سجل الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان التناقض الصارخ بين المقتضيات الدستورية التي أتى بها دستور 2011، والالتزامات التعاهدية للمغرب من جهة، وبين الواقع العملي للسياسات العمومية والتشريعات والممارسات من جهة أخرى، مؤكدا استمرار المضايقات والمتابعات والاعتقالات والمحاكمات الجائرة ضد الأصوات المنتقدة والمدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان. وعبَّر الائتلاف الحقوقي، في بلاغ له بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، عن قلقه العميق بخصوص مآلات السياسات العمومية فيما يتعلق بمصادرة حقوق مصونة بموجب التزامات المغرب وطنياً ودولياً، كما هو الشأن بالنسبة للحق في حرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي، وحرية الصحافة، والحق في تأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات، وحق المجتمع المدني والمواطنات والمواطنين في المساهمة في محاربة الفساد التي تصر الدولة على انتهاكها رغم الحق والقانون.
وتوقَّف الائتلاف الذي يضم 20 هيئة مغربية عند ما وصفه ب"التراجع الخطير" الذي تمَّ عبر القانون 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وبالأخص المادتين 3 و7 اللتين تمنعان المواطنات والمواطنين وهيئات المجتمع المدني من التظلم ضد الفساد المتعلق بالمال العام، معتبراً أنها تكبل حتى السلطة القضائية من مباشرة الأبحاث ذات الصلة، في خرق صارخ لدستور 2011 وللاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد. ونقل الائتلاف التخوف المتزايد للحركة الحقوقية والقوى الداعمة لنضالها ومطالبها، من التغول الأمني المتمثل في قمع الاحتجاجات السلمية للحراكات الاجتماعية لمختلف فئات الشعب المغربي، والتي برزت حسبه بشكل ساطع في الاستخدام المفرط للقوة من طرف القوات العمومية في شتنبر وأكتوبر الماضيين، إبان مواجهة الاحتجاجات السلمية لشباب "جيل زد"، دون الالتزام بقاعدتي الضرورة والتناسب في فض التظاهرات السلمية، مما أدى إلى مقتل ثلاثة شبان في لقليعة ودهس اثنين بوجدة، بالإضافة إلى الاعتقالات التعسفية التي شملت المئات من الشباب الذين تعرضوا لمختلف ضروب سوء المعاملة، ولمحاكمات انتفت فيها شروط وضمانات المحاكمة العادلة، وصدرت عنها أحكام جائرة "بسبب وضعية القضاء العاجز عن تحمل مسؤولياته في حماية الحقوق والحريات". ووقف الائتلاف الحقوقي عند الضرب المستمر للقدرة الشرائية لعموم المواطنين، عبر الارتفاعات الصاروخية في أسعار المواد الأساسية، وجمود الأجور، وهو وضع يحتد لدى أغلب المتقاعدين والمتقاعدات ذوي المعاشات المنخفضة، إلى جانب الارتفاع المهول في معدل البطالة خصوصاً وسط الشباب، وضعف الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وغيرها. وأكد الائتلاف أن استشراء الفساد والرشوة واستغلال النفوذ، ومستوى غير مسبوق من تضارب المصالح والإثراء غير المشروع في كافة مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يشكل انحرافاً أخلاقياً وإدارياً، وانتهاكاً بنيوياً لحقوق الإنسان، باعتبار أنه يحرم المواطنات والمواطنين من التوزيع المنصف للثروة الوطنية، والولوج إلى الخدمات العمومية الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والشغل والحماية الاجتماعية، ويكرس اللامساواة، ويقوض الثقة في المؤسسات، ويُضعف أي حديث جاد عن التنمية والديمقراطية ودولة الحق والقانون. وأدان الائتلاف الحقوقي المنحى التراجعي الذي تسلكه السلطات في التعاطي مع مطالب الشعب المغربي، والقمع الذي تواجه به الاحتجاجات الاجتماعية ضد سياسة التفقير والتجهيل والبطالة، وإسكات الأصوات المعارضة، مطالباً بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم معتقلي حراك الريف، ووقف كافة المتابعات الماسة بحرية الصحافة والرأي والتعبير والتظاهر السلمي، وبالحق في السكن، والتي مست شباب حركة زد والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والصحافيين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي والمدونين والمدونات ومناهضي التطبيع مع الكيان الصهيوني المجرم. وطالب الائتلاف بوضع حد للاعتداء على الحق في التنظيم، بتمكين الأحزاب والنقابات والجمعيات من الوصولات المؤقتة والنهائية، ومن استعمال الفضاءات العمومية لتنظيم مؤتمراتها وأنشطتها. كما دعت الهيئات الحقوقية إلى الإسراع بتنفيذ كافة توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في مجالات الحقيقة وحفظ الذاكرة، والالتزام بمقتضيات الإصلاحات المؤسساتية، وإصلاح العدالة، ووضع الاستراتيجية الوطنية لمناهضة الإفلات من العقاب، والإحداث الفوري للآلية الوطنية المستقلة لاستكمال الكشف عن الحقيقة في كافة ملفات الاختفاء القسري العالقة، والانضمام إلى نظام روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، والتصديق على البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام. وشدد الائتلاف على ضرورة إجراء مراجعة شاملة للترسانة القانونية المقيدة للحريات، ولا سيما المقتضيات الواردة في القانون الجنائي والقوانين المكملة له، والتي تُستعمل لتجريم التعبير السلمي والنشاط الحقوقي والصحافة المستقلة؛ والعمل على ملاءمة كل التشريعات الوطنية مع الدستور ومع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، بما يضمن حماية حقيقية لحرية الصحافة والرأي والتعبير، والحق في التنظيم والتجمع والتظاهر السلمي، وإصدار منظومة قانونية ضد الفساد تشمل قانوني تجريم الإثراء غير المشروع وتقنين تضارب المصالح، كما ينص على ذلك دستور 2011، ومراجعة قانون التصريح بالممتلكات وقانون حماية المبلغين عن الفساد وقانون الوصول إلى المعلومة، وتفعيل هذه القوانين فعلياً. ودعا الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان إلى المشاركة في وقفة رمزية ستُنظم يوم الأربعاء 10 دجنبر 2025، على الساعة الخامسة والنصف مساءً أمام مقر البرلمان بالرباط، تحت شعار: «الحرية لكافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، والاحترام الفعلي للحقوق والحريات».