على اثر نشرتعليقيْن للأديبتيْن والناقدتيْن وداد الصفدي ، وليلى الصبّاغ من فلسطين عن ترجمتي المنشورة مؤخراً في صحيفة (القدس العربي) عن اللغة الاسبانية لقصيدة: (قصائدك عكاكيزُ لهمّتي يا بابلو إلى الشاعر التشيلي الكبير بَابْلُو نِيرُودَا) للشّاعرة الاسبانية الرّاحلة خوسيفينا كالديرون عطّار التي كان الشّاعر الاندلسيّ المعروف فيديريكو غارسيا لوركا يسمّيها " الشاعرة الصبيّة ذات العكازيْن" والتي كانت أثيرة لديْه،يطيب لي أن أعقّب على التعليقيْن الطريفيْن بكلّ سرور ، فأقول : مرةً أخرى أشعرُ بالخَوْفِ يا بابلو ! الناقدتان الكريمتان وداد الصفدي، و ليلى الصبّاغ بعد التحيّة والشكر الجزيل على مروركما البهيّ البهيج، وحضوركما النديّ الأريج،المُفعميْن بفيضٍ غامرٍ من الإطراء الجميل، أشير أنّ الترجمة -كما لا يغيب عنكما- فنّ رائع من فنون القول والإبداع،وحتى وإن قيل في اللغة الفرنسية : la critique est aisée mais l'art est difficile (النقد سهل، لكنّ الفنّ صعبٌ) ، أيّ ما معناه من السّهولة أن ننتقد، ولكن الفنّ أمرٌ صعبٌ للغاية ، مع ذلك يطيب لي أن أؤكّد لكما أيتها الناقدتان الفاضلتان أنني ألتزم الأمانة العلمية الدقيقة في مقالاتي، ومترجماتي ، وفي جميع كتبي المنشورة فى هذا القبيل منذ ما ينيف على خمسين سنة، فإذا قلنا : ( في هذا المُستشفىَ الحالك الذي تُشَم فيه رائحةُ الألم ) و : (مرةً أخرى أشعرُ بالخَوْفِ يا بابلو) -كما جاء في نصّ ترجمتي لقصيدة الشاعرة خوسيفينا- ، فذاك بالضبط ما عنته وقالته وقصدته ونطقت به بالقضّ والقضيض الشاعرة الاسبانية المُجيدة ، أمّا إذا قلنا كما ما جاء فى ملاحظة الاديبة وداد الصفدي : "تنسابُ فيه رائحةُ الألم"، أو ما شابه ذلك؟! فذلك سيكون بعيداً جداً عن فخوى النصّ المكتوب والمنطوق من طرف الشاعرة في لغتها الاصلية، وبذلك نكون قد تجنّبنا الصّواب ، وابتعدنا عن الدقّة في الترجمة ،ومعروف فى لغتنا الجميلة حسب ما جاء في مُعظم معاجمها وقواميسها أنّ معنى الانسياب ومنه فعل انْسابَ إِذا خرَج من الشئ مَكْمَنِه. وانْسابَ الماء إِذا جرَى ،أيّ هذا الوصف ينطبق على الشئ المحسوس وليس عكسه،يقول الشاعر الاندلسي أبو عبد الله محمد بن سفر فى وصف المدّ والجزر لنهر الوادي الكبير بحاضرة اشبيلية الفيحاء بجمالية مُبهرة ليس لها نظير : ( شقّ النسيمُ عليه جيبَ قميصه / فانساب من شطّيْه يطلب ثأرَه … فتضاحكت ورقُ الحَمام بدوْحها / هزءاً فضمّ من الحياء إزارَه) .! من "اللّسان العربيّ" إلى " أمّهات الصّحف العالمية " وأنهي إلى علم الكاتبتين الكريمتيْن أنّ تجربتي مع فنّ الترجمة عن اللغة الاسبانية على وجه الخصوص ترجع لما ينيف على خمسة عقود خلت، حيث كنت أترجم الأشعار والقصص والمقالات التي تروقني منذ عملي في مستهلّ السبعينيات من القرن الفارط لمدّة عشر سنوات خبيراً في شؤون الترجمة واللسنيات فى مجلة" اللسان العربي" المرموقة الصّادرة عن مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) التابعة بدورها لجامعة الدول العربية ،حيث كنت مشرفاً على أبواب ثابتة في هذه المجلة الكبرى ، منذ ذلك الوقت المبكّر ترجمتُ عن اللغتيْن الاسبانية والفرنسية بحوثاً ومقالاتٍ وقصصاً وأشعاراً فى اللغة والشعر الأدب والتاريخ ونشرتها فى هذه المجلّة بالذات، ثم جاءت مرحلة الترجمة للصّحف الوطنية العربية والاسبانية والدولية،وفى الملاحق الثقافية لجرائد ومجلات "العَلم" و"المُحررّ" و"الإتحاد