قراءة جيوسياسية تحولت الثورة الإيرانية التي أطاحت بحكم الشاه، سنة 1979، إلى ثورة إسلامية، بعد نجاح التيار الإسلامي في الانفراد بالسلطة وتأسيس مشروعية أوتوقراطية تقوم على نظرية "ولاية الفقيه" التي تم تطويرها من داخل أدبيات المذهب الجعفري الاثني عشري، وهو مذهب يكن عداء عقدي وأحقاد تاريخية متراكمة تجاه المذهب السني، اتكأت عليه الدولة من أجل اختراق محيطها السني، بعد اعلان الإمام "الخميني" تصدير مبادئ الثورة إلى دول المنطقة، كما تبنت إيران بعد الثورة سياسات مناهضة لأمريكا وسياساتها وحلفاءها في المنطقة بعدما كانت حليفا استراتيجيا للغرب، ولهذا لم تكن الثورة مجرد تغيير سياسي داخلي، بل كانت حدثا فارقا ومحوريا أسس لحقبة جديدة من الصراعات والترتيبات الجيوسياسية، التي أدخلت المنطقة حالة من الاضطراب والتفكك والسيولة الأمنية التي لا زلنا نعيش فصولها إلى الآن. فإلى أي حد تؤثر الاستراتيجيات الدولية في توجيه مسار المشروع الإقليمي الإيراني منذ الثورة إلى الآن؟ الصعود الإيراني لم يكن الطريق سالكا أمام المشروع الإقليمي الإيراني أول الأمر، إذ سيتعثر في حرب طويلة مع العراق دامت 8 سنوات و كانت فرصة العرب لإجهاض مشروع التشيع السياسي مبكرا، إلا أن التغير الذي عرفه النظام الدولي مطلع تسعينيات القرن الماضي بانتقاله من الثنائية القطبية الى قطبية أحادية بزعامة أمريكية، أطلق مسارا جديدا من التحولات الجيوسياسية التي أدت إلى إخراج المشروع الإيراني من حالة الجمود، ومهدت الطريق أمامه للتحول إلى مركز نفوذ جيوسياسي في الإقليم، وهو ما يمكن رصده من خلال 3 محطات أساسية مر منها المشروع الإيراني: 1 الهندسة الأميركية لمشروع الشرق الأوسط الجديد، أفضت إلى إزاحة منافسين إقليميين من طريق إيران : نظام "صدام حسين" في العراق وطالبان في "أفغانستان"، تأسيسا على سردية التصدي للخطر الاستراتيجي الجديد الذي يمثله "الاسلام السني" وهي السردية التي قادت أمريكا خلال فترة تواجدها بالعراق، إلى الدفع بالقوى السياسية الشيعية، لتبوأ مكانة مركزية وتهميش القوى السنية في النظام السياسي الذي قام على أنقاض نظام البعث، فتحول بذلك العراق من حاجز استراتيجي يحتمي به العالم السني من النفوذ الإيراني، الى منصة ايرانية للانطلاق نحو تفكيك المنطقة و بناء الهلال الشيعي. 2 ثورات الربيع العربي سنة 2011، منحت ايران اختراقات جيوسياسية جديدة مكنتها من وضع يدها على معابر بحرية وبرية استراتيجية، نتيجة انهيار بعض الدول العربية وفقدانها للسيطرة على ترابها وحدودها، مثل حالة سوريا واليمن، حيث صار لإيران "مناطق نفوذ" خارج حدودها، تخضع لسلطة المليشيات والقوى الموالية لها في لبنانوسورياوالعراق واليمن، مشكلة محورا إقليميا متراصا، يدار من طهران، ينبغي ان الاعتراف له بدور القوة الإقليمية التي تملك مفاتيح إرساء الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما ستترجمه التفاهمات التي تم تضمينها في الاتفاق النووي سنة 2015. 