن تتوفر فيهم شروط النزاهة والشجاعة والوطنية والقدرة التنظيمية. ومن اللافت للنظر أيضا أن كثيرا ممن أسندت لهم المسؤولية أو كانوا أعضاء مساعدين، سبق وأن شاركوا في حرب الريف التحريرية ضد الإسبان والفرنسيين ومن جهة أخرى عملت قيادة الحركة على بناء أجهزة فدائية مهمتها : ربط الاتصال بالعناصر الوطنية على مستوى المغرب ونقل التعليمات شفهيا إلى الجهات المعنية وكذا مراقبة الجواسيس والخونة. وتشكلت قاعدة الفدائيين الأولى على الشكل التالي: واحد من كل قرية صغيرة، اثنان من كل مدينة صغيرة وثلاثة من كل مدينة كبيرة. وكان كل فدائي يُعرف برمز خاص به لا باسمه الشخصي بهذا المستوى من التنظيم والمسؤولية أراد الريفيون إبلاغ صوتهم إلى من يهمه الأمر بأنهم ليسوا غوغاء كما يصورهم الخصوم. بيد أن السلطات المحلية راحت تمطر العاصمة بالتقارير المحرضة، فكان أن زحف الجيش مدعوما بكل أنواع السلاح المتوفر آنذاك رغم أن الريفيين لم يكونوا يرغبون في الاصطدام المباشر بالجيش مفضلين "سلاح" "العصيان المدني" كأسلوب راق في الاحتجاج. وأمام الزحف العسكري اضطر الريفيون للدفاع عن حقوقهم ومطالبهم المشروعة. وفي فبراير انتهى الفصل الدامي من انتفاضة الريف ليبدأ فصل آخر تمثل في مسلسل الحصار والانتقام بالتهميش الذي تعرضت له المنطقة منذ ذلك التاريخ فبعدما سكتت أصوات الأسلحة النارية، لجأت السلطة المركزية إلى استخدام سلاح من نوع آخر؛ ألا وهو سلاح التهجير لإفراغ المنطقة من طاقاتها المنتجة و "المزعجة".
تنسيقية "الذاكرة الجماعية بالريف" تنظم مهرجانا خطابيا تفتتح به برنامجها المكثف لتخليد الذكرى الخمسينية لانتفاضة الريف 58-59
وفقا للبرنامج العام المسطر تحت شعار "انتفاضة الريف 58-59... ذاكرة تأبى النسيان"، نظمت تنسيقية "الذاكرة الجماعية بالريف" يومه الجمعة 7 أكتوبر 2008 ابتداء من الساعة الرابعة مساءا مهرجانا خطابيا أمام ثانوية الإمام مالك بالحسيمة (المعهد الديني سابقا)، وذلك في أولى الخطوات العملية لتجسيد وتفعيل البرنامج المكثف والذي يمتد على مدى زمني يفوق ثلاثة أشهر تزامنا مع أحداث انتفاضة الريف التي جرت أطوارها المأساوية في خريف 1958 وشتاء 1959...بدأ المهرجان الخطابي، وفي حضور جماهيري متميز، بمجموعة من الشعارات التي تحتج على ما وقع أثناء الانتفاضة من جرائم ضد الإنسانية، وتندد بالمسؤولين عليها وتطالب بمحاكمتهم ومحاسبتهم كشرط أساسي من شروط مصالحة الدولة مع منطقة الريف وسكانها، كما رفعت العديد من الشعارات ذات الطبيعة الاجتماعية تربط بين الوضع الكارثي والمأساوي الذي تعيشه المنطقة في المجالات الاجتماعية والتنموية وبين التهميش والإقصاء الذي تعرضت له المنطقة لعقود كعقاب جماعي لسكانها... بعد ذلك تناول سمير المرابط الكلمة باسم "تنسيقية الذاكرة الجماعية بالريف" المنظمة للمهرجان الخطابي، كما تناول بعده الكلمة نجيم حيدوش عن "تنسيقية مولاي موحند للجمعيات الأمازيغية"، تلاه محمد الزياني رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالحسيمة بكلمة باسمها، بعده تناول الكلمة مولود بلحاج باسم جمعية تاينيث، وفي الأخير تناول الكلمة اليماني قسوح باسم "تنسيقية الجمعيات العاملة بجماعة آيت عبد الله".. جل الكلمات ذكرت بالسياق العام الذي يأتي فيه هذا الشكل النضالي الاحتجاجي تذكيرا بمآسي انتفاضة "الكرامة والديمقراطية" انتفاضة 58-59، كما شرحت مغزى تنظيم المهرجان الخطابي أمام ثانوية الإمام مالك (المعهد الديني سابقا) باعتبار هذا المكان كان بمثابة المعتقل الذي كانت تتم فيه عمليات التعذيب والقمع في حق المواطنين العزل، وهو واحد من أماكن التعذيب التي ذكرها مولاي موحند في رسالته الشهيرة لحسن الوزاني زعيم حزب الشورى والاستقلال آنذاك، والتي ذكر فيها محمد بن عبد الكريم الخطابي معظم الأماكن المعروفة كأقبية ودهاليز لسجن وتعذيب المعارضين السياسيين للطبقة الحاكمة آنذاك خاصة من قبل ميليشيا حزب الاستقلال التي عاثت في المنطقة فسادا ودمارا... وتجدر الإشارة إلى أن البرنامج العام لتخليد الذكرى الخمسينية لانتفاضة الريف، يشمل وقفات احتجاجية ومهرجان خطابي وندوات فكرية وعلمية، وكذا خرجات وزيارات ميدانية على شكل أوراش تقترب من الساكنة وتستجمع شهاداتها وما ترسب في ذاكرة المواطنين من ذكريات تؤرخ للمأساة التي كان الريف ضحية لها في السنوات الأولى لما بعد 1956.
