طفت على السطح مؤخرا سلسلة من النقاشات داخل الصف الإسلامي بخصوص الجدوى من طوفان الأقصى تحمل هجوما مبطنا على صناعه بنبرة ناعمة تتدثر بثوب النصح والحرص على مصلحة الخط الإسلامي المقاوم، والتي يستهجن أنصارها كل رد فعل بحقهم معتبرين ذلك حجرا على حقهم في حرية التعبير وفي النقد الذاتي، وعدوانا عليهم لا يتناسب مع الأدب المتكلف الذي يظهرونه في تقييم التجربة الإسلامية الأخيرة. بداهة يحق للجميع نقد أي فعل أو موقف أو تجربة، لكن الحق في النقد لا يعني صوابيته ولا يعني الحجر على التعليق عليه أو رفضه، وإلا اعتبر ذلك حجرا على حرية التعبير باسم حرية التعبير لا سيما إن صاحبه شعور بالتعالي واحتقار للآخر واحتكار للفهم، وإن صاحبه أيضا فيتو عاطفي يمنع من تداول الأفكار مجردة من أية شحنات لا لزوم لها. لذلك فإن رحابة الصدر تفترض أن تكون من طرفي النقاش، كما أن صاحب النقد يجب أن يبتعد عن المراوغة ليس كمن يضربك ثم يستقوي عليك بالبكائيات، وعليه أن يخشوشن وهو يتلقى ردود الأفعال الغاضبة، فمن لا يتحمل النقاش الحاد كيف له أن يزعم أنه يملك مشروعا تغييريا، وعليه أيضا أن يطرح ما يعتقد بوضوح وصراحة دون تلاعب بالألفاظ. فالعبرة بالمتن المتخفي وسط غابة من الشروحات والتبريرات وبعد المقدمات أو قبل الخاتمة التي تغلب عليها العاطفة الموجهة أساسا للجمهور الطيب التي وإن لم تنجح في إقناعه، فهي تنجح غالبا في استدرار عطفه، فيتكفل بالتماس الأعذار أو بالتبرير أو بالتوفيق بين الآراء الدخيلة وبين قناعاته الراسخة في توليف هجين حتى يتطبع مع التشوه الذي يطرأ على مواقفه وعلى سلوكه. والنتيجة تظهر بعد سنوات فسرعان ما تكون الغلبة للدخيل على الأصيل. تلك لعبة مكررة ممجوجة يدركها كل من يتتبع تاريخ الأفكار الطارئة على المشهد الإسلامي الحركي، وكيف سادت بعد أن كانت منبوذة ومحاربة. وقضية التطبيع أنصع بيان لحالة الاختراق لصف كان منيعا في أيام خلت، حين بدأت القصة بتفهم تطبيع الأتراك ثم جاءت الفتوى الأولى لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين السابق الدكتور أحمد الريسوني الداعية لاعتراف حماس بالكيان العبري إبان اكتساحها لانتخابات 2006، والثانية الداعية لزيارة القدس تحت السيادة الصهيونية لتؤكد أن خيار التطبيع وصل لمستوى التنظير خلافا لمن يروج أنه استجابة في لحظة ضعف، وإن كان تبريره مرفوضا على الوجهين. وهكذا خلقوا أرضية ملائمة لتطبيع العدالة والتنمية المغربي والذي حظي بقبول على مستوى قاعدته الجماهيرية المحلية، أما خطوات نظام الشرع التطبيعية فقد انخرط قطاع أوسع من الإسلاميين على اختلاف أقطارهم في الدفاع عنها أو تبريرها وتفهمها. ليفقد التيار الإسلامي بذلك تفوقه الأخلاقي والمبدئي على باقي النخب والتيارات المجتمعية في واحدة من أنبل القضايا وأرفعها. مشكلة النقد الذاتي عند الإسلاميين أنه لم ينبع من حاجة داخلية لتصحيح الأوضاع التنظيمية، ولم يكن استجابة لحاجة مجتمعية بل كان دائما إرضاء لقوى أجنبية أو محلية سلطوية أو نخبوية متعالية، هذا ما جعله أقرب للاختراق الخارجي منه للتجديد والإصلاح الداخليين، وهو ما أبعد الإسلاميين من الثورية إلى الإصلاحية ومن الإصلاحية إلى الترقيعية. المثير للسخرية في النيل من طوفان الأقصى أن القوم أدمنوا هذا الشكل من النقد والهجاء حتى بعد أن تغيرت مواقعهم، فمنذ حوالي الثلاثة عقود ما زلنا أمام نفس الأدوات والميكانيزمات لتسفيه أي عمل كفاحي إسلامي، وقد كان مفهوما أن تصدر منهم مواقف نقدية لجزء من الأدبيات