منذ سنوات يقبع معتقلو حراك الريف في السجون بعيدا عن أهلهم وبيوتهم، يحملون فوق أكتافهم ثقل قضية شعب بأكمله. لم يكونوا مجرمين ولا طلاب امتيازات، بل كانوا صوتا اجتماعيا خرج يطالب بالكرامة والعدالة والتنمية ورفع التهميش عن الريف. ومع مرور الزمن لم يعد السؤال المطروح فقط لماذا ما زال هؤلاء في السجن، بل أصبح السؤال الأكثر إيلاما هو لماذا يسود هذا الصمت الثقيل حول قضيتهم. صمت يشبه صمت القبور. حين اندلع الحراك ارتفعت أصوات كثيرة تتحدث عن حقوق الإنسان وعن العدالة والإنصاف. صدرت بيانات وكتبت تقارير وظهرت مبادرات عديدة، لكن مع مرور السنوات خفتت تلك الأصوات بشكل لافت. اليوم يكاد المتتبع يشعر وكأن ملف معتقلي حراك الريف أصبح قضية مؤجلة أو منسية، رغم أن الأحكام القاسية ما زالت قائمة ورغم أن معاناة العائلات لم تتوقف يوما. يتساءل كثيرون أين الجمعيات الحقوقية التي كانت تتحدث عن الاعتقال السياسي وعن ضرورة إطلاق سراح المعتقلين. أين الحملات والندوات والتقارير التي كانت تؤكد أن القضية عادلة وأن أصحابها ضحايا قمع سياسي. هل تحولت القضية إلى مجرد ملف موسمي يظهر في لحظات محددة ثم يختفي. أم أن ثقل الضغوط جعل كثيرين يختارون الصمت بدل الاستمرار في الدفاع عن القضية. ولا يقل صمت جزء من النخبة الريفية قسوة عن هذا الغياب. كان من المفترض أن تتحول قضية المعتقلين إلى قضية مركزية داخل النقاش السياسي والثقافي في الريف. لكن ما حدث في كثير من الأحيان هو العكس. بعض الأصوات فضلت الابتعاد خوفا على مواقعها، وبعضها اختار الاندماج في دوائر المخزن، والبعض الآخر انشغل بصراعات جانبية لا علاقة لها بجوهر القضية. وهكذا وجد معتقلو الحراك أنفسهم في كثير من الأحيان بلا سند سياسي قوي يواصل الدفاع عنهم بنفس الزخم الذي انطلقت به حركة الاحتجاج. السؤال الأكثر إيلاما يتعلق أيضا برفاق الطريق. أين أولئك الذين كانوا في الصفوف الأولى خلال أيام الاحتجاج. أين الأصوات التي كانت تملأ الساحات والشوارع. لا أحد ينكر أن القمع كان شديدا وأن المخزن اعتمد سياسة الاعتقالات والأحكام الثقيلة لتفكيك الحراك وإرهاق المجتمع الريفي. لكن رغم ذلك يبقى هذا الصمت الجماعي مؤلما، لأنه يطرح سؤال الوفاء لقضية لم تكن يوما قضية أفراد بل قضية كرامة جماعية. لقد نجح المخزن إلى حد بعيد في فرض معادلة الزمن. الزمن الذي يرهق الذاكرة ويجعل الناس ينشغلون بتفاصيل الحياة اليومية، والزمن الذي يسمح بتفكيك التضامن تدريجيا. ومع مرور السنوات يتحول الحراك من حدث حي في الذاكرة إلى ملف ثقيل يحاول البعض تجنبه. لكن داخل الريف نفسه وخارجه تبقى الصورة أكثر تعقيدا. هناك ريف الداخل الذي ما زال يعيش آثار القمع والخوف، وهناك ريف الشتات المنتشر في أوروبا وفي بلدان عديدة، ذلك الريف الذي كان دائما سندا للحركات الاحتجاجية وفضاء لصوت حر في مواجهة القمع. ومع ذلك فإن الصمت الذي يحيط بقضية المعتقلين امتد بدرجات مختلفة حتى إلى هذا الفضاء، رغم أن الإمكانات والحرية فيه أكبر. إن قضية معتقلي الحراك ليست مجرد ملف سياسي، بل هي أيضا مسألة دين أخلاقي تجاه رموز نضالية دفعت ثمن مواقفها. فخلف جدران السجون هناك شباب ما زالوا يقضون سنوات طويلة من أعمارهم، وخارج السجون هناك عائلات تعيش الانتظار والقلق والألم. هناك أمهات رحلن قبل أن يروا أبناءهن يعودون إلى البيت. وهناك آباء أنهكهم الانتظار أو غادروا الحياة وهم يحملون حسرة الفراق. وهناك أطفال كبروا وهم يرون آباءهم خلف القضبان. وهناك أسر كاملة تعيش سنوات طويلة بين السجون والزيارات والطريق والانتظار. في مقابل ذلك يقف كثيرون في حالة صمت أو مراقبة من بعيد، وكأن القضية لم تعد تعنيهم كما كانت في بدايتها. لكن الحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أن قضية معتقلي حراك الريف لم تكن يوما قضية أشخاص فقط. كانت تعبيرا عن أزمة عميقة يعيشها الريف منذ عقود وعن مطالب اجتماعية وسياسية خرجت إلى العلن في لحظة تاريخية فارقة. ولهذا فإن كسر هذا الصمت لم يعد مجرد موقف سياسي، بل أصبح مسؤولية أخلاقية جماعية. مسؤولية تقع على عاتق ريف الداخل كما تقع على عاتق ريف الشتات، وعلى عاتق النخب والجمعيات وكل من يعتبر نفسه جزءا من هذه القضية. إن اللحظة اليوم تفرض إعادة بناء اللحمة الريفية على أساس الوفاء لقضية المعتقلين، والعمل على إبداع أشكال جديدة من التضامن والحملات المدنية والإعلامية والحقوقية التي تعيد وضع الملف في الواجهة بعد سنوات من التراجع. فالقضية لا تحتاج فقط إلى التذكير، بل إلى مبادرات خلاقة تكسر دائرة الصمت وتعيد بناء الضغط الأخلاقي والسياسي حولها. إن رموز حراك الريف في السجون ليسوا مجرد معتقلين، بل جزء من ذاكرة نضالية جماعية لا يجوز أن تتحول إلى ذكرى صامتة. ولهذا فإن الواجب اليوم هو استعادة الصوت الجماعي وتوحيد الجهود من أجل هدف واضح وبسيط في جوهره: كسر الصمت والمطالبة بحريتهم الفورية اللامشروطة. لاهاي 11 مارس 2026