في أول خروج إعلامي له عقب توقيف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن التدخل الأميركي في فنزويلا يستند إلى «عقيدة مونرو»، في إشارة إلى مبدأ تاريخي تعود جذوره إلى القرن التاسع عشر ويعدّ من ركائز السياسة الخارجية للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي. وكانت إدارة ترامب قد أعلنت، في ديسمبر الماضي، العودة إلى العمل بمنطق «مبدأ مونرو» ضمن استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي. ويعود هذا المبدأ إلى سنة 1823، حين أعلنه الرئيس الأميركي آنذاك جيمس مونرو، ومفاده أن الأميركيتين تشكلان مجالًا حيويًا خاصًا بالولاياتالمتحدة، وأن أي تدخل أوروبي في شؤون دول أميركا اللاتينية يُعد عملًا عدائيًا يستوجب الرد.
وبحسب الرواية الأميركية، فإن أول تطبيق عملي معلن لهذا التوجه تمثّل في توقيف مادورو وزوجته فجر اليوم في كراكاس، ونقلهما إلى الولاياتالمتحدة لمواجهة اتهامات جنائية تتعلق بإدارة شبكات لتهريب المخدرات. وفي منشور مقتضب من 74 كلمة على وسائل التواصل الاجتماعي، أظهر ترامب قدرته على التحرك «بشكل حاسم ومفاجئ» في السياسة الخارجية، مع قدر محدود من الاكتراث بالتداعيات أو السوابق القانونية، وفق تقرير لشبكة "سي إن إن". السياق التاريخي تُعد عقيدة مونرو أحد أقدم وأبرز مرتكزات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وقد أُعلنت سنة 1823 على لسان الرئيس الأميركي جيمس مونرو، في سياق دولي اتسم بإعادة رسم موازين القوى عقب استقلال معظم دول أميركا اللاتينية عن الاستعمار الأوروبي. ويقوم جوهر هذه العقيدة على اعتبار القارة الأميركية مجالًا غير مفتوح للتوسع أو التدخل الأوروبي، مع التأكيد على أن أي محاولة تدخل في شؤون دول نصف الكرة الغربي تُعد عملاً عدائيًا تجاه الولاياتالمتحدة. وفي المقابل، تعهدت واشنطن بعدم التدخل في النزاعات أو الشؤون الداخلية للقارة الأوروبية. وجاء إعلان هذا المبدأ في مرحلة كانت فيها القوى الأوروبية تلوّح بمحاولات استعادة نفوذها في أميركا اللاتينية، في وقت كانت تسعى فيه الولاياتالمتحدة إلى تثبيت موقعها قوةً صاعدة ومهيمنة في محيطها الإقليمي. ورغم الطابع الدفاعي الذي قُدِّمت به العقيدة في بداياتها، فإن استخدامها تطوّر لاحقًا ليبرّر تدخلات أميركية متكررة في شؤون دول أميركا اللاتينية، لا سيما مع مطلع القرن العشرين، عقب ما عُرف ب«إضافة روزفلت»، التي منحت واشنطن حق التدخل بدعوى حفظ الاستقرار ومنع الفوضى. ومع مرور الزمن، تحوّلت عقيدة مونرو من شعار «أميركا للأميركيين» إلى إطار فكري استخدم لتكريس النفوذ والهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي، ولا تزال تُستدعى حتى اليوم في النقاشات السياسية المرتبطة بأميركا اللاتينية ودور الولاياتالمتحدة في المنطقة. تحديث مبدأ مونرو ومع تطور استعمال هذا المبدأ، أصبح مراقبون يرون أن هذه المقاربة تندرج ضمن طموح أوسع لواشنطن لإحكام السيطرة على محيطها القريب، في إطار ما تصفه ب«تحديث مبدأ مونرو». فبعد أن كان هذا المبدأ في أصله تحذيرًا دفاعيًا موجّهًا للقوى الأوروبية، تحوّل تدريجيًا، ولا سيما مع «إضافة روزفلت» مطلع القرن العشرين، إلى أداة تبرّر التدخل العسكري والسياسي في دول الجوار تحت شعار «الاستقرار». أما في عهد ترامب، فلم يكن «تحديث مونرو» إعلانًا قانونيًا مكتوبًا، بقدر ما كان عودة عملية وصريحة إلى منطقه الإمبراطوري، حيث جرى التعامل مع أميركا اللاتينية بوصفها «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة، واعتبار النفوذ الروسي والصيني والإيراني في المنطقة تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأميركي. وفي حالة فنزويلا تحديدًا، بلغ هذا التوجه مستوى غير مسبوق، مع الانتقال من التدخل غير المباشر إلى استهداف رأس الدولة نفسه، في تطور ينقل مبدأ مونرو إلى مرحلة «السيادة المنتقصة»، حيث تصبح الدولة الواقعة ضمن المجال الأميركي عاجزة حتى عن حماية رئيسها إذا قررت واشنطن الإطاحة به.