قد تبدو "همسةً" بلغةٍ دبلوماسيةٍ مهذبّةٍ، وقد تعني في فحواها "قرصةً" بنبرة النّهي عن تماديك في مجاراتك تضخم الأنّا البزعطية والاستهتار بآداب الوزارة وأعراف الإدارة، ولا أقول تقاليد الحكم، حتى لا تنتفخ أوداجك أو يركبك جنونُ عظمةٍ متخيّلةٍ، وأنت تنصّب نفسك سلطةً دونكشوطيةً تحلّل وتحرّم في خيارات ما يقرب من ستّة ملايين من المغاربة في مئة دولة بعيدا عن المكان الذي تتخيله "مركزَ قرار". وأنت تعلم جيدا أنك، ما قبل وما بعد تلك اللحظة الخطابية المتهوّرة، لست "صاحب قرار" وإن أطلقتَ عنان خيالك فيها لغرور شارد. أعتذر إنْ تأخرتُ في الردّ عليك لاعتبارات الانشغال بتحليل مستجدات الحرب الجارية في الخليج. ولكن، لا يقلّ مفعول ما يرد به عليك هؤلاء المغاربة من مواطني العالم الفسيح المتحرر من هرمونات التكبّر أو الوصاية أو التطاول على معنوياتهم. لقد اختار هؤلاء المغاربة في عداد الملايين الستة تقريبا حياة الشتات بين الجهات الأربع لهذا العالم بمحض إراداتهم وعنفوان أحلامهم. ولكنهم يظلون متشبعين بروحهم الوطنية، ومؤمنين بما هو مغربي تاريخًا وثقافةً وحضارةً، ويحملون في أعماقهم حلم المغرب المتقدم الديقراطي الحداثي، مغرب الجميع من أجل الجميع، ومغرب المواطنة المتكافئة، وليس مغرب الغنائم والإكراميات وفقا للانتماء العائلي والمقام الاجتماعي وبقية مؤشرات الرضا المخزني. قد تغيب عن ذاكرتك أيها الوزير جامح بالزّعطي أن هؤلاء الملايين الستة يعادلون ديمغرافيا دولة من الدول الأعضاء في الأممالمتحدة، ويجمعون فيما بينهم مقدرات مادية، وكفاءات علمية، وخبرات متنوعة تنامت بين عدة مدارس وأنساق ابتكارية بين دول الشرق والغرب، وفي معاهد وجامعات وشركات وقطاعات عامة ومؤسسات دولية قد لا يتسع لها مستوى إدراكك للعلاقة بين مستوى الخبرة الدولية لهؤلاء المغاربة، وخاصة من ينطبق عليهم لقب العقول المبتكرة. بالتالي، لا تسعفك أنفةُ تعاليك بضحالة غرورك لكي تعرف أهمية هذا الرصيد البشري الاستراتيجي وتستوعب قيمته في تحقيق التنمية البشرية للمغرب. وأجزم قاطعا أنك لم تسمع ولم تقرأ عن تجربة الصين باسم "هايجوي"أو "سلاحف البحر" منذ التسعينات من أجل استقطاب العلماء والمهنيين المغتربين وتشجيعيهم على العودة إلى الوطن. ولا تعلم أيضا أن حكومة بيجين تسدد لهم رواتبهم الشهرية بنفس قيمة ما كانوا يتقاضوه في أوروبا أو أمريكا الشمالية. أراهن بنصف ثروتي إن كنت قرأت شيئا عن "برنامج الألف موهبة" الذي أُطلقه الصين عام 2008، ويشمل تخصيص مكافأة لمرة واحدة بقيمة مليون يوان، وتمويلاً سخياً للبحوث، ومزايا سكنية، ومعاملة استثنائية لجذب العقول الصينية البارزة والخبراء الأجانب من الخارج. ولكي لا نبقى في سياق التجربة الصينية وحدها، أحيلك على نتائج الأبحاث العلمية عن دول أخرى ضمن دراسات مركز الهجرة المقارنة