في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا متزايدة ويتراجع نفوذ حلفائها الإقليميين، برز خلاف حاد بين السعودية والإمارات، الحليفين التقليديين وركيزتي مشاريع التحديث في الشرق الأوسط، في نزاع تصاعد من خلافات تكتيكية إلى مواجهة سياسية وإعلامية مفتوحة قد تعيد رسم توازنات المنطقة. وبحسب مقال للكاتب ديفيد إغناتيوس في صحيفة "واشنطن بوست"، فإن الشرارة الأولى للخلاف اندلعت أواخر ديسمبر على خلفية تباين في مقاربة إنهاء الحرب في اليمن، قبل أن يتطور إلى حملة سجالات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي، اتخذت طابعًا شخصيًا وسياسيًا في آن واحد.
وتتهم شخصيات سعودية الإمارات بأنها "حصان طروادة لإسرائيل"، في إشارة إلى انضمام أبوظبي إلى "اتفاقيات إبراهيم" عام 2020، فيما يرى مسؤولون إماراتيون أن هناك حملة تحريض ممنهجة تستهدف علاقات بلادهم مع إسرائيل. ونقل المقال عن تحليل إعلامي أن نسبة كبيرة من التعليقات السعودية عقب قصف الرياض قوات حليفة لأبوظبي في اليمن أواخر ديسمبر ركزت على اتهام الإمارات بتنفيذ "خطط صهيونية لتقسيم الدول العربية". كما أشار إلى تقرير أعدته شركة استشارات أمن قومي، اطّلع عليه الكاتب، يفيد بمحاولات ربط قيادات إماراتية بقضايا مثيرة للجدل، إلى جانب اتهامات بتمويل حملات معادية للإسلام في أوروبا، في سياق تصعيد إعلامي غير مسبوق بين الجانبين. ويكتسي الخلاف أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع العاصمتين. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق المقال، يعوّل على دعم خليجي موحد في مساعيه لمواجهة إيران، واحتواء حركة حماس في غزة، وتوسيع دائرة العلاقات بين إسرائيل ودول إقليمية أخرى. غير أن مساعي وساطة أمريكية، بحسب مسؤولين مطلعين، لم تُفض إلى نتيجة، وسط ما وُصف ب"حدة المشاعر الشخصية" بين القيادتين. ويرى جوني غانون، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، أن جوهر الخلاف يتمثل في تباين الرؤية بين الطرفين: "السعوديون يريدون التماهي مع سياساتهم الإقليمية، فيما يسعى الإماراتيون إلى الحفاظ على حرية خياراتهم". ويعود التوتر، بحسب المقال، إلى العلاقة الوثيقة التي جمعت سابقًا بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. فقد لعب الأخير دورًا استشاريًا في بدايات صعود الأمير السعودي، غير أن ترسيخ الأخير لسلطته عزز نزعة الاستقلال في القرار السعودي، في مقابل رفض إماراتي لما تعتبره وصاية سياسية من الرياض. وتجلّى التباعد في ملفات إقليمية عدة، من اليمن حيث دعمت أبوظبي قوى جنوبية ذات نزعة انفصالية، إلى السودان وسوريا وليبيا والصومال. كما برز خلاف حول التعامل مع قوى إسلامية إقليمية، في ظل اتهامات إماراتية للرياض بالتساهل مع بعض هذه الأطراف. وزاد التوتر بعد زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن في نوفمبر، حيث تباينت الروايات بشأن طلب فرض عقوبات على أطراف سودانية مرتبطة بالإمارات، وهو ما نفته الرياض. وفي ديسمبر، شنّت قوات مدعومة من أبوظبي هجومًا في جنوب اليمن، قبل أن تقصف السعودية معدات تابعة لحلفاء الإمارات، ما دفع أبوظبي إلى الانسحاب من اليمن، وسط تبادل اتهامات ب"الطعن في الظهر". كما انعكس التنافس على مشاريع استراتيجية، من بينها "ممر الشرق الأوسط" الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج وإسرائيل، في ظل تقارير عن مساعٍ سعودية لإعادة رسم مساره بما يتجاوز الإمارات. وامتد تأثير الخلاف إلى التنسيق الأمني، إذ نقل المقال عن مسؤول أمريكي سابق أن عرضًا إماراتيًا لإرسال قوات للمشاركة في حملة ضد الحوثيين تعثر بسبب خلاف مع السعودية حول دعم ميليشيات يمنية معينة. ورغم أن الخلافات بين حلفاء إقليميين ليست جديدة، فإن ما يثير القلق، وفق المقال، هو تصاعد الخطاب المرتبط بعلاقة الإمارات بإسرائيل، في منطقة تشهد توترات متزايدة. ويرى مراقبون أن استمرار هذا التصعيد قد يضعف الجبهة الخليجية في لحظة إقليمية دقيقة، ويعقّد حسابات القوى الدولية المنخرطة في ملفات الشرق الأوسط.