مرّ أسبوع، لكن المناديل لم تجف بعد. أما الفضاء الرقمي فلا يزال يهتز، يعيد تحليل "الدموع الحارة" التي سُكبت عند مغادرة عزيز أخنوش رئاسة التجمع الوطني للأحرار. فيديوهات وبودكاست وتعليقات ساخرة أو متعاطفة: غادرت العاطفة قاعة المؤتمر بالجديدة في 7 فبراير 2026 لتتحول إلى ظاهرة واسعة الانتشار. مثل روسي يقول: «عندما تصمت الكلمات، تتكلم الدموع». لكن يبقى أن نفهم لغتها. عند التدقيق، لم يكن الأمر ثورة ولا هزيمة انتخابية. مجرد رحيل. عشر سنوات على رأس حزب، ثم انسحاب. في القاعة، وجوه تنقبض وأصوات تنكسر. بدا رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، متأثرا بوضوح. وتبعه عدد من القياديين، من بينهم وزيرة السياحة، ووزيرة المالية، والمديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن. كما لم يتمالك مصطفى بايتاس، المقرب منه والمسؤول عن التواصل، دموعه، شأنه شأن آخرين لم تُظهرهم الكاميرات للعموم. باختصار، المشهد كان مفاجئا، إذ لم يسبق أن شهد المغرب مثله. في الذاكرة الوطنية، ارتبطت أبرز الدموع العلنية بفبراير 1961 ويوليوز 1999، عند رحيل الملكين محمد الخامس والحسن الثاني. كانت دموعا صادقة وتاريخية، بالنظر إلى المكانة التي احتلها هذان الرجلان في قلوب المغاربة، حتى وإن كان الحسن الثاني معروفا بصرامته مع شعبه. أما في الحالة الراهنة، فالأمر يتعلق برئيس حزب — يظل، إلى حين، رئيسا للحكومة. الرمزية هنا تختلف في حجمها. وتطرح تساؤلات. لا يُبكى على رجل فقط... عشر سنوات على رأس تنظيم سياسي لا تنتج خطبا فقط، بل تنسج شبكات وولاءات واعتمادا متبادلا. زعيم يُنظم ويمول ويُحكم ويحمي، يشيّد بنية غير مرئية. وعندما يتحرك هذا المركز، ولو جزئيا، تعاد صياغة التوازنات الداخلية. لا يُبكى على الشخص وحده، بل على النظام الذي كان يجسده. تصبح الدموع حينها لغة سياسية. رسالة إلى القيادة الجديدة: الولاء قائم. ورسالة إلى الرأي العام: الاستمرارية أولى من القطيعة. ليس الأمر بالضرورة مسرحية؛ أحيانا يكون مجرد تعبير غريزي. تعبير "دموع التماسيح" بدأ يتداول بالفعل. وهو توصيف مغرٍ. لكن الواقع السياسي أكثر تعقيدا. قد يُبكى اعترافا بالجميل. وقد يُبكى وفاءً. وقد يُبكى خوفا من الفراغ. حين يرتبط حزب بقوة بشخصية واحدة، فإن انسحابها يخلق لحظة ارتباك رمزي. الترشيحات المقبلة، والتحكيمات الداخلية، وتراتبية المواقع: كل ذلك قابل للتغير. ليست كل الدموع دموع حزن. أحيانا تكون دموع قلق. الاختبار الحقيقي؟ لا تُقاس السياسة بعدد المناديل المستعملة في مؤتمر حزبي، بل بقدرة الحزب على الاستمرار دون الارتهان لرجل واحد. إذا مرت عملية الانتقال داخل التجمع الوطني للأحرار بسلاسة، فستبدو تلك الدموع مجرد لحظة إنسانية. في السياسة، الدموع ليست بريئة أبدا. إنها مؤشر على تحرك مركز الثقل. وحين يبكي نظام ما، فليس بالضرورة لأنه يفتقد الرجل. بل لأنه يفتقد التوازن والاطمئنان والأمان، وأحيانا الامتيازات المادية التي كان يوفرها. ويُذكر في هذا السياق أنه من دون أخنوش، لن يعود بمقدور التجمع الوطني للأحرار أن يداعب حلم العودة إلى رئاسة الحكومة بعد انتخابات خريف 2026. فقد انفتحت المنافسة الآن بين حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة. في نهاية المطاف، لعل في ذلك يكمن سر تلك الدموع الحارة غير المألوفة. المصدر: عن موقع "أرتيكل 19"