الإشتراكي"و" دعوة الحقّ" في المغرب، وبعض الصّحف القاهرية وسواها، ثم لمجلات"الدّوحة" ،و"الجسرة الثقافية" القطريتين، و"الأقلام" العراقية و"الشارقة"الاماراتية و"فكر الثقافية " السعودية ،و" الهلال" القاهرية،و"ألف لام" اللبنانية و" رأي اليوم " و"الشرق الأوسط" و"القدس العربي" الصادرات في لندن وسواها من الصحف والمجلات العربية والدولية الأخرى. مرحلة بلدان أمريكا اللاّتينيّة وخلال مرحلة عملي فى بلدان أمريكا اللاّتينية لمدة تناهز العشرسنوات وإطّلاعي عن قرب، وعن كثب على المزيد من إبداعات كتّاب وشعراء هذا الشقّ النائي من العالم التي بهرتني وأخذت بمجامعي ، صرت ألتهمها إلتهاماً ، ولم أتمالك نفسي حتى وجدتني أترجم وأترجم بلا هوادة وبلا إنقطاع كلَّ ما راقني من هذا الأدب الرّفيع ، وعندما تجمّعت عندي كميّات وفيرة من النصوص المترجمة فى مختلف حقول الإبداع الأدبي أدرجتُ بعضها فى كتب مستقلّة حسب مختلف الأصناف الأدبية وأرسلتها للمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة (المشروع القومي للترجمة) الذي تفضّل ونشر لي بعض كتبي المترجمة عن الإسبانية ، منها كتاب :"حَجر الشمس" (ثلاثون قصيدة من الشّعر الأمريكي اللاتيني المعاصر)، وكتاب: "عدالة الهنود وقصص أخرى" الذي يضمّ ما يقرب من أربعين قصّة قصيرة فى الأدب الأمريكي اللاتيني المعاصركذلك، كثير من هذه المترجمات نُقلت لأوّل مرّة إلى لغة الضاد، وبعد هذين الكتابين الصّادرين بمصر صدرت لي كتب أخرى منها: " أمريكا الجنوبية: الوجه والقناع" (أضواء مثيرة على ماضي وحاضر العالم الجديد)، وكتاب :"ذاكرة الحلم والوشم"( قراءات فى الأدب الأمريكي اللاتيني المعاصر) ،وكتاب : (قطوف دانية في الشعر الإسباني الأمريكي المعاصر) الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والترجمة والتوزيع في الأردن، ثم كتاب : " حدائق قصص .. في القصة القصيرة في أمريكا اللاتينية "(ترجمة) عن نفس دار النشر الأخيرة ،ومن المنتظر أن يصدر قريباً ان شاء الله كتاب : ( مختارات من أجمل الطرائف والحكايات من الشرق والغرب) عن دار النشر "ناشرون وموزّعون الآن " في الأردن الشقيق كذلك وسواها من الكتب الأخرى منها كتاب : "عناقيد من كرمة إبن هانئ ، وقطوف من دالية سيرفانتيس" (في الأدب العربي الأندلسي والإسباني المعاصر)، و:" الرّفيق قبل الطريق " ( في أدب الرحلات) و: "صيّاح الصّمت والصّخب" – (قراءات أدبية عالمية معاصرة) ،و: " اللغة والحضارة " (دراسات في اللغة والترجمة واللسنيّات)،و: "الأديب المغربي محمد الصبّاغ: صوت متفرّد في الآداب العربية"،و: "تنويعات مختلفة على أوتار الكآبة وقصص أخرى"(مجموعة قصص قصيرة) ، وهكذا ترجمت في بعض هذه الكتب الآنفة الذكر للعديد من الادباء والشعراء من كلٍّ من : اسبانيا، والمكسيك ،والبيرو،والهندوراس ،وجمهورية الدومينيكان،وبوليفيا، وفنيزويلا، وكوستا ريكا، وكولومبيا، ونيكارجوا ،وغواتيمالا، والأوروغواي ،والباراغواي، والأرجنتين ،والتشيلي، وكوبا وسواها " من البلدان اللاّتينية الأخرى الناطقة بلغة سيرفانتيس . الترجمة.. هل هي حقّاً خيانة؟ يقال إنّ الترجمة خيانة traduire, c'est trahir هذه القولة أشاعها الفرنسيّون الذين يشكّون ويشكّكون فى كلّ شئ حتى فى أنفسهم وفى وجودهم وكان صاحب الكوجيتو الفيلسوف (رينيه ديكارت) من أشهرهم ! ، والحقّ أنّ الترجمة هي فى الواقع فنّ راقٍ ، صعب المراس، إنها خلق، وإبداع، ومعاناة، وعطاء،وولادة ومخاض من جديد..