تمهيد منذ نهاية الحرب الباردة، تثير تدخلات القوى الكبرى في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة نقاشات واسعة في كل من العلوم السياسية والقانون الدولي. وتُعدّ حالة فنزويلا (إضافة إلى حالات أخرى ككوباوإيران على سبيل المثال لا الحصر)، التي تعرضت لضغوط اقتصادية ودبلوماسية وسياسية مارستها الولاياتالمتحدة، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، مثالًا واضحًا على هذه الإشكالية. وبناء على منطوق التصريحات الامريكية الرسمية وبلسان الرئيس ترامب نفسه، والتي ربطت صراحةً الأزمة الفنزويلية بالثروات النفطية يمكن توصيف هذه السياسة على أنها سياسة "إمبريالية"، من منظور علمي موضوعي من جهة أولى، وإلى توصيفها بالمخالِفة للشرعية الدولية من جهة ثانية، وبأنها غير فعّالة سياسيًا بسبب الخلط بين مفهوم القائد ومفهوم النظام من جهة ثالثة. المقاربة الإمبريالية – منطق الهيمنة غير المباشرة مفهوم الإمبريالية في العلوم السياسية: في النظريات النقدية للعلاقات الدولية، لا يقتصر مفهوم الإمبريالية على الاستعمار المباشر، بل يشمل أيضًا: التدخل السياسي، الضغط الاقتصادي، ومحاولات إعادة تشكيل السلطة الداخلية لدولة ما، وذلك بهدف حماية مصالح استراتيجية، غالبًا ما تكون مرتبطة بالموارد الطبيعية. فنزويلا كحالة نموذجية: تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم. ويمكن، في إطار التحليل الإمبريالي، تفسير العقوبات الاقتصادية، والاعتراف بسلطات موازية، والتهديد بتغيير النظام على أنها محاولة للسيطرة غير المباشرة على دولة ذات سيادة، واستراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل نظامها السياسي بما يتوافق مع المصالح الأمريكية. ويذكّر هذا المنطق بحالات تاريخية أخرى، مثل إيران عام 1953، حيث أُطيح بحكومة منتخبة نتيجة تدخل خارجي مرتبط بالمصالح الطاقوية والجيوسياسية. الشرعية الدولية – انتهاك المبادئ الأساسية للقانون الدولي يقوم القانون الدولي على مبادئ أساسية، من بينها: * سيادة الدول، * عدم التدخل في الشؤون الداخلية، * حظر استخدام القوة دون تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبالتالي، فإن أي محاولة لفرض تغيير نظام من الخارج تُعد محل نزاع قانوني خطير ما لم تحظَ بتفويض دولي صريح. الرفض الدولي لسياسات تغيير الأنظمة، ففي حالة فنزويلا: * لم يصدر أي تفويض من الأممالمتحدة، * وأعربت دول عديدة عن رفضها لأي تدخل عسكري أو إجراء قسري. ومن دون الحديث عن إجماع مطلق، يمكن القول إن هذه السياسات قوبلت برفض دولي واسع، ما أضعف النظام القانوني الدولي. ويُعد غزو العراق عام 2003 مثالًا مقارنًا بارزًا، إذ تعرّض لانتقادات واسعة بسبب غياب أساس قانوني واضح. التمييز بين القائد والنظام – خطأ استراتيجي جسيم في العلوم السياسية هناك تمييز أساسي: القائد هو شخص، أما النظام فهو منظومة متكاملة تضم: * مؤسسات، * أحزابًا سياسية، * قواعد اجتماعية وعسكرية، * وأيديولوجيا حاكمة. وبالتالي، فإن إسقاط قائد لا يعني بالضرورة تغيير النظام. إن حالة أو ظاهرة التشافيزية ( نسبة إلى الزعيم الكاريزمي الراحل هوغو تشافيز) أورثت البلاد نظاما سياسيا يتميز بما يلي: * عدم اعتماده على شخص واحد فقط، * وجود كوادر وقيادات بديلة، * امتلاكه لبنيات سياسية ومؤسساتية متماسكة. لذلك، فإن اختطاف الرئيس أو إزاحته لا يحقق بالضرورة الهدف الاستراتيجي المنشود، كما أظهرت تجارب فاشلة أخرى في تغيير الأنظمة، مثل كوبا، حيث أدت الضغوط الخارجية إلى تعزيز النظام بدل إضعافه. نتائج عكسية – ارتداد داخلي وخارجي النتائج داخل الولاياتالمتحدة: إن أي عمل خارجي كبير يُنفَّذ دون موافقة واضحة من الكونغرس: * يمكن اعتباره إساءة لاستخدام السلطة التنفيذية، * ويطرح إشكاليات تتعلق باحترام الدستور، * ويضعف الشرعية الديمقراطية للرئيس. النتائج على الصعيد الخارجي: * تتضرر مصداقية الولاياتالمتحدة كمدافع عن القانون الدولي، * قد تشعر قوى أخرى بشرعية تجاهل القواعد الدولية، * ويصبح النظام الدولي أكثر هشاشة وعدم استقرار. وهكذا، قد تؤدي السياسة الإمبريالية الترامبية إلى نتائج معاكسة تمامًا للأهداف المعلنة. ختاما يُظهر تحليل الحالة الفنزويلية من خلال مقاربات الإمبريالية والقانون الدولي والعلوم السياسية أن محاولات تغيير الأنظمة المفروضة من الخارج تُعد إشكالية قانونيًا، وغير فعّالة سياسيًا، ومحفوفة بالمخاطر استراتيجيًا. فمن خلال الخلط بين مفهوم القائد ومفهوم النظام، يتم التقليل من شأن قدرة البُنى السياسية الداخلية على الصمود. وتبيّن الأمثلة المقارنة من إيرانوالعراقوكوبا أن هذه السياسات نادرًا ما تؤدي إلى الاستقرار أو الديمقراطية، بل غالبًا ما تعزّز الأنظمة المستهدفة وتُضعف شرعية الدولة المتدخلة. وعليه، فإن التدخل الخارجي لا يشكّل حلًا بقدر ما يمثّل عاملًا دائمًا لعدم الاستقرار في العلاقات الدولية.