في عالم سفلي يغرق في مستنقع الهشاشة، عالم يكتنفه الألم، ويضجّ بقلق وجودي، حزن غير مرئي في عيون من اكتوى بنار اليأس وخيبات الأمل، وتقلّب على رمضاء البؤس، وعانى من مرارته وشقائه. داخل هوّة سحيقة من المعاناة يعيش أبطال قصّتي؛ أبطال بلا مجد، بلا أمل، بلا أفق يحتضن أحلامهم. تأمل مدفن الأرواح اليقظة، مقبرة الأحياء. تأمل وجوهًا حيّة تسكنها العتمة؛ ستسمع صراخ الجياع وأنينهم. نفوس عطشى تبحث عمن يُطفئ ظمأها، بعدما كان لوقع أصواتهم صرير أقلام على الألواح؛ الآن لا صوت لهم، كحجر جامد لا جوف له. ارحموا هذا العبد الضعيف، قد ولّى وجهه نحو خالقه، وأتى رحمته راجيًا، قد عيل صبره ونفد، في زمن لم يعد فيه الحق أو العدل يُذكر، في مكان صار فيه الظلم شريعة وقانونا، والنسيان عدلاً. أضحت القوانين مثل حبّة جوز يسهل قضمها، وعصًا يتوكّأ عليها عات مُتجبّر، يهشّ بها على غنمه، ويدوس بها كرامتهم بقدمه، كأنها خبز جفّ حتى صار سريع الكسر. رأيت الخوف في عيون بريئة، ترفع شكواها وهمّها إلى خالق الكون الشاسع، ورأيت نفوسًا خبيثةً تربّت في مستنقع الوضاعة، استوطنت هذا العالم، فأفسدت طعم الحياة فيه، حتى صار ممقوتًا مُستكرهًا. نبوح بما جاد به القلم، سلاح فتّاك ضد خرائب الطغيان، انتفض واضطرم غضبه، حتى اقتحم معاقل الحيتان. هي انتفاضة قلم، يفضي بكل ما تضمره النفس، قلم لم يعد يحتمل الكتمان، ونفس منقبضة مشمئزة أثقلها السأم حتى ضاقت بذاتها.