الإسلامية ولكثير من الممارسات التنظيمية حين كانوا في هامش العمل الحركي يوم كانوا يقدمون أنفسهم معارضة للحرس القديم. أما بعد أن تمكنوا من فرض رؤاهم وتصوراتهم الضحلة في الزمن التالي ل 11 سبتمبر، حيث تم تلميع عدد من التجارب الانشقاقية في تركيا والمغرب وتيار أبو الفتوح في مصر أو بعد رضوخ المركز التنظيمي التقليدي للخطاب المعاصر المقبول أمريكيا المهادن للنظام الرسمي العربي، فقد أصبحوا ملزمين قبل غيرهم بتقديم جرد حساب لحصيلتهم في الفترة الأخيرة باعتبارهم المتسيدين للمشهد الإسلامي حاليا. من هنا فإن النقد لم يعد مهمتهم إلا إذا وجهوا أصابعهم إلى أنفسهم ليسائلوا عجزهم الفاضح المتصنع عن نصرة إخوانهم حق النصرة، وعن تعطيلهم لقدراتهم الضخمة وعن شلهم لحركة شبابهم وعدم استثمارهم غليان الشارع العربي في فورة صدمة ما بعد مجزرة مستشفى المعمداني لتصعيد في اللهجة وفي الشارع ما دام أن القرار الإسلامي بيدهم. لكنهم اختاروا الخيار الأسلم وركوب الموجة إلى أن ترسو السفينة بأمان دون أن تعطل مواقعهم أو مكاسبهم. ثم لما هدأت الجبهة قليلا تعالت الأصوات للمز والغمز في قرار الطوفان خلافا للمزاج الإسلامي العام، وما كان يتداول في الكواليس المغلقة بدأ رويدا يطفوا إلى السطح. إن أساليب زاوية "الإسلاميون" في موقع "إسلام أون لاين" القطري لم تتغير عندما كانت الأردوغانية تطلق حملات ممنهجة ضد قيادة الإخوان وضد أدبيات الإسلاميين الكلاسيكية عبره وعبر منابر إعلامية أخرى، ثم نسوا كل الذرائع التي بنوا حملاتهم عليها بعد أن فرضوا إملاءات الخارج على الصف الإسلامي في نهاية المطاف، مثلما حاربوا أفكار سيد قطب بداعي الانحياز لخط البنا ثم رموا إرث المؤسس بعيدا، وما عاد يستدل به ولا يستحضر إلا للتبرك في أحسن الأحوال. كما لم يعد أحد منهم يطرح مسألة تداول المسؤوليات والشورى ودمقرطة القرار الداخلي رغم أن من كان يروج لهذه الشعارات نسج على منوال أسلافه، ورغم القرارات الانفرادية المصادمة للمبادئ الإسلامية الراسخة التي قاموا باتخاذها. الملاحظ أن النقد الذاتي لا يستحضر إلا في سياق الهجوم على كل تجربة مبدئية، فالقوم موجهون حصرا لمطاردة أي نفس كفاحي داخل التيار الإسلامي أينما وجد إن على الصعيد النظري أو على صعيد الممارسة. فمع كل محنة تعود نفس الأسطوانة للاشتغال ثم نشهد بعد ذلك تنازلات جديدة بحجة المرونة. أما تجاربهم الهزيلة وخيباتهم التي لا تعد ولا تحصى والتي أفقدت التيار الإسلامي بوصلته حتى لم يعودوا قادرين على الإجابة عن سؤال من هم؟ وماذا يريدون؟ فمن النادر أن تجد منهم من يوجه سهامه إليها. إن ما يتجاهله الإسلاميون المعاصرون هو أن التجارب الكفاحية التي يتم النيل منها من طرف نخبة استنبول – الدوحة المخملية هي التي جعلت هذا التيار يتصدر المشهد السياسي والمجتمعي لعقود ويفرض جاذبيته وهيبته حتى لدى الخصوم، خلافا لما أظهرته براغماتيتهم، حيث حولتهم إلى كائنات انتهازية مستعدة لتبيع وتشتري في أي مبدأ مهما بلغت درجة قداسته. لقد شكل طوفان الأقصى زلزالا إسلاميا داخليا بقدر الزلزال الذي خلفه في الجبهة الصهيونية حين تطلب أن تهب كل قوى الاستكبار العالمي وملحقاته المحلية لإسناد الكيان وتشديد الخناق على غزة. حيث أحس المتصدرون للتيار الإسلامي بالخطر من سيادة النموذج السنواري على بضاعتهم المزجاة، ما تطلب معه ممارسة التقية مع قواعدهم ومجاراتها ولو إلى حين استتباب الأمور لتعود حليمة لعادتها القديمة، فتغتال بخبث النموذج الملهم وتسفهه بأدواتها المعهودة.