للمرة الرابعة على التوالي تمنع السلطات المغربية تنظيم حفل رمزي لتكريم المناضل الحقوقي والناشط الجمعوي شكيب الخياري الذي يقضي عقوبة بالسجن النافذ لمدة ثلاث سنوات. وفي كل مرة كانت هذه السلطات تقدم تبريرات واهية لإصدار قراراتها غير القانونية بما أنها غالبا ما تكون شفهية. وآخر ما تفتقت عنه عبقرية السلطة لمنع تنظيم الحفل الذي كانت ستشهده قاعة نادي المحامين في الرباط هو وجود دواعي أمنية ! فما هي الخطورة الأمنية التي كان سيشكلها تنظيم حفل رمزي في قاعة مغلقة داخل نادي خاص في أحد أحياء الرباط المنسية، اغلب حضوره هم مناضلون معروفون نراهم يوميا في جل المواقع النضالية؟ لكن كما يقول المثل المأثور، "رب ضارة نافعة"، فمنع الحفل لثلاث مرات متتاليات وفي ظرف أقل من شهر، هو أكبر من أي حفل رمزي كان يمكن تنظيمه للاعتراف لهذا المناضل الصلد بأننا لم ننس نضاله من أجل فضح تجار المخدرات والمتواطئين معهم من رجال السلطة وعسكرها ودركها وأجهزتها... فالمنع المتكرر يأتي ليؤكد بأن اختيار جمعية "ترانسبرانسي المغرب"، كان في محله عندما اختارت أن تمنح جائزتها في النزاهة للعام المنتهي لشكيب الخياري. وأكثر من ذلك يؤكد لنا المنع، بأن نضال شكيب الخياري الذي لم يجد له صدى كبيرا داخل مجتمع أصبحت تهيمن عليه ثقافة الوصولية والانتهازية، هو نضال مستحق وأكبر من كل تتويج أو تكريم حتى لو كان رمزيا. مع الأسف لم تجد تجربة هذا المناضل كل المساحة التي تستحقها قامته داخل رتابة إعلامنا اليومية وركاكة خطابات فضاء سياسي يؤثثه أشباه الأميين والانتهازيين والوصوليين... لقد عشنا مسلسل اختطاف الخياري واعتقاله ومحاكمته العبثية بتهم سريالية من قبيل "تسفيه جهود الدولة في محاربة تجارة المخدرات..." مثلما نتابع أي مسلسل درامي على التلفزيون، ما إن ينتهي المسلسل حتى نتحول إلى قناة أخرى، ونفس الشئ تكررمع مسلسل محاكمة السياسيين الستة في ملف بلعيرج، ويتكرر اليوم ولو بصورة أكثر إثارة مع مسلسل التأجيلات المتتالية لمحاكمة علي سالم التامك ورفاقه، وسيتكرر غذا مع محاكمات طالبات وطلبة مراكش... مع الأسف، فالمجتمع الذي صمت عشرين عاما على فظاعات معتقلات رهيبة مثل "تازمامارت" و"أكدز" و"قلعة مكونة"، يكاد يكون مجتمعا بلاروح وبلا ضمير... أقولها بكل مرارة وبكل صدق لأن أكبر رجال هذا العصر من نيلسون مانديلا بجنوب إفريقيا إلى مروان البرغوتي بمعتقلات الكيان الصهيوني، صنعت نضالهم وصقلته قدرتهم على الصمود أولا، وثانيا، الدعم المعنوي الذي كانوا يحضون به داخل مجتمعاتهم، وثالثا، العرفان الذي ظل يحمله لهم مواطنوهم، وقبل كل ذلك نبل وسمو القضايا التي ضحوا من أجلها... شكيب الخياري، ومحمد المرواني، ومصطفى المعتصم، وماء العينين العبادلة، ومحمد الأمين الركالة،وعبد الحفيظ السريتي،والهام الحسنوني يستحقون منا أكثر من تكريم وعرفان، في زمن ومجتمع رخصت فيه قيمة وكرامة الإنسان. لقد رأينا كيف انتفض الشعب التونسي الذي توفر له دولته أحسن الخدمات على مستوى التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية في منطقتنا المغاربية فقط لأن أحد شبابه العاطل عن العمل أقدم على الانتحار حرقا بصعق كهربائي، بينما نقلب نحن الصفحة التي تحمل صورة شاب عاطل وقد تحول إلى كرة من لهب لندفن رؤوسنا في صفحات النميمة الرخيصة والكلمات المتقاطعة... على أي، شكرا للسلطة التي قررت منع حفل تكريم شكيب الخياري، لأنها منحتنى هذه الفسحة للكتابة مرة أخرى عنه، ومع ذلك أقول بأن هذا المناضل هو أكبر من كل تكريم تريد السلطة أن تقزمه، فهي بذلك تفضح نفسها لأنها تكشف لنا كل يوم بأنها هي التي أصبحت معتقلة داخل هواجسها الأمنية التي تخفي عنها نور الحقيقة. اما شكيب الخياري، كما يحلو أن يقول لي شقيقه أمين، فهو يرى العالم أكثر رحابة من ضيق زنزانته. وأتصور لو أنه قدر له أن يحضر ذات يوم حفل تكريمه فسيهدي هذا التكريم لسجانيه لأن المعتقل وفر له الوقت للتمتع بالقراءة، ومنحه شرف أن يحمل وسام المناضل الصلد الذي يكبر عن كل تكريم.