في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ومعهد IZA الألماني، فضلا عن دراسات البنك الدولي وجامعات ومركز أبحاث أخرى. لعلك تتعلم القراءة واستيعاب تجارب الدول التي تحقق قصة نجاحها، وتقضي بعض الوقت مع الدراسات التي تدعو لتغيير النظرة التي تعتبر عمل المواطنين في الخارج مجرد رأسمال بشري إلى نموذج جديد يعتبر العمل رأس مال اجتماعي. وأحيلك على كتاب مهم عن تجربة كوريا الجنوبية بعنوان Global Talent: Skilled Labor as Social Capital in Korea"الموهبة العالمية: العمالة الماهرة كرأس مال اجتماعي في كوريا" من نشر جامعة ستانفورد الأمريكية. حاولتُ أن أجد لك تبريرا أو على الأقل أتخيل السياق الذي أوحى لك بهذه العبارة الضحلة:"الدخول للمغرب بالزعط... بلادك هادي، أنت فدارك واش خاصني نشكرك حيث جيتي لبلادك؟". قد يكون لك مقعد وتير من ثوب بولستير من صنع صيني تسترخي عليه في مكتب فسيح، ومن حولك بعض الكاتبات ومعدّي القهوة والشاي، وبعض السائقين بانتظار طلّتك البهية. هو مناخ يجعل من السهل أن يتسلل إلى جمجمتك شعور "الأهمية"، والإحساس بالذات "المركزية"، فيقتحم كينونتَك تدريجيا جنونُ العظمة. يحق لك في هذه الحالة النفسية أن تتحدث ليس بمنطق العقل والموضوعية، بل بما يأتي من اتساع جمجمتك واتساع مساحات أخرى في متوسط جسدك. فتعتقد أنك تتحدى هؤلاء الملايين من "البؤساء" وهؤلاء "الفاشلين"، حسب اعتقادك، من الملايين الستة من مغاربة العالم، وهو يطرقون بابك أو بالأحرى "الباب العالي" وأنت فيه خليفة من العهد الانكشاري البائد. كلا، أيها الوزير جامح بالزّعطي، لا يعود من يعودون لكربة في نفوسهم، أو ضيق في معيشتهم، أو تقرّبا زلفى إلى مهابة مقامك العالي بجنون العظمة، وأنت المتعجرف الضارب بيده في الهواء: "عندي الملايين ديال الكفاءات اللي كيتسناو الفرصة يخدمو". كلا، أيها الجامح الشارد في نرجسية ضالة: إذا قررت قلة قليلة من مغاربة العالم شدّ الرحال إلى أرض المغرب، فإنهم يتوجهون إلى مغربٍ يعتقدون أنه منفتح على تقدم العصر ومتصالح مع رغبته في التطور، مغرب يسعى لتلاقح الأفكار وتفاعل الخبرات بين مغاربة الداخل ومغاربة الخارج، ومغرب محلي وعالمي في آن واحد. لكن أيها الوزير جامح بالزّعطي، يكفي أن يكون منك عشرون نسخة فقط لكي يتأكد الجميع من هلامية "المشاركة السياسية"، وعبثية العودة إلى مغربك الذي لا يسعفه غروره بالتحلي بقيم الاعتراف والتقدير والمعنويات المتكافئة. لذلك، أقول ويقول جلّنا: لك مغربك المتعالي، ولنا عالمنا المتواضع، لك مغرب الاحتقار، ولنا مغرب صنعناه في صدورنا من أحلام لا تزال عصية على الوجود…! في المقابل، أهمس في آذان مواطني في بلدان الشتات،كما قال زوربا في رواية نيكوس كازانتزاكسي: "لا تتوقفوا عن الرقص والحماقات الكبرى والإيمان بأنفسكم… ولا تتجادلوا مع إنسان لا يجيد الرقص." !