تخليد ذكرى مرور 50 سنة على انتفاضة الريف 58/59 بهولندا
بمبادرة من الجمعيات والمنظمات المغربية بهولندا وبتنسيق مع منظمات المجتمع المدني بالمغرب وبأوروبا، وذلك تزامنا مع تاريخ تقديم قائمة المطالب الشعبية "المستعجلة" بتاريخ 11 نونبر 1958 بقيادة محمد الحاج سلام أمزيان، قررت ((تنسيقية 58/59 بهولندا )) تخليد ذكرى مرور 50 سنة على انتفاضة الريف ، (المسماة محليا بعام إِقَبّارَنْ أو عام ندْفاديسْث) وذلك على شكل ندوة كبرى لمدة يومين بكل من مدينة لاهاي ومدينة روتردام بتاريخ 7 و8 نونبر 2008، يستدعى للمشاركة في أشغال هذه الندوة فعاليات مغربية ذات صلة وثيقة بهذا الحدث التاريخي وأشخاصا عاشوا الحدث سيدلون بشهاداتهم الحية .
يأتي تخليد هذا الحدث الأليم الذي نرغب من انتشاله من النسيان في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المغربية إقباره ومحوه من الذاكرة الجماعية ومن ذاكرة الجيل الذي عاش هذا الرعب جراء الهجوم العنيف والشرس على منطقة الريف خلال خريف 1958 من طرف القوات المسلحة الملكية المغربية جوا وبرا بقوات قدّر عددها ب 20.000، حيث قيّم قائد حركة حرب التحرير الشعبية محمد بن عبد الكريم الخطابي هذا الاكتساح للريف واصفا إياه بهجوم: (( زوع الرعب وسط المدنيين والنساء والشيوخ... لقد كان تدخل الجيش وحشيا وحدث ما لا يمكن تصوره من المآسي والفواجع والأهوال... حدث ما يثير عواطف "الجمادات" وبالأحرى البشر، قَنْبلَتِ الطائرات التي كان يقودها طيارون فرنسيون وقصفوا الأسواق والتجمعات السكانية، وأحرقَ الجيش المحاصيل الفلاحية وخرّب المنازل وغيرها من الممتلكات، اغتصبَ النساء وبَقَر بُطونَ الحوامل وقتلَ المئات وخلّف آلاف الجرحى والمعطوبين واعتقل الآلاف وأبْعدَ المئات ... وبلغ عدد المعتقلين إبان انتفاضة الريف 8420 بينهم 110 امرأة، أطلق سراح 5431 بينهم95امرأة، وحكم على 323 فيما ظل الآخرون أي 2664 دون محاكمة ولا إطلاق سراح، وتم إبعاد542 مواطنا إلى كل من إسبانيا وإيطاليا وألمانيا والجزائر... و جل الضحايا كانوا من المساهمين في حرب التحرير من الاستعمار ... وأنشأت مراكز سرية للتعذيب... جل المعتقلين ما زالوا مشوهين ومبتورين من الأعضاء التناسلية أو الأرجل أو العيون أو الأذن، أما الباقي فما زال في غياهب السجون والمعتقلات المجهولة، على أن جلهم قد لاقوا حتفهم من جراء التعذيب )). مقتطف من رسالة محمد بن عبد الكريم الخطابي ، المصدر : كتاب دار بريشة، قصة مختطف للتجكاني الذي يتضمن رسالة عبد الكريم الخطابي الموجهة إلى الأمين العام لحزب الشورى والاستقلال محمد حسن الوزاني بتاريخ 27 يوليوز 1960.
وقع هذا الاكتساح المسلح للريف في الوقت الذي كانت فيه انتفاضة الريف 58/59 حركة ذات طبيعة منظمة وسلمية اختار لها سكان الريف محمد الحاج سلام أمزيان زعيما لها، ذات مجلس قيادة وقيادات محلية وأجهزة فدائية نهجت أسلوب العصيان المدني، وسلكت طريقة الحوار والتفاوض مع المسؤولين.