3 عودة روسية للمنطقة في عهد الرئيس "بوتين" أتاح لإيران اسنادا عسكريا لمواجهة الدول السنية التي اضطرت لتشكيل أحلاف عسكرية لضمان أمنها القومي، نتيجة الخذلان الذي شعرت به من جانب حلفاءها التقليديون، وبسبب تصدع المنظومة الغربية، و تراجع الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط، وهو ما عبر عنه موقف "ترامب" من هجمات مليشيا الحوثي على منشأة "أرامكو" السعودية للنفط، بمسيرات إيرانية، إذ صرح حينها "أنها وقعت في مكان بعيد عن أمريكا"، وكأنه اعلان عن نهاية التحالف التقليدي " بين أمريكا والمملكة العربية السعودية. إن المشروع الإيراني الذي قام على شعارات مواجهة الامبريالية الغربية، استهدف طيلة مساره، تفكيك سيادة الدول العربية وتعميق انقساماتها المذهبية، كما أبان عن انحياز طائفي واضح خلال مواقفه المتباينة من ثورات الربيع العربي، وكل همه ظل منصبا على استمرار التوافق الذي ابرمته إيران مع أمريكا في العراق، والذي يتيح لها مواصلة التمدد، طالما لا تتعرض للمصالح الامريكية في المنطقة، و لا تصطدم مباشرة بإسرائيل، إلا أن تطور المشروع الإيراني إلى مستوى تهديد الأمن القومي الإسرائيلي، ومحاولاتها تخطي سقف القوة المسموح به ، مثل قيامها برفع مستوى تخصيب اليورانيوم، وجراءتها على تعطيل المصالح الغربية في البحر الأحمر، سيفضي إلى انهيار التوافق الإيراني الأمريكي وتوقف مسار الصعود الإيراني ، بمبرر تنفيذ هجوم عسكري ضد إسرائيل بغلاف غزة. الانحسار الإيراني: لم تكن عملية "طوفان الأقصى" مجرد عملية عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية، انبثقت عنها رؤية استراتيجية أمريكية جديدة، تنظر إلى النفوذ الإيراني، كخطر أمني يحيط إسرائيل بطوق من النيران، ويعيق إنجاز المشاريع الأمريكية المنافسة للصين، لتبدأ خطة تفكيك المحور الإيراني بمجرد وصول "ترامب" إلى السلطة عن طريق تفاهم "أمريكي روسي"، أعاد رسم أدوار الفاعلين الإقليميين، بعد أن قدمت روسيا تنازلات في "سوريا" مقابل مكاسب في أوكرانيا، فأسقط هذا التفاهم نظام حليف لإيران في سوريا، وتشكلت محله سلطة سنية جديدة موالية لتركيا، مما نتج عنه انقلاب في موازين القوى الإقليمية لصالح السنة، نتيجة تحول الدور السوري من دعم الأدرع الإقليمية الإيرانية، إلى خنق هذه الاذرع وقطع إمداداتها، و تمكين إسرائيل من جسر جوي لقصف العمق الإيراني بكل حرية. إن نزع مخالب إيران ومحاصرتها اقتصاديا واغتيال قادة الصف الأول وتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية هي مجرد وسائل في إطار برنامج أمريكي، انطلق غداة 7 أكتوبر 2023 بغاية طي صفحة النفوذ الإيراني نهائيا عن طريق إرغامها على تفكيك برنامجها النووي الذي يشكل حجر الزاوية في مشروع الأمن القومي الإيراني. خاتمة: قبض الريح يمكن اعتبار الحالة الإيرانية من أبرز النماذج السياسية المعاصرة التي تجسد دور القيم والأفكار السياسية والمعتقدات الدينية التي توظفها النخب السياسية الحاكمة في مصير الدول داخليا وخارجيا، فقد أحدث صعود نخبة سياسية بخلفية أصولية إلى السلطة في ثورة 1979، تحولا عميقا في هوية الدولة وانقلابا جذريا في أدوارها الإقليمية والدولية التي باتت تمارس بنزعة مذهبية مدبجة بنص الدستور، مما جر الدولة إلى مسار طويل من الصراع الذي استنزف مواردها، ليجد النظام السياسي نفسه في نهاية المطاف، أمام نفس الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت الثورة الإيرانية سنة 79، بعد أن خرج الناس إلى الشارع في تظاهرات عمت أرجاء بلاد فارس، أن حصاد الثورة لم يكن إلا قبض الريح. -باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية – جامعة عبد المالك السعدي طنجة