بقلم: أبو التّوأم قليلون من يعرفون الأصول النقابية للسيد محمد داكلي، هذا البطل النقابي الذي قاد معركتين كبيرتين أوائل التسعينات في خضم معركة نقابية داخلية بين اليسار الجديد وحزب الطليعة، الهادفين إلى الدفاع عن استقلالية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وبين تيار الاتحاد الاشتراكي الهادف إلى إخضاع النقابة للحزب. في خضم هذا الصراع التاريخي، سيتربع على عرش الكونفدرالية آنذاك ككاتبا عام لكل القطاعات خلفا للسيد تكنزارت أحمد. تحمل المسؤولية في وقت جد عصيب، وكانت مطروحة عليها عدة رهانات موروثة أولها مشاكل عمال شركة "إيماصا" وبحارة الميناء. في سنة ،1987 كنت جالسا مع محمد فخر الدين الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل بمكتبه بالمقر النقابي، دخل علينا شاب وسيم يستفسر عن مشكل له في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يهم أحد أفراد عائلته. ولما عرف فخر الدين أن هذا الشاب ذو الطاقة والرغبة القوية والوحيدة في النضال يشتغل بمستشفى لالة مريم، عرض عليه الاشتغال جنبا إلى جنب بنقابة قطاع الصحة بالمدينة، ليتحمل المسؤولية في 1987/11/27 ككاتب عام، بنائبيه، الأول المرحوم بودراع الحسن، والثاني الحاج محمد رشدي. كأي شاب طموح، رفض داكلي الوصاية وأراد الاشتغال باستقلالية تامة عن الاتحاد المحلي، بل إن طموحه سيجعله ينضم إلى الكتلة المعارضة لطريقة تسيير الاتحاد المحلي من طرف الكاتب العام، حيث تمت مراسلة القيادة النقابية عدة مرات من طرف الجهتين، واقترحت القيادة عدة توافقات كُسِّرت على صخرة الذاتية و الطّموح. يجب التذكير بأن الاتحاد المغربي للشغل كان معروفا بحل نزاعاته الداخلية بين المناضلين دون اللجوء إلى التشهير، وتفاديا لهذا التشهير، حُّذِّر داكلي من طرف الكاتب الوطني للجامعة الوطنية لقطاع الصحة المناضل الكبير كاسي محمد، وهو قيادي في نقابة الاتحاد المغربي للشغل، وكذلك قيادي في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رجل ذو شخصية قوية وثقافة مفرنسة، حيث أن جميع مراسلاته النقابية والإدارية كانت تكتب بالفرنسية. حذّره من أن يثير المشكل النقابي في الأشغال العلنية لمؤتمر قطاع الصحة المنعقد بمدينة الدارالبيضاء سنة 1989، لكن شجاعة الشباب كانت أقوى من أن ينضبط داكلي لهذا القرار المحسوب على قطاع الصحة موضحا أن مكتبه الذي أشرف على تأسيسه العضو الجامعي، الحاج أطلس يجتمع في المقاهي عوض المقر النقابي، وهي الكلمة التي كانت سببا في رفع حصانة المكتب الجامعي لقطاع الصحة على الشاب داكلي محمد، ليفتح باب الصراع بمدينة العرائش بعد الرجوع من المؤتمر، إذ حدث شجار قوي بين ممثلي قطاع الصحة والسيد فخر الدين الكاتب العام، وضُرب على إثر ذلك الشاب داكلي محمد، وسيخلق هذا الحدث تعاطفا كبيرا مع داكلي محمد، بل حتى أن أحد أبرز وجوه القطاع الصحي، مصطفى بن عزوز، والذي كان من أكبر المتشبثين بمركزية الاتحاد المغربي للشغل نتيجة قوة قطاع الصحة آنذاك، سيتعاطف مع داكلي وسيرحل برفقة مجموعة من مناضلي قطاع الصحة إلى الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والتي كان مقرها آنذاك بشارع الحسن الثاني في نفس مقر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ترك داكلي محمد بصمة كبيرة داخل ك.د.ش، وذلك نتيجة الحراك الذي كانت تعيشه النقابة آنذاك من جهة، ونتيجة المعركتين الكبيرتين اللتان قادتهما ك.