أن تترجم معناه أن تدخل فى وجدان الكتّاب أو المبدعين، الذين تترجم لهم ،وتنسلخ فى ذواتهم ، معناه أن تتسربل بحروفهم، وبكلماتهم، وبنصوصهم، أن تتدثّر بمعانيهم ومراميهم، وأن تستكنه، وتستغور، وتستبطن رموزهم، ودلالاتهم، وأبعادَهم، معناه أن تزيح عنهم ثيابهم الأصلية، وتلبسهم هنداماً جديداً، أن تخلع عنهم قبّعات موباسّان،وماريُو برغاس يُوس،وأوكتافيو باث، وغابرييل غارسيا مركيز، وكاميلو خوسيه ثيلا ، وتشيخوف وتلبسهم عمامات التوحيدي،والجاحظ، والمتنبّي، ويحيى حقّي،وطه حسين ونجيب محفوظ ،محمد شكري ، ومحمد الصبّاغ أوالعكس، وتقدّمهم لسواهم ممّن لا يجيدون اللغة التى تترجم لهم منها أو إليها ، و من أولى مقتضيات النقل أو الترجمة الأمانة العلمية ،والدقّة المتناهية، والوفاء، والإحساس الصّادق العارم بما تقرأه، وتستوعبه، وتستلذّه، وتستمتع به، وإذا إنعدم الصّدق،وغاب الوفاء فى النقل فليس لنا فى هذا المسعىَ نصيب من النجاح والفلاح، فيما نرومه ونعمل من أجله . شارل بودلير وأزهارُه الكاتب والمترجم المغربي الراحل الصّديق مصطفى القصري عندما كان يتقلد منصب الكاتب العام لوزارة الأنباء (الاتصال وكنت عضواً بديوان نفس الوزارة ) كان قد وضع لديوان الشاعر الفرنسي شارل بودلير Les Fleurs du mal عندما نقله الى اللغة العربية عنوان : ( أزهار الألم) وسلّمني إيّاه لأدفعه عام 1978 للدار التونسية للنشر التي كان يرأسها آنذاك الأديب الراحل عزّوز الرباعي ، فاغتنمت الفرصة وقدمتُ له معه مخطوط باكورة أعمالي الادبية في ذلك الإبّان (وداعاً أيتها الاعوام) ونُشر الكتابان بهذه الدار المرموقة عام 1979 ،وكانت تلك صلتي الأولى بديوان شاعر الشؤم بودلير ولاحظتُ على التوّ فيما بعد أن هناك العديد من المترجمين لهذا الديوان الخطير وضعوا له عناوين مختلفة أخرى ولكنها فى آخر المطاف كانت تصبّ فى مصبٍّ واحد وهي: أزهار الشيطان ، و أزهار الفحشاء والألم، والشرّ، فعمل الشيطان وغيّه وموبقاته ترنو وتهدف وتسعى وتشجّع على الشرّ وتحثّ على الارتماء في أحضان الفحشاء والرّذيلة أيضاً . من الحِوار ينبثق النّور ومعروف أنّ الترجمة الحرفية – كما تفضلتما مُحقّتيْن – غير مُستحبّة فى الإبداعات الادبية ،وهكذا ترجمتُ العديد من الكتب والدواوين والقصص عن اللغة الاسبانية (ماينيف على عشر كتب طُبعت ونُشرت فى كلٍّ من تونس والمغرب والأردن وفى المجلس الأعلى للترجمة بمصر وفى اسبانياوكولومبيا والمكسيك والبيرو) .. وقد حاولنا قدر الإمكان في هذه المترجمات الهروب من الشطط، وتفادي فحوى المثل الفرنسي القائل traduire, c'est trahir الذي يعنى أن بعض الترجمة خيانة (!) ، ويقال في الأمثال السائرة ،والحكم المأثورة في تراثنا وموروثاتنا العربية الزاخرة : (فهمُ سطريْن خيرٌ من حفظ وِقريْن ( والوِقر هو مقدار ما يحمله الجمَلُ فوق ظهره) ومُذاكرة اثنيْن أحسنُ من هاتيْن ..! وهو ما يُقال أو يُقابله فى لغة موليير في نفس هذا المعنى: (DE LA DISCUSSION JAILLIT LA LUMIÈRE ) أيّ : (من الحوار ينبثق أو يتدفّق النّور) حيث تُنسب هذه القولة البليغة طوراً الى الفيلسوف الفرنسيّ نيكولا بوالو (Nicolás Boileau) كما تُنسب أطواراً أخرى من باب الشطط إلى الفيلسوف الفرنسيّ رينيه ديكارت. شكراً من القلب على مروركما العاطر، وحضوركما الزاهر. *************** *كاتب ومترجم من المغرب ، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمركية للآداب والعلوم بوغوطا كولومبيا.