…مهما كان وحدث، نبارك للأخوة في السنغال الفوز بكأس افريقيا 2025م، والخير كله إلى الأمام للمنتخب المغربي. ولكن لابد من الحديث عن تفاصيل تظلل واقعنا القاري إلى اليوم. فللأسف انسحاب المنتخب السنغالي من الملعب وما وقع من أحداث بعد إعلان الحكم لضربة جزاء لصالح المغرب، يؤكد على أننا في افريقيا مشحونين ضد قيمنا وضد المؤسسات، ولم نصل بعد لدرجة إدراك وجوب تغيير نظرتنا لذواتنا، لقد انشرت في الآونة الأخيرة روح الكره والتشكيك والاشاعة والحديث عن المؤامرات بشكل غريب( حالة الجزائر ومصر وجنوب افريقيا ثم السنغال..)، كأننا أمام استعادة إرث الاستعمار الذي بث في الأمة الافريقية الشك وزرع روح الخيانة في تربتها، وهي نزعة تصر على جعلنا نستمر في توارث التفكير ب"عقلية القطيع" التي استغلتها بعض الأنظمة التسلطية بعد الاستقلال، للتخلص من المعارضين المتهمين دائما بالخيانة والعمالة والتآمر، فأمست هذه الرؤية "نزعة شعبوية" تسربت لروح الجماهير وبسطاء الناس لتحطم بعض أحلامنا في التحول لجيل الحداثة وما بعدها. إن نظرة بعض الفاعلين لمن يتولى تدبير الشؤون الكروية والمؤسسات عموما، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية بكل هذا الارتياب يفصلنا عن صيرورة بناء مداركنا، ويحطم تاريخ نضال الأمم الافريقية من أجل اصلاح ذواتها وتغيير التفكير في وضعنا، فمثلا انسحاب السنغال من المباراة وتتبع الفريق المغربي وبعض الفاعلين الرياضيين لاستعادته، يعد نكسة أخلاقية وتنظيمية لمقابلة نهائيات كأس افريقيا، بعد كل الجهود المبذولة لتكون النسخة المغربية أنجح في تاريخ هذا الكاس، ولابد أن يكون لهذا الفعل المثير للجدل، عواقب قانونية على الفريق السنغالي. المسألة الثانية: إن ترك ابراهيم دياز اللاعب المغربي ليكون من يسدد ركلة الجزاء كان مجازفة مكلفة، بالرغم من كوني لست خبيرا في الأمر ولا أعرف ماهي المعايير المعتمدة بالضبط في تعيين من يتولى ضربات الجزاء، لكن لابد أن أدلي برأيي كمشجع غاضب، فرغم تميز اللاعب في أدائه إلا إنه في مباراة السنغال كان غائبا ذهنيا وضعيفا في خلق الفرص، خلاف ما سبق أن أظهره من روح قتالية في مقابلات سابقة حتى أنني كنت أراه كمقاتلي "الكاميكاز" اليابانيين في اندفاعه، كما أرى أن اللاعب في طبعه وروحه كثير من البراءة الطفولية إن لم أقل "السذاجة"، وهذا واضح في ردود فعله وتفاعله مع الخصوم، وهي نقطة عبء تحجب العقل وتؤثر في النفس، وقد استغل الخصم الفرصة للضغط عليه وتشتيت انتباهه بعد انبرائه لضربة الجزاء، وربما كان سلوكه بإضاعة ركلة الجزاء تعبيرا عن التنفيس عن لحظة الارتباك التي شهدتها المقابلة أو حتى لا يقال أن ضربة الجزاء كانت مؤامرة، حتى يفوز المغرب بالكأس بعد غياب قارب 50 سنة، وضياعها ( أو تضييعها) هو تمكين للعدالة والوضوح على الشبهات، فيكون بذلك ابراهيم دياز استعاد أخلاق الفرسان وأنصت " لمونولوجيه" وأراح روحه الطفولية، التي ضغطت ضميره وحركت مشاعره المختلطة، ولا يجب هنا للمشاعر أن تقف أمام حلم أمة بكاملها وضد مصالح المغرب الرياضية، وقد كان الأولى بحسب رأيي، تولي الناصري أو حكيمي لتلك الضربة تفاديا لأي ارتباك، وهما أكثر تجربة واتزانا، علما أن دياز في جميع الحالات سيكون المستحق للتتويج كهداف لكأس أفريقيا2025م. نعم، إن مباراة المغرب والسنغال انتهت، وقد كان المنتخب المغربي الأفضل في الفرص واللعب والاستعراض والدفاع ..، ولكن كانت تنقص اللاعبين "النزعة الترامبية" البراغماتية التي تتميز بالقول والفعل، دون النظر في أعين الخصوم أو التأثر بآهاتهم أو سماع جعجعة الضمير حتى يؤثر على قراراته فيستبعد خبث اللعب في لحظة تاريخية، لحظة المفروض أن يكون شعارها "نكون أو لا نكون"، إن كان هنالك حالات شك وشفقة أو استفاقة ضمير فليكن ذلك بعد صافرة النهاية، أما الآن، فلننظر إلى المستقبل، وليرتح الأبطال، فهنالك كؤوس أخرى وتحديات أخرى قادمة، وكل الشكر للاعبين المتميزين والمدرب والجامعة الملكية، ولبقية الفاعلين في الكواليس الذين رفعوا القميص الوطني واسم الوطن، ليسمع صداه في بقية القارات ويرفرف علمه بمجد وعزة، وعلى المدرب أن يفكر في تغيير الكثير من قناعاته المتعلقة باللاعبين أو خطط اللعب، هذا إن بقي لإتمام مسيرة المنتخب، فنحن نستحق الأفضل بهؤلاء اللاعبين النجوم، وجهودنا لا يجب أن تضيع كالسراب في لحظة انذهال. توضيح:( نسبة النزعة الترامبية للرئيس ترامب الذي يتميز بالانخراط البرغماتي في قراراته دون النظر لكثير عواقب أو البحث عن التبريرات الأخلاقية لها..)