طيلة أيام "حفل الإنسانية"، المنظم بباريس بين 11 و13 شتنبر، شهدت أروقة أحزاب اليسار المغربي خاصة الحزب الاشتراكي الموحد، حزب الطليعة وحزب النهج الديمقراطي، ندوات تأرجحت مواضيعها بين واقع اليسار المغربي في ظل التطورات على المستويين المحلي والاقليمي وجدوى المشاركة الانتخابية والعلاقة مع "المخزن". قطرة ماء صافية في بركة آسنة داخل رواق الحزب الاشتراكي الموحد استضافت قيادة الحزب بأوروبا مناضلا من حزب الطليعة وآخر من حزب النهج بالإضافة الى عضو من الحزب الشيوعي الفرنسي. طبيعة المضيف فرضت على الندوة نقاشا حول جدوى المشاركة في الانتخابات في ظل الشروط السياسية الحالية بالمغرب فانقسم الحاضرون بين مؤيد للخطوة ومناهض لها. أحد المتدخلين من الجمهور الحاضر قال لرفاقه في الحزب الاشتراكي الموحد "إن مشاركتكم في ظل الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة أشبه بمن يصب قطرة ماء صافية في بركة آسنة مما جعل القطرة لا تظهر مع كثرة الأوساخ". تعبير المعارض لفكرة المشاركة الانتخابية لم تكن محل رضا الجميع حيث رد محمد المباركي عضو حزب الطليعة المحاضر في الندوة بالقول "إن المشاركة في الانتخابات هي تقدير سياسي ولا يجب على أحزاب اليسار المغربي أن تنقسم بسبب التقدير الذي قد يأتي بالمشاركة كما قد يأتي بالمقاطعة". "باتريك ميرات"، عضو الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كان من ضمن المتدخلين برواق ال"بي اس اي" رأى أن ما يقع في المغرب اليوم من نقاش عن جدوى الاختيارات التي تسلكها بعض الأحزاب اليسارية وجب أن يقرأ في ظل واقع المنطقة ككل خاصة أن الثورات لم تأتي بالنتائج التي كان يرجوها الشباب في تونس ومصر والمغرب، حسب المتحدث، الذي رأى أن اختلاف أحزاب "اليسار الراديكالي" في تدبير المرحلة الحالي أمر عاد. "باتريك ميرات"، عضو الحزب الشيوعي الفرنسي بحث عن نماذج ملهمة استمر النقاش حول مواقف اليساريين من عدة قضايا على رأسها الانتخابات وفي رواق حزب الطليعة الذي شهد نقاشا حاميا هو الآخر قال محمد العلوي، عضو الحزب الاشتراكي الموحد بأوروبا ، "إن المسألة المقدسة هي المبادئ المؤسسة لفكرنا أما المقاطعة والمشاركة فهي أمر متروك لكل حزب يدبره بالطريقة التي يراها مفيدة لتطور الديمقراطية في البلاد". العلوي أضاف أن الحزب الاشتراكي الموحد قاطع الانتخابات عندما كان الشارع قويا وساند مطالب التغيير غير أن خفوت الشارع اليوم، يقول المحاضر، يدعو الى العودة من أجل استغلال المتاح داخل البناء المؤسساتي المعطوب بالمغرب، حسب تعبير العلوي. بالنسبة لأبو النصر، عضو حزب النهج الديمقراطي، فالحل يكمن في مقاطعة "المخزن"، داعيا الحضور لاستلهام العبرة من التجربة التونسية حيث لم يستطع المجتمع السياسي التونسي إحداث تغيير إلا بعدما قطع بشكل نهائي مع نظام زين العابدين بنعلي، يورد أبو النصر. كثر الحديث عن الإشكالات التي يعانيها اليسار فتدخل أحد الشباب ليقول للحاضرين إن أول مدخل للنهوض بواقع اليسار بالمغرب هو تشبيب القيادة وإعطاء كراسي القيادة لمناضلين لا تتجاوز أعمارهم الأربعين سنة. الشاب عدّدَ نماذج أحزاب اليسار في أوروبا وعدد أعمار قيادييها الذين رفعوا تنظيمات اليسار من حال الى حال، يقول المتحدث الذي دعا الجميع الى البحث عن النماذج الملهمة. نهج اليسار الجديد في رواق حزب النهج الديمقراطي كانت الدعوة للإنتقال من التنسيق القطري الى تنسيق مغاربي بين أحزاب اليسار في شمال افريقيا بل ذهب أحد المتدخلين الى اقتراح نهج جديد في التعاون والتنسيق بالعمل على توحيد اليسار على مستوى البحر الأبيض المتوسط خاصة مع التطورات التي شهدتها اليونان واسبانيا "يجب علينا أن نبحث عن وحدة متوسطية و أن نخرج من ثنائية عالم ثالث وعالم متقدم على اعتبار أن العالم الثالث موجود هنا في بعض مناطق فرنسا وفئاتها الاجتماعية" يقول الداعي للوحدة في البحر الابيض, إحدى المداخلات الأبرز كانت تلك التي جاء بها أحد النشطاء اليساريين المغاربة، والمقيم بفرنسا منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث طرح سؤال يشكك في صدقية الدعوة للتحالف بين أحزاب اليسار المغربي. "منذ ثلاثين سنة وأنا أحضر حفل الإنسانية كنت دائما أسمع كلاما عن ضرورة التحالف والوحدة والاندماج بين اليسار المغربي وها أنا أحضر اليوم من جديد فأجد خيمة الاشتراكي الموحد مفصولة عن خيمة الطليعة وكذلك حزب النهج الديمقراطي.. أعتبر أن خيمة مشتركة بينكم ستكون رسالة رمزية لصدق الدعوات للاندماج" يختتم الناشط اليساري مداخلته. عاد النقاش ليحتد حول المشاركة الانتخابية فكان رد أحد المتعاطفين مع الاشتراكي الموحد "إن كل مرشح نزيه في جماعة منسية هو ربح للقيم الديمقراطية وفرصة ثمينة للقاء بين حملة هذه القيم وسكان يعانون القهر". إختتم الدورة 81 من الحفل الذي يعتبر أكبر حج لليساريين غير أن النقاش استمر بين ناشطين مغربين، داخل ميترو الخط 7 الذي يقلهما الى باريس، الناشط الأول يدعوا الى القطيعة مع "لمخزن" والثاني يدعوا الى التعامل مع "المخزن" وفضحه بأدواته. لكن كان "المخزن" أكبر المشاركين في الحفل حتى في ظل الغياب.