كانت مطالبها الشعبية المسعجلة التي رفعت إلى مؤسسة القصر ، ذات بعد وطني ترمي إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الوطنية وإشراك النخب المحلية في التسيير مع مراعاة خصوصية البعد المحلي وإعادة الاعتبار لرموز المقاومة ولثورة التحرير الشعبية واسترجاع رمز حركة التحرير الشعبية عبد الكريم الخطابي بعيدا عن كل نعرة انفصالية أو شوفينية وبعيدا عن تبني الفوضى والعنف المسلح. كانت النتائج والانعكاسات السياسية لهذا الهجوم كارثية على منطقة الريف؛ إذ تم ضرب طوق الحصار الأبدي على المنطقة وأدخلت في غياهب التهميش الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وأصبح الريف بعدها يُعدّ من المناطق المغضوب عليها، مورس على أهلها شتى أنواع القمع والترهيب، وتعرضت هوية وتاريخ الريف ومعالمه الحضارية والثقافية للطمس الممنهج، وحرمت منطقة الشمال المغربي من أية تنمية اقتصادية حقيقية، وعًمد إلى كبت أي حديث عن ثورة عبد الكريم الخطابي وتاريخ المقاومة المسلحة بالمنطقة، وتم إقبار الحديث عن انتفاضة الريف لسنة 58/59 وعن مطالبها المشروعة، وجُعل الأحياء الذين عاشوا الحدث ينموا في داخلهم رقيبا داخليا قويا يمنعهم من الحديث ومن البوح لأولادهم ولأحفادهم لما جرى حتى تحين اللحظة التي يلفظون فيها أنفاسهم الأخيرة، وتم تهجير شباب المنطقة إلى الخارج حيث أفرغت المداشر بهذا الإجراء من طاقاتها البشرية لمحو الذاكرة الجماعية و الرضوخ للأمر الواقع .
فمن أجل استدراك التأخر التاريخي الذي مورس على المنطقة قسرا ومن أجل رد الاعتبار لمنطقة الريف المغربية جراء حصار محكم دام 50 سنة، ومن أجل تسجيل وقفة صمت على أرواح شهداء حركة الريف 58 وتضامنا مع المعذبين الأحياء الذين لا زالوا يعيشون الآلام والجراح في صمت قاتل وأخيرا ومن أجل لفت المسؤولين إلى مطالب الريف المشروعة التي يمكن تلخيص خطوطها العريضة في:
- البرهنة على إرادة سياسية واضحة المعالم تجاه ترميم وبناء خصوصيات الريف التاريخية والحضارية والاجتماعية والثقافية واللغوية.
- إعادة النظر في السياسة الجهوية بمنطقة الشمال المغربي مع منح المنطقة صلاحيات سياسية واسعة تمكنها من تدبير ذاتي للشأن الاقتصادي والثقافي والاجتماعي بغية التسريع بوتيرة استدراك لتأخر الذي مورس على منطقة الشمال المغربي .
- المبادرة بتقديم الاعتذار الرسمي للدولة المغربية لما جرى بالريف.
- البحث في إيجاد آلية قصد استثمار عائدات المهاجرين بمنطقة الشمال المغربي والكف من تهريب موارد المنطقة المالية إلى المراكز الاقتصادية الكبرى.
- احترام المعالم التاريخية والحضارية للريف (مثال مدينة المزمة التاريخية الواقعة بخليج الحسيمة قرب شاطئ الصفيحة التي تتعرض حاليا لتدمير ما بقي منها من مآثر مغمورة )
-عودة عبد الكريم الخطابي المشروطة والغير المجانية بصفته قائدا لحركة التحرير الشعبية وكرئيس دولة مع مطالبة الدولتان المتآمرتان على ثورة الريف (إسبانيا وفرنسا) بأداء الدين المستحق عليهما من خلال إجهاضهما لمشروع التحديث الذي كان قد شرع عبد الكريم الخطابي في تدشينه.
وقد دعت تنسيقية 58-59 بهولندا كل الفعاليات المغربية وكل الضمائر الحية ومنظمات المجتمع المدني الديمقراطية في الداخل وفي الشتات من أجل تسجيل وقفة تاريخية يوم 10 دجنبر 2008 (اليوم العالمي لحقوق الإنساني) بكل الوسائل القانونية والديمقراطية المتاحة لها من أجل تخليد ذكرى مرور 50 سنة على انتفاضة الكرامة، (انتفاضة الريف 58/)59 من اجل انتشالها من لعبة النسيان ووقوفا على حيثيات ودلالات هذا الحدث وعلى مدى قوة راهنيته. كما وجهت التنسيقية المذكورة نداءا إلى من يهمهم الأمر على أساس أن يكون تاريخ 11 نونبر من كل سنة (تاريخ تقديم مطالب الريف الشعبية المستعجلة سنة 1958 التي رفعت إلى الحكومة المركزية من طرف قيادة حركة الريف بزعامة محمد الحاج سلام أمزيان) هو الحدث التي سيتم تخليده على التوالي سويا وكل سنة من طرف المنظمات المغربية الديمقراطية بكل من أوروبا والمغرب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.