د.ش في عهده. فأول إنجاز يعتبره الكونفدراليون إنجازا تاريخيا آنذاك هو فصل المقر عن مقر حزب الاتحاد الاشتراكي، إذ قام المسؤولون النقابيون بكراء مقر خاص بالنقابة بشارع سور الإشارة. بتسليط الضوء على هذه المرحلة في تاريخ ك.د.ش خلال الفترة الممتدّة ما بين 89 و 98، أود أن أشير إلى أن أغلبية ما أكتبه أاسرده هو تقريبي جدا، أولا نتيجة تواجدي بالجامعة بمدينة تطوان، ثانيا تحملي المسؤولية بالجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، ثالثا وهو الأهم أهل مكة أدرى بشعابها، فمهما كتبت ووصفت، فإنني لن أتمكن من وصف مرحلة مهمة، كمتتبع من خارج المقر، وكل ما أتذكره وعاشه معي المتتبعون للشأن النقابي والمحلي بالمدينة هما معركتي: معركة "إيماصا" ومعركة البحارة. إيماصا: هي شركة كانت تقوم بصناعة لوازم تلفيف الحوامض، تشغل يدا عاملة مهمة من كلا الجنسين نساء ورجالا، منهم المرسمين، و منهم المؤقتين. حسب حكاية العمال، أن مديرا جديدا متخصصا في سياسة الإفلاس وسد المعامل اسمه جعنين، حل مسؤولا بالشركة، وعاش معه العمال والمسؤولين رفاهية كبيرة خلال مدة قصيرة ليخبرهم بإفلاس المعمل، وأن المعمل أصبح مرهونا لدى المؤسسة البنكيةUNIBAN، ليتم إغلاق المعمل والذي كان قد وضعت نقابته لدى الجهات المختصة ملفا مطلبيا من بين نقطه (الصحة، مشكل العمال الموقوفين عن العمل، الزيادة في الأجور، القفة…). أغلق المعمل في وجه العمال، ولم يكن لهم خيار آخر سوى الدخول في اعتصام لا محدود في باب المعمل المتواجد بشارع عمر بن عبد العزيز، هو الاعتصام الذي دام أكثر من أربعة أشهر، وعرف تضامنا كبيرا سواء على المستوى المحلي أو الوطني، بل حتى الدولي حيث تقاطرت على عمالة العرائش مجموعة من رسائل التضامن من دول مختلفة. وفي أحد مجالس ك.د.ش، اعتبر الشكل التضامني الذي قامت به الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب أرقى شكل تضامني، وذلك بإرسالها لبرقية تضامنية إلى السيد عامل إقليمالعرائش، وهو الشكل الذي كُنت قد اقترحته على الإخوة في مكتب جمعية المعطّلين، كما اقترحت داخل الشبيبة العاملة المغربية تنظيم أمسية غنائية بالسينما تعود مداخيلها إلى عائلات عمال "إيماصا" المعتصمين، إلا أن السيد الباشا آنذاك كان له رأي آخر، فقد رفض هذا النشاط بمبرر واهٍ أن عمال "إماصا" ينتمون إلى ك.د.ش والشبيبة العاملة المغربية تنتمي للاتحاد المغربي للشغل. ويجب التذكير أن هذا الاعتصام عرف عدة مشاحنات واصطدامات مع المخزن، وفي المقابل عرف عدة إبداعات نضالية أهمها تحويل المصنع إلى سوق كوسيلة للضغط، وأشكال تضامنية إبداعية راقية. خلال هذه المعركة تعرض السيد الكاتب العام ل ك.د.ش إلى عدة اصطدامات ومضايقات وتهديد بمتابعات قضائية بتهمة تحقير المقررات القضائية، كما كانت هناك اصطدامات مباشرة في بعض الأحيان بين السيد داكلي وعامل إقليمالعرائش، الذي فضل في آخر أيام المعركة، الاتصال بشكل مباشر مع الكاتب الوطني السيد نوبير الأموي، حيث طلب منه في أحد الأيام رفع الاعتصام إلى حين مرور الموكب الملكي، هذا الطلب الذي تم رفضه من طرف القواعد، حيث تم التوافق على الاستمرار في الاعتصام داخل المعمل وليس ببابه. اختتمت هذه المعركة بالاتفاق على الذهاب إلى القضاء في جمع عام، اختار تسليم ملفهم القضائي السيد المحامي نور الدين المجذوبي.