حين يغادر رجل السلطة والسياسة مقعد الرئاسة، لا يترك خلفه كرسيا فارغا فقط، بل يخلف ضجيجا من الصمت، ووجوها كانت تزدحم حوله ثم تفرقها أول رياح المنعرج. هكذا تبدو لحظة النزول عن "مضد" من قبل عزيز أخنوش، وريث سر أحماد أولحاج: قاسية، عارية، ومشحونة بأسئلة لا تُجاب. عزيز أخنوش، الذي صعد سريعا على أكتاف مناضلين ورفاق وأحبّاء، لم يكن وحيدا في رحلته إلى القمّة. كان محاطا بدائرة واسعة من المناصرين والمصفّقين، بالهتافات، وبصورٍ انتقلت من المنصّات إلى "البروفايلات"، ومن الخطب إلى شاشات الهواتف. كانت صورته رمزا للانتصار، ومرآة لأحلام مُعلّقة على رجل قيل عنه إنه "المنقذ" و"العاقل" و"رجل المرحلة". لكن السياسة، كما علّمتنا، لا تحفظ الودّ. وما إن يغادر "الزعيم/ الرئيس" كرسيّه، حتى تبدأ غربلة الذاكرة الجماعية. أولئك الذين بكوا فرحا عند صعوده، سيبكون ألما أو خيبة عند نزوله. دموعهم اليوم بعد 7 فبراير ليست دموع حبّ خالص إلا من رحم، بل مزيج من حنين إلى النفوذ، وخوف من الفراغ، وإحساس باليُتم السياسي. فالمناصر، حين يفقد زعيمه، لا يفقد شخصا فقط، بل يفقد معنى كان يستمدّه من القرب، ومن الصّورة، ومن الشعور بالانتماء إلى "القوة". في مثل هذه اللحظات، تتعرّى الحقيقة القاسية: كثيرون ممن وضعوا صورته في واجهاتهم، سيزيلونها عند أول منعطف إلا من رحم. ليس لأنهم تغيّروا فجأة، بل لأن الولاء في السّياسة غالباً ما يكون مؤقتا، مرتبطا بالموقع لا بالمبدأ. الهتاف الذي كان يملأ السّاحات، قد ينقلب همسا أو صمتا، والدّفاع المستميت يتحوّل إلى تبرير باهت، ثم إلى نسيان مدروس. أما أخنوش نفسه، فدموعه، التي سقطت أمام أنصاره في موقعة 7 فبراير، لن تكون فقط على فقدان المقعد، بل على اكتشاف هذه الحقيقة القديمة الجديدة: السّلطة تصنع حولك حبّا هشّا، وحين تزول، يتبخّر الكثير مما ظننته وفاء. وحدهم القلّة يبقون، أولئك الذين لم يصفّقوا لأنك قويّ، بل لأنهم آمنوا بما تقول أو حتّى بما تمثّل. "دموع أخنّوش" ليست حكاية رجل غادر رئاسة "التّجمع الوطني للأحرار" كما غادره عصمان والمنصوري مزوار على مضد فوقع ما وقع وانقلب من انقلب وتكالب من تكالب ضد الغير، بقدر ما هي مرآة لثقافة سياسية كاملة في بلادنا، تُضخّم الزّعيم حين يكون في القمّة، وتتركه وحيدا عند النّزول. وهي درس قاسٍ للمناضلين: أن يميّزوا بين المشروع والصّورة، وبين السّياسة كخدمة عامة، والسّياسة كاستثمار عاطفي سريع الرّبح، وسريع الخسارة. في النّهاية، لا أحد يبقى على المضد إلى الأبد. وما يبقى حقا ليس الصّور ولا الهتافات، بل الأثر. أما الدموع، سواء دموع الزعيم أو دموع مناصريه، فهي لحظة عابرة، سرعان ما تجفّ عند المنعرج الأول. أتمنّى صادقا أن تنتشر شظايا دموع أخنّوش على كل مناضلي "الحمامة" مع دنو انتخابات 2026 وأن يتماسك عضدهم ويواصلوا المسار لا أن يغيروه عند المنعرج الأول بعد "7 فبراير"، كما فعله المئات ممن أعرفهم والتحقوا بموجة "8 شتنبر 2021″، إذ ذاك ستصدق كل الشّعارات والخطب التي حملت شعار "الثّقة"، وستتبخر "اللاّثقة" كأسلوب استمرارية يكرس حياة السّاسة والسّياسيين، إلا من رحم، وقانا الله وإياكم شرارهم، ولا أذاق الشّعب بأسهم مرّة أخرى.